شريعة

تقنين تعدد الزوجات

تعدد الزوجات

المقصود بتقنين تعدد الزوجات، هو خضوع تعدد الزوجات للقانون، بحيث يجرم القانون أن يتزوج الرجل بامرأة ثانية ومعه زوجته، إلا لضرورة، يقدرها القاضي، كعدم الإنجاب، أو أن يكون في الزوجة الأولى عيب أو مرض، أو نحو ذلك.

وهي دعوى ليست جديدة، فقد أثيرت في مصر عام 1945م، وطبقت في عدد من الدول مثل تونس التي تمنعه مطلقا، و كذلك تركيا، وغيرها من الدول، وقد تبناها الشيخ محمد عبده، واجتهد فيها بناء على ما يقع من ظلم على المرأة عند التعدد.

وتقنين تعدد الزوجات يتوقف على عدة أمور، هي: الحكم الشرعي لتعدد الزوجات، ثم الشروط التي وضعها الشارع لتعدد الزوجات.

تاريخ تعدد الزوجات

تعدد الزوجات ليست بدعا من الأمر في الإسلام، فقد كان تعدد الزوجات منتشرا في أيام الجاهلية، وفي الأمم السابقة، فالشعوب التي تعرف اليوم بروسيا كان التعدد فيها منتشرا، بل كانت منتشرا في أصول الشعوب الأوربية قديما، كما أنه مازال منتشرا في بعض الدول الإفريقية والهند والصين واليابان وغيرها.

وتحريمه في النصارى، ليس أصلا في دينهم، وإنما جاء ميراثا من الشعوب التي كانت قبلهم، وليس في التوراة أو الإنجيل ما يدل على تحريمه، بل كان التعدد شعارا للشعوب المتحضرة، وغيابه دليلا على الشعوب البدائية. ( راجع: فقه السنة (2/ 122) ومابعده).

حكم التعدد

تعدد الزوجات يندرج تحت حكم الزواج، لا فرق بينهما في أصل الحكم، إلا من جهة اشتراط العدل والقدرة، وعلى ذلك، فالتعدد مستحب، وليس مباحا بالمصطلح الأصولي.

قال ابن قدامة في المغني (7/ 5): “ولأن النبي – صلى الله عليه وسلم – تزوج، وبالغ في العدد، وفعل ذلك أصحابه، ولا يشتغل النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه إلا بالأفضل، ولا تجتمع الصحابة على ترك الأفضل، والاشتغال بالأدنى، ومن العجب أن من يفضل التخلي لم يفعله”.

والأصل فيه قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]

وادعى البعض ارتباط التعدد بالزواج من اليتيمات، وأنه ليس على إطلاقه، وليس بصحيح، لأن الآية نزلت فيمن كان وصيا على اليتيمات، فيتزوجهن لأجل أموالهن، فنزلت الآية تخبرهم إن كنتم صادقين في الرغبة في النكاح، فاتركوا اليتيمات، وتزوجوا ما شئتم من النساء مثنى وثلاث ورباع.

ففي البخاري  عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى  {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} قالت: يا ابن أختي  هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه  في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن  ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله [تعالى] {ويستفتونك في النساء} قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا  أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال  .

ويرى الشيخ محمد أبو زهرة أن تقييد تعدد الزوجات بدعة دينية ضالة، لم تقع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عصر الصحابة، ولا في عصر التابعين.

ويرى الشيخ محمود شلتوت القائلين بأن التعدد غير مشروع لارتباطه بشرط يستحيل القيام به بأنهم يعبثون بآيات الله ويحرفونها عن مواضعها.

ثم إن الشرع حين أمر من لا يرى في نفسه العدل؛ لم يحرمه من التسري.

ويقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله-” إذا كان عدد النساء أكثر من عدد الرجال، فنكون بين احدة من ثلاثة حلول، فإما أن نقضي على بعض النساء بالحرمان حتى الموت من الزواج، وإما أن نبيح اتخاذ العشيقات والخليلات، فنقر بذلك جريمة الزنى، وإما أن نسمح بتعدد الزوجات”.

وفي الحديث:” يقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد”، وفي حديث آخر:” وترى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثر النساء”.

تقييد التعدد بإذن القاضي

لما شرع الله تعالى التعدد، كما في القرآن والسنة؛ لم يشترط فيه إذن الحاكم أو القاضي، والقول باشتراطه، لابد له من دليل، ولا دليل.

أن القول باشتراط القاضي يخالف – في الأصل- ما تقرر من أن الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة.

أن خطاب الشرع في اشتراط العدل منوط بالراغب في الزواج لا غيره، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]

قال الدكتور وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته (9/ 6674): ” فإن الخطاب فيه لنفس الراغب في الزواج، لا لأحد سواه، من قاض أوغيره”.

أن أمور الزواج من الأمور الشخصية التي قد يحوطها بعض الأسرار بين الزوجين، فلا يتدخل فيها أحد سواهما مع الأهل، وتدخل القاضي فيها نوع من تقييد الحريات.

شروط التعدد

اشترط الله تعالى في مشروعية التعدد عدة شروط، أهمها: العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت، وإن تفاوتت في العاطفة، لأن العدل المطلق مستحيل، كما قال تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129]، يعني لا يفرح المتزوج بإحدى زوجاته ويكره الأخرى، فيدفعه ذلك إلى ظلمها.

كما اشترط القدرة على النفقة، فإن من لم يكن قادرا على تحمل مسئولية أسرة أخرى، يحرم عليه الإقدام على الزواج بالأخرى، فليس التعدد لأجل الشهوة فحسب، بل هو تحمل مسئولية فوق المسئولية.

كما اشترط المساواة في المبيت، والقدرة على الإعفاف والإحصان. وقد ورد في صحيح السنن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ” “من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل”.

الحكمة من التعدد

من المعلوم شرعا أن الله سبحانه لا يشرع شيئا إلا لحكمة، وحكمة مشروعية تعدد الزوجات ممن عرف في نفسه العدل بينهن، وكان عنده القدرة على النفقة والإعفاف وتحمل المسئولية، فهؤلاء فقط هم من شرع لهم تعدد الزوجات، وذلك لحكم كثيرة، من أهمها:

  1.  أنه من حق كل امرأة في المجتمع المسلم أن تكون أما وزوجة، فلماذا تنعم نساء بالأزواج والأولاد، وغيرهن محرومات، يعانين الألم والأذى من الوحدة القاتلة، التي ربما تدفع إلى الاكتئاب النفسي والاضطراب في الحياة، هذا إن لم تدفعها إلى معصية الله، وإن كان من ينادي بتقييد تعدد الزوجات حفاظا على الزوجة الأولى من الأذى النفسي بزواج زوجها بغيرها، فكيف بالتي لم تتزوج مطلقا، أين حقها في الحياة الاجتماعية؟
  2. أن الواقع يقول إن عدد النساء أكثر من الرجال، فزواج الرجال من النساء حماية للمجتمع من الانحراف.
  3.  أن المجتمعات يكثر فيها المطلقات والأرامل، وهؤلاء ينظر المجتمع إليهن نظرة متدنية، فيتهمون المرأة المطلقة بالفشل، ويحكمون على الأرملة بالموت وهي على قيد الحياة، فكان من الحكمة تشريع التعدد، خاصة إن كان الزواج من المطلقات أو الأرامل.
  4.  أن التعدد يساعد في حل المشكلة الاقتصادية، فالرجل المقتدر على الزواج بأخرى، يأتي لها بالسكن، ويدفع لها النفقة، ويكفيها مؤنة الكفاح في الحياة، ولا يخفى على عاقل أن خروج المرأة اضطرارا إلى العمل فيه من المشقة ما الله به أعلم.
  5.  أن الإسلام سد باب العلاقات المحرمة، ودعا أتباعه إلى الحلال، وفي سبيل ذلك، أباح لهم البديل وهو التعدد خشية الوقوع في الحرام.
  6. أن التعدد ليس هو القاعدة الأولى في المجتمعات المسلمة، فعدد المفردين ممن يتزوج امرأة واحدة أكثر بكثير ممن يعدد، بل ليست هناك مقارنة.

احتراز

ولا يخفى على عاقل أن سوء تطبيق فقه التعدد هو ما تسبب في الحملة عليه، ولهذا، كان واجبا على كل مسلم أن يتقي الله تعالى إن أراد التعدد، وأن يلتزم الشروط الشرعية فيه، من العدل والقدرة والنفقة وحسن العشرة، وأن يكون قدوة حسنة لغيره، فإن أساء في ذلك؛ تدخل القضاء لإعادته.

وأقصى حد لدخول القضاء في التعدد، هو أن يقدم الرجل ما يثبت كفاءته المادية، وخلوه من الموانع الصحية التي تمنعه من القيام بواجب الزوجية عند التعدد، أما الأصل فلا يكون تقييده بقانون، لأن قانون الله مقدم على قانون البشر إن خالفه.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين