فكر

عبد المجيد الشرفي ومشروعه التأويلي

عبد المجيد الشرفي

في إطار المشروع التأويلي الذي يبتغي إعادة قراءة النص الديني اعتمادا على المقاربات والمناهج الحديثة دون المناهج الكلاسيكية يبرز اسم المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي[1] كرائد من رواده، ورغم أهمية دوره ومركزيته إلا أن ما كتب حوله تحليلا ونقدا يعد ضئيلا إذا ما قورن بما كتب عن غيره من التأويلين، ولذلك أحاول في السطور التالية بيان موقع الشرفي ضمن مشروع القراءة الحداثية للإسلام، وأقدم بعض تأويلاته للمفاهيم المركزية كالوحي والنبوة والنص القرآني، ولكني قبيل ذلك أتوقف عند نشاطه البحثي والمشروعات التي ارتبط بها. 

مشروع معرفي مؤسسي لا فردي

لعل أهم ما يميز عبد المجيد الشرفي عن رواد القراءة الحداثية انخراطه في وقت مبكر ضمن عدة مشروعات مؤسسية استهدفت إحداث تغيير جذري في بنية الفكر الإسلامي، فمشروعه كما نرجح هو مشروع جمعي أو مؤسسي أكثر من كونه مشروع فردي، أولى هذه المشروعات كان إشرافه في الثمانينات على مشروع “معالم الحداثة” الذي رام إلى تطويع الفكر الإسلامي في إسار الحداثة، ثم نهض بعدها بمشروع أكثر أهمية أحدث صدى ثقافي هو “الإسلام واحدا ومتعددا” الذي تبنته رابطة العقلانيين العرب.

وقد وقف ورائه إيمانه العميق أن الإسلام ليس له بنية محددة ثابتة ونهائية، وليس له ماهية تميزه عن غيره من الديانات بل “ليس هناك إسلام واحد لا عبر الزمان ولا عبر المكان”، وقد جسدت العناوين الكتب الصادرة عن المشروع هذه الفكرة بجلاء ومنها: إسلام الفقهاء، إسلام المتصوفة، إسلام المحدثين، الإسلام الأسود، الإسلام الأسيوي، وكأنه لا وجود للإسلام الكلي الذي يستوعب كل هذه التنوعات والمفردات في إطار جامع، وإنما هناك ذلك الإسلام المتشظي جغرافيا وإثنيا ومعرفيا.

وأما خاتمة مشروعاته وأهمها فهو مشروع المصحف وقراءاته (2016) الذي دعمته مؤسسة مؤمنون بلا حدود وأصدرته في خمس مجلدات أشرف عليها عبد المجيد الشرفي وتولى تحريرها، ويستهدف هذا المشروع التشكيك في وجود نص قرآني وحيد والترويج لوجود نصوص قرآنية طمرت تحت قمع السلطة السياسية التي أقدمت على جمع المصحف، وهذه النصوص ليست سوى القراءات الأخرى حيث قام الشرفي ومعاونوه بوضع الآية القرآنية متبوعة بقراءة حفص ثم بباقي القراءات التي يؤكد الشرفي أنها لا تختلف من حيث النطق وأن هنالك اختلافات في المعنى؛ فآية (إن الدين عند الله الإسلام) ليست إلا قراءة واحدة حيث وجدت في إحدى القراءات (إن الدين عند الله الحنيفية).

وقد لقي هذا المشروع اهتمامًا من الدارسين الغربيين إذ تذهب المستشرقة الألمانية أنجيلكا نويفرت إلى أن “هذه الطبعة التونسية تجعل القرآن مقروءا بصورة صحيحة كمجال لأصداء زمانه”، على حين يذهب جان فوتين مدير مركز قرطاج إلى أن هذا العمل “يمس أسس الإسلام الراسخة”.

مشروع عبد المجيد الشرفي ..ملاحظات أولية

تعود أولى المحاولات التأويلية للشرفي إلى عام 1984 حين نشر دراسة باللغة الفرنسية بعنوان: تنزيل القرآن وتأويله: مواقف كلاسيكية وآفاق جديدة، ثم تابع ذلك في مصنفاته اللاحقة وأهمها كتاب الإسلام بين الرسالة والتاريخ (2001)، وبصفة عامة يمكن القول أن هناك مشتركات تجمع الشرفي برفاقه من أصحاب القراءة الحداثية لكنه أيضا يتميز عنهم ببضع خصائص، فأما ما يجمعه برواد القراءة الحداثية فهو الانطلاق من المسلمات المنهجية الحداثية، وهي:

–       عجز المناهج الكلاسيكية الإسلامية عن إنجاز قراءة للنص الديني تجمع بين الإسلام كرسالة صالحة لكل زمان ومكان وبين مقتضيات العصر الحديث، ولذلك فالضرورة تقتضي الاستعانة بالمناهج الحداثية للوصول إلى قراءة أعمق للنص وللظاهرة الدينية بأسرها.

–       العبث بمحتوى المفاهيم التأسيسية كالوحي والنبوة والدين والكتاب وإبدالها بمحتويات أخرى تقطع مع المحتوى التراثي المستقر عبر قرون.

–       التوسل بمناهج التفكيك والبحث التاريخي من أجل التشكيك في الوقائع التأسيسية كعملية التدوين، وذلك من خلال تتبع الآراء والمواقف والأقوال الشاذة واتخاذها منطلقا لرواية تاريخية بديلة تنفي الرواية السائدة.

–       رفض كل ما يتعلق بالغيبيات من قبيل وجود الملائكة والجن من الرسالة المحمدية وقبول ما يتفق مع المعطى الحسي والعقلاني.

وإذا ما تجاوزنا عن هذه المسلمات التي يؤمن بها جميع دعاة القراءة الحداثية فإن هناك بعض خصائص ينفرد بها الشرفي تتعلق بالأدوات لا المنهج، ومن بينها:

–       الحرص على الكتابة باللغة العربية، على غير عادة الكتاب المغاربة، وهي نقطة أوردها الشرفي وذكر أن بعض أصدقائه اقترحوا أن يضع كتابه “الإسلام بين الرسالة والتاريخ” باللغة الفرنسية لحساسية موضوعه لكنه آثر أن يكتب بالعربية لعاملين هما: حاجة قراء العربية إلى ما يفتح أمامهم آفاق التفكير ويبعد بهم عن الاجترار والتكرار، وضرورة إخضاع اللغة العربية ذاتها لتفكير العصر الحديث وإلا ماتت وأضحت عبئا على أصحابها. 

–       يرتبط بهذا اعتماد الشرفي على عدد كبير من المصادر العربية التراثية والمعاصرة في كتاباته، وهو ملمح مميز آخر إذ أننا قلما نجد مصادر عربية في كتابات أركون على سبيل المثال، وربما أمكن عزو ذلك إلى أن الشرفي عمل أستاذا للدراسات الإسلامية وأنه لم يقم بالغرب، فظل متواصلا بشكل أو آخر مع الثقافة العربية.

–       وثمة ملمح آخر وهو النزوع التوفيقي لدى الشرفي، فهو ينطلق من فكرة أساسية وهي إمكانية التوفيق بين الإسلام وبين مقتضيات الحداثة المادية والمعنوية، ويصرح بأن محاولاته هي نوع من الاجتهاد ولكنه اجتهاد ليس بالمطلق ولا المقيد كما هو الحال في عرف الفقهاء لكنه اجتهاد مغاير “يهمه الوفاء لجوهر الرسالة المحمدية ولا يخشى معارضة المسلمات بدعوى أنها من المعلوم من الدين بالضرورة متى كانت تستوجب المعارضة”. 

الوحي والنبوة والرسالة

اهتم الشرفي بمفهوم الوحي وأولاه عناية خاصة، وهو يعرفه بأنه ” مصدر علم النبي، أي تلك الحالة الاستثنائية التي يغيب فيها الوعي وتتعطل الملكات المكتسبة ليبرز المخزون المدفون في أعماق اللاوعي بقوة خارقة لا يقدر النبي على دفعها …ليبرز التمثل المخصوص لما تمليه عليه الإرادة الإلهية” وهذا التعريف كما نلحظ يجعل مصدر الوحي داخلي أي صادر عن نفس النبي إلى الخارج وليس موحى به من الخارج إلى ذات النبي، لكن هذا لا يشكل قلقا بالنسبة للشرفي الذي يؤكد أنه لا مجال للتعارض بين النظرة الإيمانية والنظرة العلمية؛ فالفرق بينهما هو في مصدر الوحي لا حقيقته حيث تنسبه الأولى إلى الله وتقف الثانية عند مستوى الظواهر المحسوسة أي النبي، إلا أنهما تلتقيان معا في أمر أساسي وهو صدق نبوة محمد وأنه لا يعبر عن آرائه الذاتية بل يبلغ عن الله. 

وثمة إشكال رئيس يثيره الوحي لديه هو هل كان الوحي الذي يتلقاه النبي صلوات الله عليه “كلام الله يؤديه في لغة بشرية أو هو كلام الله وكلامه -صلى الله عليه وسلم- في الآن نفسه”. أو بعبارة أخرى هل كان الوحي باللفظ والمعنى معا أم بالمعنى فقط، وهو يرجح أنه كان بالمعنى دون اللفظ مستندا على رأي ورد في كتاب الاتقان يرجح أن جبريل إنما نزل بالمعاني دون الألفاظ، وقد علق السيوطي عليه بأن قائله “تمسك بظاهر قوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك”.

ورغم أنه رأي وحيد وشاذ إلا أن الشرفي يعتقد أنه أقرب الآراء إلى المعقولية الحديثة، وأنه يصلح منطلقا لتفكير متجدد مع الوحي “يحافظ في القرآن على بعده الإلهي المفارق من دون تجسيم، وعلى بعده الإلهي البشري الطبيعي بتاريخيته ونسبيته، غير فاصل بين البعدين أو مقص لأحدهما أو مضخم له على حساب الآخر”.

حظي مفهوم النبوة باهتمام مماثل من الشرفي، وهو ينطلق في مقاربته من مسلمة أولية وهي أن معنى النبوة يتغير بتغير الأديان والثقافات وحتى الأزمنة لأنه يحيل على تجارب تاريخية لا يمكن استعادتها، قام بها بشر -أنبياء- اختلطت في سيرهم ما هو أسطوري بما هو واقعي، وهو ما لا تخلو منه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مرجعا ذلك إلى وجود فجوات وانقطاعات في حياته قبل البعثة ملأتها الأسطورة، ومن أمثلتها ديانته قبل البعثة التي يرجح أنها كانت عبادة الأوثان حيث أن “قوانين الاجتماع الإنساني لا تفرض سوى هذا السلوك العادي الذي يجعل الطفل قبل بلوغه مرحلة التمييز مقلدا لما يرى الآخرين يفعلونه”.

والنبوة عند الشرفي ليست تكليفا إلهيا وإنما هي كذلك استعداد بشري، فمؤهلات النبي صلى الله عليه وسلم الخُلقية، واتساع مداركه الذي ساهمت فيه رحلاته التجارية، وصلاته بأحناف الجزيرة العربية، وقدراته الإقناعية والخطابية كل هذه صفات ذاتية جعلته أكثر قابلية للنبوة، وبحسب الشرفي فإنه لا تعارض بين الاصطفاء الإلهي والاستعداد البشري والفارق بينهما يكمن في أن من يقول بالاصطفاء يقبله عن طريق الإيمان فلا يمكن الاستدلال عليه عقليا، أما الاستعداد فهو يقع تحت طائلة الاختيار والفحص التاريخي”.

ويقود الحديث عن النبوة إلى الحديث عن الرسالة الموحى بها، وآراء الشرفي في هذا الشأن لا تختلف كثيًرا عن آراء أركون فهو يعتقد أن لفظ القرآن لا يصح إطلاقه إلا على الرسالة الشفوية التي بلغها الرسول إلى الجماعة التي عاصرته، أما المصحف فمن المعروف أن الصحابة أنفسهم لم يتفقوا بشأن الجمع، وقد فرض من قبل الخلفاء المسلمين وأحرقت المصاحف الأخرى كمصحف حفصة وغيره، وقد أوحى وجود مصاحف متعددة للشرفي بفكرة جديدة هي اختلافها عن المصحف المتداول ليس فقط في كيفية القراءة والرسم الإملائي للكلمة بل في المضمون كذلك، وعبر هذه الفكرة توصل الشرفي إلى نتيجتين: 

الأولى، أن هنالك مصاحف أخرى استبعدت عمدًا تحت وطأة الصراعات الأيديولوجية، وهو ما يعني أن المصحف ليس إلا نصا واحدا ضمن نصوص دينية أخرى. 

 والثانية، أن الذكر الذي تكفل الله بحفظه هو: “مضمون الدعوة بما انطوت عليه من تبشير وإنذار ومن توجيه وإرشاد وليس الألفاظ والتعابير التي صيغت فيها تلك الدعوة والتي دونت في ظرف معين وتنسب إلى قوم بأعيانهم، ولها نحوها وصرفها وقواعدها ولا تختلف في هذا المحتوى عن أي لغة أخرى”. 

وهكذا نزع الشرفي القداسة عن النص القرآني، وصيره نصا لا يختلف عن أي من النصوص الدينية الأخرى، وجعله قابلا لأن يدرس بنفس الأدوات والمناهج التي استعملت في مقاربة نصوص اليهودية والمسيحية. 


[1] ولد عبد المجيد الشرفي بمدينة صفافس التونسية عام 1942، ونال شهادته الجامعية عام 1960 ثم حصل على درجة الدكتوراة من الجامعة التونسية عام 1982، وشغل عدة مناصب تدريسية منها عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، ويترأس حاليا المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة”، وله عدد من المؤلفات منها: الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي (1986)، الإسلام والحداثة (1990)، لبنات (1994)، الإسلام بين الرسالة والتاريخ (2001)، مرجعيّات الإسلام السياسي (2014)، وأخيرا المصحف وقراءاته (2016).

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين