فكر

صناعة المسلم في أوروبا وأميركا

3 Feb, 2015

0
مشاركة

في كتابه «صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى» يذكر ريتشارد سوذرن أن من بين صور الإسلام المنتشرة في أوروبا في ذلك الوقت صورته باعتباره ديناً وثنياً فيه 30 إلهاً، أحدهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الصورة استمرت حتى نهاية العصور الوسطى.

قد يظنّ المرء أن زيادة المعارف وتعاظم وسائل المواصلات والتواصل وتعمقها يؤدي ـ حتماً ـ  إلى الوضوح وتبدد التشوهات، إلا أن هذا الظن ليس صحيحاً؛ فعملية إنتاج المعرفة لا تتم في الفراغ، بل هي عملية متصلة ومرتبطة بشكل وثيق بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وبحسب هذه السياقات يتم تشكيل الأصناف: «غرب»، «مسلم»، «أوروبي»…إلخ، وتضمينها الحمولات القيمية والتنميطات العامة.

 فالمسلم في أوروبا هو كل من يعود بجذوره إلى بلدان مسلمة عموماً، وشمال أفريقية بشكل أكثر تحديداً، حتى لو لم يتقيد بالإسلام، بل حتى لو كان ملحداً.

إن محاولة التعرف على الأطر والمضامين التي يتم على أساسها بناء وإنتاج صنف «مسلم» في أوروبا وأميركا مثيرة للاهتمام، إلا أنها عملية محفوفة بالمخاطر؛ ذلك أن حكاية الصنف «مسلم» لديهم تحمل مضموناً عرقياً أكثر منه دينياً، فالمسلم في أوروبا هو كل من يعود بجذوره إلى بلدان مسلمة عموماً، وشمال أفريقية بشكل أكثر تحديداً، حتى لو لم يتقيد بالإسلام، بل حتى لو كان ملحداً.

فالإسلام باعتباره ديناً يجمع الكثير من البشر من مختلف أرجاء الأرض، لا يقدم أي تبرير منطقي أو معقول لإلصاق تنميطات وتصويرات سلبية عن المسلمين، فهؤلاء ينتمون إلى بلدان وثقافات مختلفة، ويحملون رؤى وتوجهات مختلفة ومتضاربة لما يجب أن تكون عليه دولهم الأوروبية من ناحية سياسية واقتصادية، كما أنهم ينتمون إلى طبقات اقتصادية واجتماعية مختلفة داخل النسيج الأوروبي.

لكن وسائل الإعلام الغربية لا ترى أياً من هذا، وتصرّ على جمع هؤلاء كلهم بكامل اختلافهم وتنوعهم تحت الصنف «مسلم» بعد تحويله إلى ما يشبه العرق، ثم يبدؤون بتحميل هذا الصنف تنميطات وتصورات سلبية متنوعة، حاول الدكتور في جامعة إنديانا عبدالقادر سنّو رصدها في أحد أبحاثه.

وسائل الإعلام الغربية لا ترى أياً من هذا، وتصرّ على جمع هؤلاء كلهم بكامل اختلافهم وتنوعهم تحت الصنف «مسلم» بعد تحويله إلى ما يشبه العرق، ثم يبدؤون بتحميل هذا الصنف تنميطات وتصورات سلبية متنوعة، حاول الدكتور في جامعة إنديانا عبدالقادر سنّو رصدها في أحد أبحاثه.

فالمسلم في وسائل الإعلام السائدة في أميركا وأوروبا يُربَط عادة بكونه خطراً إرهابياً، وبكونه يسيء استغلال أنظمة وخدمات الرفاه الاجتماعي، وبكونه متصلّباً ثقافياً، وكذلك بأنه ذو تعليم متواضع، ومسيء إلى حقوق المرأة، ومتخلف اقتصادياً…إلخ.

ولو ركّزنا على جانب واحد لرأينا بوضوح كيف تعمل الأطر المتعددة، التي يتم من خلالها إبراز المسلم في الدول الأوروبية وأميركا. هذا الجانب هو النظرة للمسلمين باعتبارهم مستغلين وعالة على أنظمة الرفاه الاجتماعي.

ففي دراسة الدكتور عبد القادر سنّو تحليل لمحتويات المواد الإعلامية الغربية خلال عشرة أعوام (٢٠٠٠-٢٠١٠) في ثلاث دول (بريطانيا، كندا، أميركا).

أول هذه الأطر هو:

ـ  الإطار الإرهابي: وفيه يتم تصوير علاقة الأقليات التي تصنف بأنها «مسلمة» بمؤسسات الرفاه الاجتماعي وإساءة استخدامها، وأنها تتم في إطار محاولة تمويل الإرهاب، أي أن هذه الأقليات تستنزف أموال الدولة من أجل تمويل العمليات الإرهابية.

فبرامج الرفاه الجماعي؛ إما أن تقدم بأنها أداة يستخدمها المسلمون لتمويل الإرهاب، أو أنها محاولة من الدول الأوروبية لاسترضاء المسلمين كي لا يقوموا بأي عمل إرهابي.

ـ إطار الهجرة: والفكرة السائدة في المقالات والمواد التي تنشر ضمن هذا الإطار هي أن السماح للمسلمين بالتمتع بهذه البرامج لن يؤدي إلا إلى تشجيع المزيد من المهاجرين المسلمين غير المرغوب فيهم للقدوم إلى البلدان الغربية.

ـ إطار إساءة الاستخدام: و تقدم فيه علاقة الأقليات المسلمة بأنظمة الرفاه الأوروبي، والمثال المعبّر لهذا الإطار هو حديث جاك شيراك عندما كان محافظاً لمدينة باريس في عام ١٩٩١، إذ قال لجماهيره: «ليست المشكلة في وجود الأجانب، بل في إساءة استخدام خدمات الدولة».

صحيح أن عدد الأجانب عندنا هو نفسه قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أنهم ليسوا متماثلين، وهنا يكمن الفرق. فلا مجال للشك أن استقدام برتغاليين أو بولنديين أو إسبانيين للعمل عندنا يسبب مشكلات أقل من استقدام المسلمين والسود.

فكيف تتوقعون أن يتقبل مواطن فرنسي يعمل هو وزوجته ليحصل من الدولة ما قيمته ١٥ ألفاً، في حين أن جاره المتزوج من ثلاث أو أربع نساء، ولديه ما يفوق 20 ولداً يحصل على ٥٠ ألف من دون أن يعمل حتى، وإذا أضفت إلى هذا الرائحة والإزعاج فإن العامل الفرنسي سيُجَنُّ.

 يقول جاك شيراك:صحيح أن عدد الأجانب عندنا هو نفسه قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أنهم ليسوا متماثلين، وهنا يكمن الفرق. فلا مجال للشك أن استقدام برتغاليين أو بولنديين أو إسبانيين للعمل عندنا يسبب مشكلات أقل من استقدام المسلمين والسود.

هذه الأطر لا تستند إلى معطيات محددة، بل تقدم تصورات وتفسيرات بسيطة عن واقع السياسة المحلية في كل دولة أوروبية؛ من أجل إثارة المشاعر والعواطف وتأطيرها بشكل يمكِّن الأحزاب السياسية من أن تستغلها في حملاتها الانتخابية. إنه شكل متكرر من توظيف العنصرية والكراهية والطمع كعناصر أساسية؛ لتحقيق مكاسب انتخابية وحزبية.

في هذا الخطاب لا يهم إن كان من يُصنَّف «مسلماً» مؤمناً بالإسلام حقاً، ما يهم أنه مقيم في أوروبا ومن أصول تعود إلى بلاد إسلامية، هذا كافٍ لأن يتم النظر إليه بتنميطات وأحكام جاهزة.

الحقد عليه يكمن في مزاحمته للعنصر الأبيض في ما يعتبره بلاده، وليس في ما يعتنقه من دين. فقط ضمن هذا السياق يمكن فهم العداء والعنصرية اتجاه المسلمين في أوروبا.

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: صحيفة الحياة
0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2015

بترخيص من وزارة التنمية الإدارية و العمل و الشؤون الاجتماعية رقم 18/2019