الوالدان بين البر والطاعة

إنَّ للوالدين مقامًا وشأنًا يعجز الإنسان عن إدراكه، ومهما جهد القلم في إحصاء فضلهما فإنَّه يبقى قاصرًا منحسرًا عن تصوير جلالهما وحقّهما علينا كأبناء، وكيف لا يكون ذلك وهما سبب وجودنا، وعماد حياتنا، وركن البقاء لنا؟!

لقد بذل الوالدان كل ما أمكنهما على المستويين المادي والمعنوي لرعايتنا وتربيتنا، وتحملا في سبيل ذلك أشدَّ المتاعب والصعاب والإرهاق النفسي والجسدي، وهذا البذل لا يمكن لشخصٍ أن يعطيه بالمستوى الذي يعطيه الوالدان، لهذا فقد اعتبر الإسلام عطاءهما عملاً جليلاً مقدَّسًا استوجبا عليه الشكر وعرفان الجميل، وأوجب لهما حقوقًا علينا لم يوجبها لأحدٍ على أحدٍ إطلاقًا، حتى أن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده فقال: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا)، إنَّ الفضل على الإنسان بعد الله هو للوالدين، والشكر على الرعاية والعطاء يكون لهما بعد شكر الله وحمده، واليك بعض النماذج من حقوقهما علينا:

– حبهما وتوقيرهما في النفس والقلب ما استطاع، لأنَّهما أحق الناس بحسن الصحبة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) رواه البخاري.

– الرعاية والقيام على شئونهما لأن هذا ديْنٌ في عنقنا، فلا يصح أن نتأخر في بذل أي جهد أو عون لهما بطلبٍ أو بدون طلبٍ منهما.. وتحرى سُبل راحتهما وسعادتهما والقيام بها لننال رضى الله ورضاهما.

– عدم إيذائهما ولو بإسماعهما ما يكرهانه من القول أو الفعل.

– النفقة عليهما إن احتاجا, وإن كان الأب معسرًا فيجب علينا مساعدته في النفقة ومدّ العون والمال لهما بما في الاستطاعة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك).

– أمَّا بعد موتهما -بارك الله في أعمارهما- فيُسنُّ قضاء ما يكون عليهما من كفارات، والتصدق عنهما، والحج أو الاعتمار عنهما، والاستغفار والدعاء لهما، وإكرام صديقهما، وأن نصل الرحم التي لا توصل إلا بهما.

و عن فضل الأم قال الإمام عليٍّ رضي الله عنه حين قال: “فحقّ أُمِّك أن تعلم أنَّها حملتك حيث لا يحمل أحدٌ أحدًا، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يُطعِم أحدٌ أحدًا، وأنَّها وَقَتْك بسمعها وبصرها ويدها ورجلها وشعرها وبشرها وجميع جوارحها مستبشرةً بذلك فرحةً موبلة -كثيرة عطاياها- محتملة لما فيه مكروهها وألمها وثقلها وغمّها، حتى دفعتها عنك يد القدرة وأخرجتك إلى الأرض فرضِيَتْ أن تشبعك وتجوع هي، وتكسوك وتعرى، وترويك وتظمأ، وتظللك وتضحى، وتنعمك ببؤسها، وتلذذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاءًا وحجرها لك حواءًا، وثديها لك سقاءًا، ونفسها لك وقاءًا، تباشر حر الدنيا وبردها لك دونك، فتشكرها على قدرِ ذلك ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه”.

الطاعة في كل الأمور

إن الخلاف بين الأبناء والآباء واردٌ جدًّا، وأمرٌ طبيعي في كلِّ العائلات، ومن الطبيعي أن يختلف الابن أو الابنة مع أحد الوالدين حول فكرةٍ أو موضوعٍ، ولكن لا بد مراعاة عدة أمور في ذلك:

– أنَّ اعتراضات الوالدين تكون أحيانًا وجيهة، ويكون الأبناء غير مبالين بها إمَّا لقلَّة خبرتهم، أو لاندفاعهم وراء عواطفهم.. لذلك يجب عدم الاستعجال في الحكم على فكرةٍ أو رأيٍ، بل المناقشة معها والحوار الهادئ، وتفهَّم وجهة نظر الوالدين جيِّدًا ودوافعهما مع التفكير الجيد قبل اتخاذ أي قرار..

– الآباء والأمهات هم أحرص الناس على أبنائهم،  لذلك محاولة إرضاء الوالدين على قدر الاستطاعة والمقدرة إحسان لهما ووفاء ورحمة بهما.

–  أهمية التفريق بين أمرين مهمين جدًّا التبس على كثيرٍ منّا فهمهما الصحيح، وهو -كما يقول الدكتور معتز الخطيب-: “الفرق بين مفهوم “الطاعة” للوالدين، ومفهوم “بر الوالدين”، “فالطاعة” لا تكون سوى لله ورسوله، ولم ترد أي آيةٍ من آيات برِّ الوالدين في القرآن فيها كلمة “طاعة” إلا في موضوعٍ واحدٍ وهو حالة الشرك في الله فقال “لا تطعهما”، ذلك التفريق بين المعنيين ينبني عليه التالي:

  1.  أنَّ الطاعة تكون استجابةً للأمر من دون مناقشةٍ ولا خِيَرة، كطاعة أوامر الله ورسوله إذا قضيا أمرًا، بينما يختلف الأمر مع الوالدين فالمراد “إرضاؤهما”، وهو مُقتضى معنى البرِّ والمصاحبة والإحسان والوصية، وإرضاؤهما يمكن أن يحصل من دون تنفيذ أوامرهما، أو قد يحصل بعد مناقشتهما في رأيهما وإقناعهما بصواب رأينا نحن أو غير ذلك.
  2. أنَّ الطاعة تدخل في المسائل الاعتقاديَّة لأنَّها مطلوبةٌ لتنفيذ ذات الأمر، بينما لم يأمرنا الله بتنفيذ أوامر الوالدين كلِّها هكذا وعلى الإطلاق، وإلا للزم أن ننفِّذ كلَّ ما يطلبانه سمعًا وطاعة.
  3. أنَّ الطاعة تحكُّمٌ وخضوع، وهذا يُطلَب لله سبحانه وحده، بينما لا يجوز مع الوالدين أو غيرهما.

كثيرًا ما يتمُّ تصوُّر أنَّ برَّ الوالدين يكون بالاستجابة لكلِّ أوامرهما، وهذا ناشئٌ من الخلط بين مفهومي “البرّ” و”الطاعة”، وهنا يجب التفريق بين ما يخصُّ الوالدين ويدخل في دائرة حقوقهما، وبين ما يخصُّ الابن أو البنت ويدخل في دائرة حقوقهما، ولكن يحقُّ للوالدين أدبًا، ومن باب المصاحبة والإحسان، إبداء الرأي والمشورة في ذلك، وبعد هذا الرأي والمشورة يعود القرار لصاحبه.

نريد جميعًا أن تكون أسرنا المسلمة أسرًا يسودها الحب والألفة بين جميع أفرادها كبارًا وصغارًا، وذلك يكون باحترام بعضهم البعض، ووجود ثقة متبادلة بين أفرادها .

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين