تمهيد
فإن من سنن الله القائمة في كونه تبدل الأحوال وتغير الظروف، فلكل عصر أدواته ووسائله، ولكل أهل زمان عاداتهم وأعرافهم الخاصة، وقد تميز هذا العصر عن العصور السابقة بالتطور المادي الكبير الذي شمل كافة نواحي الحياة، وبخاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا؛ حيث نشهد هذه الأيام ثورة عارمة وتقدمًا مذهلًا في وسائط الإعلام والاتصال وتقنية المعلومات، إلى درجة أن المرء بات عاجزًا عن ملاحقة ما يستجد في هذا المجال.
وكان لانتشار هذه الوسائل دور هام في تيسير أمور الناس وقضاء احتياجاتهم، فصاروا يعتمدون عليها في أغلب شؤون حياتهم، ولم يعد بإمكان أحد الاستغناء عنها في هذا الزمن، وقد أفرز هذا التطور جملة من النوازل والمسائل الجديدة التي تتطلب من علماء الشريعة بذل الجهد واستفراغ الوسع في استنباط أحكامها.
ولقد اهتم علماء الشريعة بما يستجد من النوازل الفقهية، وحظيت هذه النوازل باهتمام علماء العصر اهتمامًا بالغًا، فقاموا ببيان المنهج الشرعي في استنباط أحكامها، وبذل الوسع في بيان حكم ما وقع منها.
ونبين معنى فقه النوازل وأهميته، والضوابط التي ينبغي لأهل العلم أن يسلكوها عند حصول النازلة، وبيان الحكم الشرعي فيها.
أولًا: تعريف فقه النوازل لغة واصطلاحًا
أ- تعريف الفقه لغة: الفِقه بالكسر: فهم الشيء.
وفي الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية. وفي القديم كانت تطلق ويراد بها: الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس ومن ذلك مشروعية القنوت في النوازل، أما في الحديث فقد عرفت النازلة بعدة تعريفات منها:
أ- الوقاع والمسائل المستجدة، والحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي.
فيكون تعريف فقه النوازل بناء على ما سبق: معرفة الحوادث التي تحتاج إلى حكم شرعي. فقولنا معرفة: يشمل العلم والظن، فخرج بذلك الجهل والوهم والشك؛ لأن إدراك الأحكام الفقهية قد يكون يقينيًّا وقد يكون ظنيًّا. وقولنا الحوادث: يراد بها الشيء الذي يقع ولم يكن له ما يماثله، ولها عدة صور:
- حوادث جديدة تقع لأول مرة، مثل: النقود الورقية، وزراعة الأعضاء.
- حوادث جديدة تغيّر حكمها؛ لتغير ما اعتمدت عليه من عرف، مثل: صور قبض المبيع المعاصرة.
- حوادث اشترك في تكوينها أكثر من صورة من الصور القديمة، مثل: عقد الاستصناع، بيع المرابحة للآمر بالشراء.
وقولنا تحتاج إلى حكم شرعي: يخرج بهذا القيد الحوادث التي لا تحتاج إلى حكم شرعي، مثل، الزلازل والكوارث والبراكين.
ويطلق على العلم الذي يُعنى بالنازلة عدة مصطلحات منها:
- فقه النوازل.
- فقه الأولويّات: يعني أن النازلة سواء كانت للفرد أو المجتمع، فهي أولى بالبحث والاستقصاء وإبراز الحكم من غيرها، فهي من الأولويات في هذا الجانب.
- فقه الموازنات: أي إن من أبرز الوسائل لإيضاح فقه النازلة الموازنة بينها وبين ما يشبهها أو يقاربها.
ثانيًا: أهمية دراسة فقه النوازل
سبق أن قلنا بأن تغير الأحوال والظروف أنتج كمًّا هائلًا من القضايا الفقهية المعاصرة، ولا تخفى أهمية الموضوع وضرورته للمهتمين بعلوم الشريعة بخاصة، ولجميع المسلمين بعامة، وتكمن أهمية دراسة النوازل الفقهية في عدة أمور منها:
- معالجة القضايا الفقهية المستجدة المطروحة على الساحة، وما هي الأسس والقواعد والضوابط التي يجب اعتمادها للوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح في تلك النوازل.
- أن فقه النوازل يقوم على الدراسة الشاملة لجميع ما يتعلق بالنازلة من كافة أبعادها الشرعية، التاريخية، القانونية، الاجتماعية، النفسية، ومن ثم إعطاء الحكم الشرعي المناسب لها.
- إبراز قدرة الفقه الإِسلامي وفاعليته لتقديم الحلول الناجحة التي تستجيب لواقع العصر وتحدياته.
- صدق الإِسلام وخلوده وصلاحيته للقيادة والريادة والتوجيه إلى يوم الدين.
- أنه يظهر كمال الشريعة الإِسلامية، وقدرتها على استيعاب كافة المستجدات والحوادث، فإنها امتازت عن الشرائع السماوية والقوانين الأرضية بكونها صالحة لكل زمان ومكان.
- أنه يتعلق بعلم أصول الفقه، هذا العلم العظيم الذي جعلت المعرفة به شرطًا من شروط الاجتهاد والفتوى.
- حاجة الناس الماسة إلى بيان أحكام هذه النوازل؛ خصوصًا بعد انتشارها، واعتماد أغلب المسلمين عليها، وكونها واقعًا لا مفر منه.
- إنارة السبيل أمام الناس بإيضاح حكم هذه النازلة؛ حتى يعبدوا الله على بصيرة وهدى ونور في منهج إسلامي واضح، فلو تُرك التصدي لتلك النوازل دون إيضاح لأحكامها لصار الناس في تخبّط، ثم استفتوا من لا يصل إلى رتبة الاجتهاد، وهذا قد يفتي بغير علم فيَضِلّ ويُضِلّ.
- كسب الأجر والمثوبة من الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فإن الدارس (للنازلة) المتجرد الذي يريد أن يصل إلى حكمها الشرعي إذا بذل جهده ووصل إلى حكم فيها فهو مأجور، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
- الحرص على تأدية الأمانة التي حمّلها اللهُ العلماءَ؛ فقد أخذ اللهُ الميثاقَ على العلماء ببيان الأحكام الشرعية وعدم كتمانها، وقد حصر التكليف بهم؛ فكان لزامًا عليهم التصدي للفتوى في النوازل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ إبراء للذمة بإبلاغ العلم وعدم كتمانه.
ثالثًا: أنواع النوازل
النوازل تتنوع باعتبارات شتى؛ فمن هذه الاعتبارات:
١ – بالنظر إلى أبواب الفقه
- نوازل في العبادات: وتتميز بالقلة إذا ما قورنت بنوازل المعاملات، مثل: تطهير المياه الملوثة بالوسائل الحديثة، والصلاة في الطائرة.
- النوازل في المعاملات: وتتميز بالكثرة والتوسع، مثل: المرابحة للآمر بالشراء، والمصارف الإِسلامية، والأوراق المالية.
- نوازل في حكم الأسرة في كتاب النكاح: وتتميز بالخطورة؛ لأن الأصل في الأبضاع الحظرُ والمنع، ولما يترتب على إهمالها من اختلاط الأنساب مثل: قضايا الإجهاض، وموانع العمل كاللولب، وما يتعلق بأطفال الأنابيب.
- نوازل في الجنايات والحدود والأطعمة: مثل إعادة العضو المقطوع حدًّا أو قصاصًا سواء لصاحبه أو لغيره، والأطعمة المستوردة، والقتل بالصعق الكهربائي.
٢ – النوازل المتعلقة بالرجل والمرأة
- نوازل خاصة بالرجل، مثل: نوازل الخلافة والإمامة ونحوها.
- نوازل خاصة بالمرأة، مثل: موانع الحمل كاللولب ونحوه.
٣ – النوازل المتعلقة بالإفراد والتركيب
- نوازل مفردة، مثل: غسيل الكلى وأثره في الطهارة.
- نوازل مركبة، مثل: المراصد الفلكية وأثرها في تحديد أوقات العبادات.
رابعًا: حكم دراسة النازلة
الاجتهاد في النوازل له حالات:
١ – كونه فرض عين: وذلك في حالين:
أ- في حق المجتهد الذي تعين عليه الاجتهاد واستفتاه من لا يسعه سؤال غيره.
ب- والاجتهاد في حق نفسه في ما نزل به؛ لأن المجتهد لا يجوز له تقليد غيره.
٢ – كونه فرض كفاية: وذلك في حالين.
أ- ألا يخاف من ذوات الحادثة، وذلك بحيث تكون قابلة للتأخير.
ب- إمكانية سؤال غيره من المجتهدين.
٣ – كون الاجتهاد مندوبًا إليه أو مستحبًا، وذلك في حالين:
أ- الاجتهاد من العالم نفسه قبل نزول الحادثة محل الخلاف.
ب- أن يفترض المقلد سؤالًا عن حادثة لم تقع بعد.
فالاجتهاد في هاتين الحالتين عند بعض العلماء من باب المستحب، وهما من باب ما يسمى بالفقه الافتراضي، وهو أن يفترض الشخص حادثة لم تقع، ثم يبين حكمها ويجتهد فيما افترضه وتخيّله، ويصدر الحكم على هذا الأساس.
٤ – الاجتهاد المحرم، وله صور:
أ- الاجتهاد في مقابل النص القاطع.
ب- الاجتهاد في مقابل الإجماع الثابت بالتواتر.
ج- الاجتهاد من غير أهله؛ سواء من المقلدين أو ممّن لم يبلغوا درجة الاجتهاد.
د- الاجتهاد الذي هو نتيجة التشهي وطلب الشهرة والتعالي.
قال ابن القيم -رحمه الله-: “الفائدة السبعون: إذا حدثت حادثة ليس فيها قول لأحد من العلماء فهل يجوز الاجتهاد فيها بالإفتاء والحكم أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:
* أحدها: يجوز.
* الثاني: لا يجوز له الإفتاء ولا الحكم، بل يتوقف حتى يظفر فيها بقائل.
* والثالث: يجوز ذلك في مسائل الفروع لتعلقها بالعمل وشدة الحاجة إليها وسهولة خطرها، ولا يجوز في مسائل الأصول.
والحق التفصيل، وأن ذلك يجوز بل يستحب أو يجب عند الحاجة، وأهلية المفتي والحاكم؛ فإن عدم الأمران لم يجز، وإن وجد أحدهما دون الآخر؛ احتمل الجواز والمنع، والتفصيل فيجوز للحاجة دون عدمها. والله أعلم” (١).
خامسًا: الشروط المعتبرة في المتصدي للنازلة
يشترط فيمن يتصدى لفقه النوازل أن يكون مجتهدًا:
أ- تعريف المجتهد.
لغة: مأخوذ من الجهد ومادته (ج هـ د) تدور على بذل الجهد والطاقة في أمر ما.
واصطلاحًا: بذل المجهود في العلم بأحكام الشرع.
ب- شروط المجتهد:
١ – إحاطته بمدارك الأحكام (الكتاب والسنة والإجماع).
٢ – أن يكون عالمًا باللغة العربية.
٣ – معرفة مقاصد الشريعة.
٤ – أن يكون عارفًا باستنباط معاني الأصول ليعرف بها حكم الفروع.
٥ – أن يكون عارفًا بمراتب الأدلة، وما يجب تقديمه، وما يجب تأخيره.
٦ – أن يكون على معرفة بالواقع والظروف التي تحيط به؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
٧ – أن يكون مأمونًا، ثقة في دينه.
ج – مراتب المجتهدين:
وهي في الجملة أربع مراتب:
١ – المجتهد المطلق: وهو مَن بلغ رتبة الاجتهاد، واستقل بإدراك القواعد لمذهب معين، دون تقليد أو تبعية لأحد.
٢ – المجتهد المطلق المنتسب: وهو مَن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، لكنه لا زال منتسبًا إلى مذهب غيره، ولم يؤسس قواعد وضوابط للاستنباط.
٣ – المجتهد المذهبي: وهو مَن يقوم بتقرير أصول الإِمام والتخريج عليها غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول ذلك الإِمام وقواعده، فهو مجتهد داخل المذهب.
٤ – المجتهد الخاص: أو المجتهد الجزئي: وهو المجتهد في بعض أبواب الفقه أو في بعض مسائله لا في كله، وهو ما يعبر عنه بتجزئة الاجتهاد. ولذلك قال ابن قدامة: “ليس من شرط الاجتهاد في مسألة بلوغ رتبة الاجتهاد في جميع المسائل، بل متى علم أدلة المسألة الواحدة، وطرق النظر فيها، فهو مجتهد فيها، وإن جهل حكم غيرها” (2).
ولعلّ المجتهد الخاص هو المناسب لدراسة النوازل لا سيما في هذا العصر، وخاصة في الاجتهاد الجماعي الذي يضم مجموعة من العلماء قد يكون من بينهم متخصصون غير شرعيين، وإنما يستفاد منهم في كشف أكثر من علم مثل قضايا الطب ونحوها.
سادسًا: خطوات دراسة النازلة
ذكر العلماء خطوات لدارسة النازلة ينبغي الإلمام بها، وهي:
١ – التجرد في دراسة النازلة والإخلاص لله في ذلك.
٢ – الإلحاح بالدعاء، وطلب الفتح من الله أن يلهمه رشده وصوابه وتوفيقه إلى السداد وإصابة الحق في هذا الأمر. قال ابن القيم: الفائدة العاشرة: ينبغي للمفتي الموفق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحقيقي الحالي؛ لا العلمي المجرد على ملهم الصواب ومعلم الخير وهادي القلوب أن يلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد، ويدله على حكمه الذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التوفيق، وما أجدر من أمّل فضل ربه أن لا يحرمه إياه .. (3).
وقال أيضًا: الفائدة الحادية والستون: حقيق بالمفتي أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح اللَّهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وكان شيخنا -أي ابن تيمية– كثير الدعاء بذلك (4).
٣ – فقه حقيقة النازلة: من خطوات دارسة النازلة التي ينبغي له الإلمام بها فقه حقيقة النازلة، وذلك بتصورها تصورًا واضحًا، وتصويرها تصويرًا دقيقًا يدور على الإحاطة بها من جميع الجوانب؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ويتحقق ذلك بثلاثة أمور:
أ- جمع المعلومات المتعلقة بموضوع النازلة، فيعرف حقيقتها وأقسامها ونشأتها والظروف التي أحاطت بها وأسباب ظهورها وغير ذلك.
ب- الاتصال بأهل الاختصاص في موضوع النازلة.
ج- تحليل القضية المركبة إلى عناصرها الأساسية.
٤ – تكييف النازلة تكييفًا فقهيًّا: من خطوات دراسة النازلة التي ينبغي له الإلمام بها تكييف النازلة تكييفًا فقهيًّا، وهذا التكييف يفيد في تحديد مسار البحث بتعيين مصادره المُعِينة في معرفة الحكم؛ كما أنه يضيق دائرة البحث في المصادر والمراجع الواسعة.
٥ – عرض النازلة على المصادر الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع؛ كما فعل الصحابة والتابعون. وقد لا يجد الباحث نصًّا صريحًا في المسألة؛ لأنها نازلة، ولكنه يجد دلالة النصوص عليها بالالتزام أو التضمن، فقد يدل النص على النازلة بدلالة المفهوم.
٦ – عرض النازلة على أقوال الصحابة واجتهاداتهم، فقد كان عمر ينظر في كتاب الله وسنة رسوله، فإن لم يجد نظر في قضاء أبي بكر.
٧ – البحث عن حكم النازلة في اجتهادات أئمة المذاهب الفقهية، فإن لم يجد نصًّا في النازلة بذاتها، فإنه يمكنه أن يجد نصًّا قريبًا منها؛ فحينئذ يتمكن بواسطته من فهم النازلة، ويسهل الحكم عليها.
٨ – البحث في قرارات المجامع الفقهية والندوات الفقهية المتخصصة، وذلك مما يسمى بالاجتهاد الجماعي، فلا بد من النظر في مثل هذه المجامع العلمية.
٩ – البحث في الرسائل العلمية المتخصصة كرسائل الدكتوراه والماجستير في علوم الشريعة الإِسلامية، وخاصة فيما يتعلق بالنوازل المعاصرة.
١٠ – إذا لم يجد الباحث حكمًا للنازلة فيما سبق من خطوات، فإنه يعيد النظر في النازلة، ثم يفترض فيها أقسام الحكم التكليفي من وجوب أو ندب أو إباحة أو كراهة أو تحريم، ويبحث في كل افتراض ما يترتب عليه من مصالح ومفاسد، ويوازن بينهما مراعيًا عند إجراء تلك الموازنة النظرات التالية:
أ- عدم مصادمة النصوص الشرعية.
ب- اعتبار مقاصد الشريعة الإِسلامية.
ج- اعتبار أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض.
د- اعتبار موافقة القواعد الشرعية الكبرى.
١١ – إذا لم يتوصل الباحث إلى حكم شرعي في النازلة توقف فيها؛ لعل الله يهيئ مِن العلماء مَن يتصدى للإفتاء فيها.
سابعًا: الضوابط التي ينبغي أن يراعيها المجتهد قبل الحكم في النازلة
لا شك أن دراسة فقه النوازل والبحث فيه أمر ليس بالهين، ولا بد له من ضوابط يحتاج إليها الناظر في النوازل قبل الحكم أو الفتيا في الواقعة وما يتعلق بها، يتمكن من خلالها الوصول إلى الحكم الصحيح -إن شاء الله تعالى- فمن هذه الضوابط ما يلي:
أولًا: أن يبذل المجتهد وسعه في البحث عن الحكم الشرعي للنازلة، وذلك بتتبع طرق الاستنباط المعروفة، فقد يجد الحكم منصوصًا عليه أو قريبًا منه، وقد يلجأ إلى القياس على الأدلة، أو التخريج على أقوال الأئمة، لكن لا بد له من مراعاة الآتي:
أ – أن يذكر دليل الحكم في الفتوى النازلة
وليس هذا على إطلاقه، أي: ليس كل نازلة لا بد من مراعاة ذكر الدليل فيها، بل ذكر الدليل في الفتوى يرجع إلى حال السائل وطبيعة الفتوى أو النازلة؛ فإذا كان السائل له علم بالشرع، ودراية في معاني الأدلة، أو طلب معرفة الدليل، فينبغي للمفتي أو الناظر ذكر الدليل والحجة أو الحكمة من المشروعية؛ تطمينًا لقلب السائل، وزيادة في علمه وتوثيقًا لفهمه، أما لو كان المستفتي أمِّيًّا لا يفقه معنى الدليل، فذكره له مضيعة للوقت وخطاب لمن لا يفهم.
وكذلك لو كانت النازلة تتعلق بمهام الدين ومصالح المسلمين أو بها غموض قد يطرأ في الذهن، فينبغي كذلك للمفتي ذكر الدليل والحجة، والاهتمام ببسط الأدلة ما أمكنه ذلك.
ب – أن يبين البديل المباح عند المنع من المحظور
وذلك لأن كثيرًا من المستجدات الواقعة في مجتمعنا المسلم قادمة من مجتمعات كافرة أو منحلة لا تراعي القيم والثوابت الإِسلامية؛ فتغزو مجتمعاتنا بكل قوة مؤثرة ومغرية كالمستجدات المالية والفكرية والإعلامية وغيرها، فيحتاج الفقيه إزاءها أن يقرّ ما هو مقبول مباح شرعًا، حماية للدين، وإصلاحًا للناس، ويمنع ما هو محظور أو محرم، وهذا من أعظم الفقه.
ج- التمهيد في بيان حكم النازلة
ينبغي للناظر في النوازل التمهيد للحكم المستغرب بما يجعله مقبولًا لدى السائلين، كما ينبغي أيضًا للناظر في النازلة أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأله عنه إلى ما هو أنفع له منه؛ ولا سيما إذا تضمن ذلك بيان ما سأل عنه، وذلك من كمال علم المفتي وفقهه ونصحه، وشاهده قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: ١٨٩].
وينبغي له أيضًا أن يجيب السائل بأكثر مما سأله عنه، وهذا من كمال العلم والنصح والإرشاد في بيان أحكام النوازل؛ وذلك لما فيها من تكميل موضوع السؤال أو لعلةٍ ترتبط بينهما قد يحتاج إليها السائل فيما بعد أو يستفيد منها عموم أهل الواقعة.
وقد بوب الإِمام البخاري لذلك في صحيحه فقال: باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله عنه، ثم ساق حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-؛ ما يلبس المحرم؟ فقال رسول الله – ﷺ -: “لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا الخفاف، إلا أن لا يجد نعلين؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل الكعبين” (5).
د – مراعاة مقاصد الشريعة
١ – تعريفها ومدى أهميتها في فقه النوازل:
هذه قاعدة هامة من القواعد الكلية التي يحتاج إليها المجتهد وطالب العلم ضبط مناهج الاستدلال والبعد عن مواطن الزلل في الاجتهاد والنظر.
ومعنى هذه القاعدة كما يقول الفقهاء المعاصرون هي: المعاني والحكم الملحوظة في الأحكام الشرعية والمترتبة عليها سواء أكانت تلك المعاني حكمًا جزئيًّا أو مصالح كلية أو سمات إجمالية، وهي تتجمع ضمن هدف واحد هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين.
إذن؛ فعلم المقاصد الشرعية يتناول حكم الأحكام، وأسرار التشريع، وغايات الدين، ومقاصد الشرع، ومقصود المكلف ونيته.
وقد أولى العلماء المقاصد الشرعية عناية كبيرة؛ لما لها من شأن عظيم في حسن الفهم عن الله -عَزَّ وَجَلَّ- ورسوله، ومن ثم حسن الامتثال للتكاليف الشرعية، وإيقاعها على الوجه المطلوب شرعًا، فينال العبد ما أمله من الأجر والثواب والقبول عند الله تعالى، ويسلم من مغبة التقصير والتفريط والانحراف في تحقيق العبودية، ويأمن من المخالفات المحظورة والبدع المذمومة.
ولذلك كان الناظر في النوازل في أمس الحاجة إلى مراعاتها عند فهم النصوص؛ لتطبيقها على الوقائع، وإلحاق حكمها بالنوازل والمستجدات، وكذلك إذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة فإنه لا بد أن يستعين بمقصد الشرع، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان أو العرف المعتبر، تحرى بكل دقة أهداف الشريعة ومقاصدها. فينبغي عندئذٍ أن يراعي الناظر في النوازل تحقيق المصالح في حكمه وفتواه حتى لا يخرج عن كليات الشريعة ومقاصدها العليا.
٢ – ذكر بعض الجوانب المهمة التي ينبغي أن يدركها الناظر في النوازل من خلال قاعدة مراعاة مقاصد الشريعة.
الجانب الأول: تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر في النازلة:
إن اعتبار تحقيق المصلحة الشرعية عند النظر هو من مقصود الشرع الذي حافظ على ما يجلب فيه النفع ويدفع فيه الضرر، وكثيرًا ما يكون اجتهاد الناظر في النوازل بناءً على اعتبار حجِية المصلحة المرسلة التي لم يرد في الشرع نصٌّ على اعتبارها بعينها أو بنوعها ولا على استبعادها، ولكنها داخلة ضمن مقاصد الشرع الحنيف، وجمهور العلماء على اعتبار حجيتها.
وواقعنا المعاصر يشهد على اعتبار المصلحة المرسلة في كثير من المسائل المستجدة في الأنظمة المدنية والدولية وصورٍ من التوثيقات اللازمة لبعض العقود المالية والزوجية وغيرها. وإذا لم يكن للفقيه فهم وإدراك لمقاصد الشرع وحفظ ضرورياته؛ وإلا أغلق الباب بالمنع على كثير من المباحات، أو فتحه على مصراعيه بتجويز كثير من المحظورات. لكن المصالح المرسلة ليست بابًا مفتوحًا على مصراعيه يأخذ منه الشخص ما تهواه نفسه ويترك ما لا تهواه، بل لذلك ضوابط، نذكرها بإيجاز:
١ – اندراج المصلحة ضمن مقاصد الشريعة.
٢ – أن لا تخالف نصوص الكتاب والسنة.
٣ – أن تكون المصلحة قطعية أو يغلب على الظن وجودها.
٤ – أن تكون المصلحة كلية.
٥ – ألا يفوت اعتبار المصلحة مصلحة أهم منها أو مساوية لها.
ومما ينبغي للناظر في النوازل في هذا المقام؛ أنه إذا أفتى في واقعة بفتوى مراعيًا فيها مصلحة شرعية ما، فإن عليه أن يعود في فتواه ويغير حكمه فيها في حالة تغيّر المصلحة التي روعيت في الفتوى الأولى، ولا يخفى أن تغير الفتوى هنا إنما هو تغيُّر في حيثيات الحكم لا تغير في الشرع، والحكم يتغير بحسب حيثياته ومناطه المتعلق به، وهذا أمر ظاهر.
الجانب الثاني: اعتبار قاعدة رفع الحرج: أي: من الجوانب المهمة التي ينبغي أن يدركها الناظر في النوازل من خلال قاعدة مراعاة مقاصد الشريعة اعتبار قاعدة رفع الحرج: نتناول في هذه القاعدة ما يلي:
١ – تعريفها وذكر أدلتها ومدى أهميتها في فقه النوازل: يقصد بالحرج: كل ما يؤدي إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال حالًا أو مآلًا.
إذن؛ فالمراد برفع الحرج: التيسير على المكلفين بإبعاد المشقة عنهم في مخاطبتهم بتكاليف الشريعة الإِسلامية.
وقد دلت الأدلة على رفع الحرج من الكتاب والسنة حتى صار أصلًا مقطوعًا به في الشريعة، كما في قوله تعالى: {مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨]، وقوله – ﷺ -: “إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ” (6). فإذا تبين لنا قطعية هذا الأصل، وجب على المجتهد أن يراعي هذه القاعدة فيما ينظر فيه من وقائع ومستجدات، بحيث لا يفتي أو يحكم بما لا يطاق شرعًا من المشاق، كما يجب عليه أن يراعي الترخيص في الفعل أو الترك على المكلفين الذين تتحقق فيهم الأعذار والمسوغات الشرعية المبيحة لذلك، كما في الترخيص في الضروريات أو التخفيف لأصحاب الأعذار ورفع المؤاخذة عنهم.
٢ – الشروط المعتبرة لقاعدة رفع الحرج: لا بد لمن ينظر في فقه النوازل من تحقيق بعض الشروط عند اعتباره قاعدة رفع الحرج فيما يعرض له من نوازل وواقعات، وهي:
١ – أن يكون الحرج حقيقيًّا، وهو ما له سبب معين واقع؛ كالمرض والسفر، أو ما تحقق بوجوده مشقة خارجة عن المعتاد، ومن ثمَّ فلا اعتبار بالحرج التوهمي وهو الذي لم يوجد السبب المرخص لأجله؛ إذ لا يصح أن يبني حكمًا على سبب لم يوجد بعد، كما أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات.
٢ – أن لا يعارض نصًّا، فالمشقة والحرج إنما يعتبران في موضع لا نص فيه، وأما في حال مخالفته النص فلا يعتد بهما.
٣ – أن يكون الحرج عامًّا وهو الذي لا قدرة للإنسان على الانفكاك عنه فإذا كان في نازلة عامة في الناس فإنه يسقط. قال ابن العربي: إذا كان الحرج في نازلة عامة في الناس فإنه يسقط. وقد فسره الشاطبي: بأنه: هو الذي لا قدرة للإنسان على الانفكاك عنه (7).
٣ – الأسباب المؤدية إلى رفع الحرج: هناك أسباب تؤدي إلى رفع الحرج، وهي على سبيل الإجمال:
١ – السفر.
٢ – المرض.
٣ – الإكراه.
٤ – النسيان.
٥ – الجهل.
٦ – العسر.
٧ – عموم البلوى.
٨ – النقص.
الجانب الثالث: النظر إلى العواقب: أي: ومما ينبغي أن يدركه الناظر في النوازل من خلال قاعدة مراعاة مقاصد الشريعة، أن ينظر إلى ما تؤول إليه عواقب الأمور، فينظر المجتهد في تطبيق النص؛ هل سيؤدي إلى تحقيق مقصده أم لا؟ فلا ينبغي للناظر في النوازل والواقعات التسرع بالحكم والفتيا إلا بعد أن ينظر إلى ما يؤول إليه الفعل، وهذا أصل ثابت في الشريعة دلت عليها النصوص الكثيرة بالاستقراء التام، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} [البقرة: ١٨٨]. وقوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: ١٠٨].
وما جاء عن النبي – ﷺ – حين أشير إليه بقتل من ظهر نفاقه قوله: “أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه” (8). وقوله: “لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم” (9). إلى غيرها من النصوص المتواترة في اعتبار هذا الأصل.
يقول الإِمام الشاطبي: النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفه؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ فقد يكون مشروعًا لمصلحة قد تستجلب أو لمفسدة قد تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع، لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحه تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة مثلها أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جارٍ على مقاصد الشريعة (10).
هـ – فقه الواقع المحيط بالنازلة
هذا هو الضابط الخامس من الضوابط التي يحتاج إليها الناظر في النوازل قبل الحكم أو الفتيا في الواقعة وما يتعلق بها: بيان المقصود بهذا الضابط، وما ينبغي مراعاته عند تغيّر الأزمنة أو الأمكنة:
١ – المقصود بهذا الضابط: يقصد بهذا الضابط أن يراعي الناظر في النوازل عند اجتهاده تغيّر الواقع المحيط بالنازلة سواءً كان تغيرًا زمانيًّا أو مكانيًّا، أو تغيرًا في الأحوال والظروف وعلى الناظر تبعًا لذلك مراعاة هذا التغير في فتواه وحكمه.
وذلك أن كثيرًا من الأحكام الشرعية الاجتهادية تتأثر بتغير الأوضاع والأحوال الزمنية والبيئية؛ فالأحكام تنظيمٌ أوجبه الشرع يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية وبالأخلاق العامة، فكم من حكم كان تدبيرًا أو علاجًا ناجحًا لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو أصبح يفضي إلى عكسه بتغير الأوضاع والوسائل والأخلاق.
ومن أجل هذا أفتى الفقهاء المتأخرون من شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم وفقهاؤهم الأولون، وصرّح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو اختلاف الزمان وفساد الأخلاق في المجتمعات، فليسوا في الحقيقة مخالفين للسابقين من فقهاء مذاهبهم، بل لو وُجِدَ الأئمة الأولون في عصر المتأخرين، وعايشوا اختلاف الزمان وأوضاع الناس لعدلوا إلى ما قال المتأخرون.
قال ابن القيم: فصل: تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد:
هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى مراتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، ومن المصلحة إلى المفسدة ومن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل (11).
ثانيًا: ما ينبغي أن يراعيه الناظر عند تغيّر الأزمنة أو الأمكنة:
١ – أن الأحكام الشرعية ثابتة لا تتغير بمرور الزمان ولا بتغير الأحوال وكون الحكم الشرعي يختلف من واقعة إلى واقعة بسبب تغير الزمان أو المكان أو الحال ليس معناه أن الأحكام مضطربة ومتباينة؛ بل لأن الحكم الشرعي لازم لعلته وسببه وجارٍ معه؛ فعند اختلاف أحوال الزمان والناس تختلف علة الحكم وسببه فيتغير الحكم بناءً عليه.
٢ – أن الفتوى لا تتغير بحسب الهوى والتشهي واستحسان العباد واستقباحهم، بل لوجود سبب يدعو المجتهد بإعادة النظر في مدارك الأحكام، ومن ثمَّ تتغير الفتوى تبعًا لتغير مدركها نتيجةً لمصالح معتبرة وأصول مرعية تُرَجَّح على ما سبق الحكم به.
٣ – أن تغير الفتوى يجب أن يكون مقصورًا على أهل الاجتهاد والفتوى وليس لأحدٍ قليل بضاعته في العلم أن يتولى هذه المهمة الصعبة، وكلما كان النظر جماعيًّا من قِبل أهل الاجتهاد كان أوفق للحق والصواب.
و – مراعاة العوائد والأعراف
هذا هو الضابط السادس الذي يحتاج إليه الناظر في النوازل قبل الحكم أو الفتيا في الواقعة وما يتعلق بها. ولبيان هذا الضابط لا بد من توضيح جانبين:
الجانب الأول: المقصود به مع بيان أهمية هذا الجانب لمن نظر إلى فقه النوازل:
المقصود بالعرف أو العادة: هو ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
وقد جرى الفقهاء على اعتبار العادة والعرف والرجوع إليها في تطبيق الأحكام الشرعية في مسائل لا تعد لكثرتها، كسن الحيض، والبلوغ، والإنزال، والأفعال المنافية للصلاة، والنجاسات المعفو عنها، وفي لفظ الإيجاب والقبول، وفي أحكامٍ كثيرة جدًّا من مسائل البيوع والأوقاف والأيمان والإقرارات والوصايا وغيرها.
فإذا كانت العادة والعرف لهما اعتبار في الشرع، مع كثرة ما يطرأ عليهما من تغير وتبديل بحسب الأزمنة والأمكنة وتطور أحوال الناس؛ فإن على العلماء مراعاة ذلك التغير بقدر الإمكان. يقول الإِمام القرافي في ذلك: إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة (12).
وقال أيضًا: ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفتٍ لا يعلم أنه من أهل البلد الذي منه المفتي وموضع الفتيا أن لا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده، وهل حدث لهم عرف في ذلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا؟ وإن كان اللفظ عرفيًّا فهل عُرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا؟ وهذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه العلماء، وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليستا سواءً أن حكمهما ليس سواء (13).
الجانب الأول: الشروط المعتبرة لهذا الضابط:
١ – أن يكون العرف مطردًا أو غالبًا، بحيث لا يكون مضطربًا؛ لأنه إذا كان مضطربًا غير غالب، فلا يقال له عرف، وهذا ما يعبرون عنه بقولهم: العبرة للغالب الشائع دون النادر.
٢ – أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات سابقًا غير لاحق، فنعمل بالعرف السابق المقارب دون العرف اللاحق.
مثال ذلك: لو اشترى إنسان من غيره بستين ريالًا قبل مائة سنة، فإننا لا نحكم على ذلك بالريالات الموجودة بيننا الآن، بل بما يسمى ريالًا في ذلك الزمان، فقد كانت الريالات في ذلك الزمان من فضة، والآن من ورق فيعمل بحكم العرف السابق.
٣ – أن لا يعارض العرفَ تصريحٌ بخلافه. مثال ذلك: لو كان العرف أن الإجارة يسلم نصف إجارة البيت في أول السنة، والنصف الآخر في وسط السنة فاتفق المستأجر والمؤجر على تسليم الدفعة الأولى في وسط السنة، فهنا العرف لا يعمل به؛ لأنه وجد تصريح يخالف العرف فالمخالف للشريعة لا عبرة به.
٤ – أن لا يعارض العرفَ نص شرعي بحيث يكون العمل بالعرف تعطيلًا له؛ فالعرف المخالف للشريعة لا عبرة به. مثال ذلك: إذا تعارف الناس على استعمال العقود الباطلة كالاستقراض بالربا من المصارف، أو من الأفراد، ومثل اعتيادهم الميسر كاليانصيب، وغير ذلك مما تكون فيه المراهنة على المال ونحو ذلك من العادات والأعراف التي تصادم الشريعة فلا عبرة بهذا كله.
وبهذا يتبين لنا أن مراعاة العوائد والأعراف المتعلقة بالأشخاص والمجتمعات عند النظر والاجتهاد أمر مهم ومطلب ضروري لا بد منه لكل مجتهد ومفتٍ، وهو في عصرنا الحاضر آكد لتشعب الناس في البلاد الواسعة المختلفة الظروف والعوائد، وتيسر وسائل الاتصال الحديثة للانتقال إلى مكان المفتي أو سماعه؛ مما يجب عليه أن لا يطلق الجواب حتى يعرف أعراف السائلين وما يليق بهم من أحكام الشرع.
وليحذر من إطلاق الفتاوى معممة دون تخصيص ما يحتاج منها إلى تخصيص بسبب ظروف السائل وعوائده، وخاصة إذا كانت شريحة المتلقي أو المستمع لهذه الفتوى واسعة الانتشار في أكثر من بلد كما هو الحاصل في برامج الفتيا في الإذاعة والتلفاز.
ز – الوضوح والبيان في الإفتاء
وهذا الضابط مهم في تبليغ الحكم المتعلق بالنازلة، فلا يكفي الإخبار وحده بحكم الواقعة، بل لا بد أن يكون ذلك الإخبار واضحًا بينًا لا غموض فيه ولا إبهام فيه، وألا يفضي إلى الاضطراب والاختلاف في معرفة المعنى المقصود بالفتوى. قال ابن القيم: لا يجوز للمفتي الترويج وتخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بيانًا مزيلًا للإشكال متضمنًا لفصل الخطاب، كافيًا في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره، ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم على الورثة على فرائض الله -عَزَّ وَجَلَّ- وكتبه فلان، وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: يصلي على حديث عائشة. . . وسئل آخر فقال: فيها قولان ولم يزد. . (14).
ويدخل ضمن هذا الأدب أن يخاطب الناس بما يفهمون من الكلام فالملاحظ عند بعض أهل العلم التزام لهجة عامية لا يتكلم بها إلا بعض أهل البلاد الإِسلامية، وقد يكون السائل من بلاد أخرى لا يفهم هذه اللهجة ولا يعرف مقصد الشيخ من خطابه.
وقد يكون هذا الشيخ يفتي على الملأ أو يلقي درسًا في الحرم أو في الإذاعة التي تبث في أصقاع مختلفة أو غير ذلك مما هو عام للناس كلهم وليس لبعضٍ دون بعض. وقد جاء عن الإِمام علي بن أبي طالب: “حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟! ” (15).
فمراعاة حال السائلين من حيث فهم الخطاب وإدراك معنى الحكم مطلبٌ مهم يجب على الناظر مراعاته وتوخيه دون أن يكون قاصرًا على فهم طائفة معينة.
