الصيام عبادة وترقية وتزكية

الصيام عبادة وترقية وتزكية

ها هي نسمات شهر الرحمات وزاد النفحات الربانية تتمايل في الأفق القريب تدعونا لأن نستعد لاستقبالها، حيث تصفد الشياطين وتغلق أبواب النار وتفتح أبواب الجنة وتقبل الدعوات، فضلاً عن ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. إنه شهر الصيام والخير والبركة.

إن لله في أيام دهرنا لنفحات تستروحها القلوب التي طالما أضناها الشوق إلى لذة الوصال، فتذوب في علاقة حميمة نسجت من الحب والخوف والرجاء، تروي شجرتها التقوى والإخبات فتتأصل جذورها في الروح؛ ليكون وصالاً أبديًّا لا تطويه السنون، وينأى هؤلاء عمن قصدهم قوله تعالى “فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم”؛ إذ إن الدنيا ما تكاد تتكالب عليهم حتى يرتشفون عبير نفحات جديدة تعود بهم مرة أخرى إلى ارتقاء الروح في سماء الوصال إلى أستار رحمة المولى سبحانه وتعالى.

وشهر هذا فضله حقيق بنا ألا نضيعه أبدًا وأن نأخذ بكل الأسباب لنحسن استقباله، ولكي نفعل فعلينا أن نتدبر معًا في مقاصد فريضة هذا الشهر (الصيام).

رحمة التكليف

 في آية التكليف رحمات كثيرة، فالصيام عبادة شاقة؛ لذا جاء في ثنايا الآية عدة رحمات، قال القفال رحمه الله: انظروا إلى عجيب ما نبَّه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف:

 – قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ” أحب الأسماء إلى الناس وأكرم النداء نداء الإيمان، ولذة النداء هنا أنست مشقة التكليف!.

 – وقوله “كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ” في هذا التشبيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم، فما فرضها عليكم وحدكم، وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عمّ سهُل تحمله.

 – ثم بيان النتيجة والثمرة يهوّن الصعب، فقال عن محصول الصيام “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، فالصوم عمل له ثمر، فمحصوله التقوى، وهي أثمن ما يملك العبد.

 – ثم (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) مقدرات بعدد معلوم، والمقصود من هذا الكلام كأنه سبحانه يقول: إني رحِمتكم وخففت عنكم حين لم أفرض عليكم صيام الدهر كله، ولا صيام أكثره، ولو شئت لفعلت ذلك، ولكني رحمتكم وما أوجبت الصوم عليكم إلا في أيام قليلة.

 – وأيضًا قوله تعالى “فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ”، فالمراد منه أن فرض الصوم في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين فأما من كان مريضًا أو مسافرًا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر، إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه كثيرًا.

مقاصد الصيام

العبادة في الإسلام تعني خضوع العبد لله تعالى، لكنه خضوع ممزوج بحب، نعم إن الأبرار ينقادون إلى التكليف سواء عرفوا الحكمة أم لم يعرفوا، يقول ابن القيم في مدارج السالكين: وفي بعض الآثار القديمة: يا بني إسرائيل، لا تقولوا: لمَ أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بمَ أمر ربنا‍؟

لكن المسلم أيضًا بحّاثة عن الكمال، بحاثة عن الحكمة في كل طاعة يؤديها؛ لأنه يريد أن ينتفع بها؛ ليعيش بها حياة وجدانية راقية.

فالصلاة مثلاً فرضت لذكر الله، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

والوظيفة الأولى والعظمى للصيام هي الوصول إلى تقوى الله تعالى، إلى الضمير الحي، الضمير الخاشي لله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 183).

إن الصيام عبادة قوامها أن يملك المرء نفسه، وأن يحكم هواه وغرائزه، أي تحرير الإرادة وتقوية الضمير، وتحرير الإرادة هو الفرق الهائل، بين الحر والعبد، بل بين الإنسان والسوائم. فالصيام حياة وجدانية، قبل أن يكون أشياء بدنية، إنه عبادة تزكية للنفس، وترقية للضمير الإنساني.

فالصائم أقدر على غض البصر وحفظ الجوارح، والصائمون هم أكثر الناس ذكرًا لله، إذا طال عليهم النهار قصّروه بالأذكار، وإذا آلمهم الجوع وألهبهم العطش، أذهبوا حرارته بتلاوة القرآن.

وفي الآية التي معنا ما يؤيد هذا المعنى، يقول الإمام الفخر في التفسير الكبير: إن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشَر والبطر والفواحش، ويهوّن لذّات الدنيا؛ وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين الأمرين، ويقول النسفي في تفسيره: “لعلكم تتقون” لعلكم تتقون المعاصي بالصيام؛ لأن الصيام أظلف -أصلب- لنفسه، ورادع لها من مواقعة السوء.

 فالصيام ليس تعذيبًا بدنيًّا، أو إعلان حالة حرب عليه، بل هو رياضة روحية لها هدف راقٍ، وغاية نبيلة.

 يقول الرافعي رحمه الله: كأن أيام هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثون حبة تؤخذ في كل سـنة مرة لتقوية الإرادة، يضطرب الفلاسفة في أوروبا وقد عجزوا عجز من يحاول تغيير الإنسان، ولا يزال مذهبهم مذهب كتب، ولو أنهم تدبروا حكمة الصوم في الإسلام لرأوا هذا الشهر نظامًا عمليًّا من أقوى وأبدع الأنظمة الصحيحة، فهذا الصوم فقـرٌ إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية، أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها!.

 أية معجزة إصلاحية أعجب من هذه المعجزة التي تقضي أن يُحذف من الإنسانية كلها تاريخ البطن ثلاثين يومًا في كل سنة؛ ليحل في محله تاريخ النفس؟.

 ثم يقول: هذا هو السر في الحديث الشريف الذي رواه البخاري: [وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، إني صائم]، أي إني في إنسانيتي ولست في حيوانيتي!.

 إن من البطن “نكبة الإنسانية”، فانظروا في أي قانون من القوانين وفي أية أمة من الأمم، تجد ثلاثين يومًا قد فرضت فرضًا لتربية إرادة الشعب ومزاولته فكرة نفسية واحدة.

 ألا ما أعظمك يا شهر رمضان، لو عرفك العالم حق معرفتك لسمّـاك مدرسة الثلاثين يومًا!.

الصيام دين أفعال

 إن بناء الحياة على معالم التقوى، أو بناء الآخرة يتطلب أخلاقًا معينة، فمن استحلى أخذ رشوة أو أكل حرام، أو ظلم إنسان، فلن يجد له إلا منقلبًا مشئومًا، فبعض الناس يلتهمون ما يُعرض لهم دون خوف، فكل شيء عنده مبرر! وهؤلاء لا يعرفون معنى التقوى، ويستحيل أن يتغير سلوكهم إلا بإيمان صحيح.

 وهنا نريد أن نقف مع صفات المتقين، فالذين يكتفون بتلاوات وأذكار لا فقه فيها ولا تدبر لا يعرفون معنى العبادة الصحيح.

إن الله تعالى يقرب العبد إليه حين يكون صادق اليقين، شريف الأخلاق، حسن التعاون مع الناس، أما الشكليات فلا وزن لها وفي حديث مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم]، والمعنى كما يقول الإمام النووي: أن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته.

 وقد ذم القرآن أصحاب الشكليات وذكر أن البر والتقوى لهما صفات وسمات: “لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ” (البقرة: 177).

 الإسلام كما في الآية دين حقائق ومواصفات، فأهل البر هم الذين إذا وعدوا وفّوا، وإن تحدثوا صدقوا، وإن تعاملوا رحموا، وإذا أغناهم الله من فضله بذلوا وأحسنوا… إلخ.

 والنبي عليه الصلاة والسلام كان رسول المساكين، نعم إنه رسول العالمين، لكنه كان يقف معهم، يرحمهم ويعلمهم، يرفع من شأنهم، يعيش مأساتهم، ويعرف ظمأهم وجوعهم، يرحم دموعهم قال له ربه: “وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ” (الأنعام: 52).

 إن رحمة المساكين في كل وقت واجبة وخاصة في رمضان، المعنى أن نعيش مأساتهم، أن نعيش قضية المشردين في هوان، قضية الشعوب التي نبذها الزمان والمكان، فصوتهم ضعيف لا يصل، وخطواتهم قصيرة لا تمتد، تغلق الأبواب في وجوههم لأنهم مساكين.

 كان عليه الصلاة والسلام يزور عجائز المدينة، ولعل أحدًا يسأل، ولماذا لم يرسل أحدًا من أصحابه، ويبقى هو في بيته؟ فنقول: إن زيارته لعجوز في طرف المدينة خير من مائة محاضرة وألف كتاب، وألف تصريح وألف خطبة.

 إن الصوم طاعة لله في نفسه باعتباره امتثالاً لأمر الله، وهو طاعة لله كذلك من خلال أنه يحقق للإنسان وللمجتمع روح التقوى، فلا يحتاج المرء مع روح التقوى سلطة تفرض عليه النظام والالتزام.

 ولكي نصل إلى عمق القضية ينبغي أن نعلم أن الله تعالى يريد من الناس أن يقدموا بين أيديهم عند لقائه تعالى زادًا، وزاد التقوى بمعناه الشامل يعيشه الإنسان التقي في حياته كلها، فلكل قضية تقواها، ولكل شيء تقواه، فللسياسة تقواها، وللحرب تقواها، وللأسرة تقواها؛ لأن معنى التقوى أن يجدك الله حيث أمرك، أي تحويل الأفكار إلى محسوسات، فمن صام واستطاع أن يحصل على التقوى العملية في القلب والسلوك، فقد استطاع أن يحصل على عمق الصـوم.

 علينا أن نراقب أنفسنا عندما نصوم، هل استطعنا أن نتقرب إلى الله أكثر؟

 يجب أن نفحص أنفسنا حتى نعرف هل نتحرك في خط التقوى، أم أننا في المضاد نتقلب؟

 هل نتحرك في خط تصاعدي نحو الله، أم تتحرك في خط تنازلي نحو الشيطان؟

 إذن لا تقل كم صمتُ وكم قرأت، إنما قل: كم فهمتُ وكم عملت! فميزان الله هو الميزان، وتقديره هو التقدير، نسأل الله أن يرزقنا الفهم والعمل.


  • أسامة حمود

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين