مما لا شك فيه أن الحديث عن أن الإعجاز العلمي طريق للهداية حديث ذو شجون له في نفس كل مسلم وقع حسن، وذلك لأن المتحدث عنه هو كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يأتيه الباطل والشأن فيه أنه تنزيل من حكيم حميد. وأول شيء يجب تجليته في هذا المقام أن نتحدث عن الإعجاز العلمي للقرآن الكريم بصفة عامة ثم ينقلنا القلم إلى الإعجاز العلمي في إطار الهداية.

والإعجاز في الأصل يراد به إظهار صدق النبي في دعوة الرسالة بإظهار عجز العرب عن معارضته، ومن ذلك سميت معجزةً؛ لأن البشر يعجزون عن الإتيان بمثلها، فيظهر بذلك صدق ما ظهر على يديه في دعواه للرسالة. وقد اختار الله القرآن الكريم ليكون المعجزة الباقية والآية الدائمة للدلالة على صدق سيدنا محمد .

معجزات عقلية

ولقد كانت معجزات بني إسرائيل معجزات حسية، أما هذه الأمة فقد جعل الله أعظم معجزات نبيها عقلية، وذلك لوجهين: أولهما الإشارة إلى كمال أفهام الأمة وقوة أذهانها، ثانيهما الإشارة إلى بقاء شريعته بدوام معجزته ما بقيت العقول والأفهام. وتلك المعجزة المعطاة هي القرآن وقد أخبر الله عنه بأنه هو الآية الكافية بقوله تعالى: “أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ” (العنكبوت -51) وقال فيما رواه البخاري: “ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا”، وقيل في معنى هذا الحديث: إن المعجزات الماضية كانت تشاهد بالأبصار ومعجزة القرآن تشاهد بالعصرية فلا يمر عصر إلا وهي مشاهدة.

والحديث عن إعجاز القرآن ضرب من الإعجاز لا يصل الباحث فيه إلى سر جانب منه حتى يجد وراءه جوانب أخرى يكشف عن سر إعجازها الزمن، فهو كما يقول الرافعي: “ما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة وتعاوروه من كل ناحية وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا ومراما بعيدا”.

وإعجاز القرآن العلمي ليس في اشتماله على النظريات العلمية التي تتجدد وتتبدل وتكون ثمرة للجهد البشري في البحث والنظر، وإنما في حثه على التفكير، فهو يحث الإنسان على النظر في الكون وتدبره ولا يشل حركة العقل في تفكيره أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وليس ثمة كتاب من كتب الأديان السابقة يكفل هذا مثل ما يكفله القرآن فأي مسألة من مسائل العلم أو قاعدة من قواعده يثبت رسوخها ويتبين يقينها تكون محققة لما حث عليه القرآن من تفكير سليم ولا تتعارض معه بحال من الأحوال، فلقد تقدمت العلوم وكثرت مسائلها ولم يتعارض شيء ثابت منها مع آية من آيات القرآن وهذا وحده إعجاز.

ومن الإعجاز العلمي في القرآن دعواه إلى النظر والتأمل في علوم الفلك والنبات وطبقات الأرض والحيوان، ويجعل ذلك من بواعث خشيته حيث يقول تعالى: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ”، وهكذا الإعجاز القرآن العلمي يظهر في أنه يحث المسلمين على التفكير ويفتح لهم أبواب المعرفة، ويدعوهم إلى ولوجها والتقدم فيها وقبول كل جديد راسخ من العلوم.

كتاب هداية

والقرآن الكريم كتاب عقيدة وهداية يخاطب الضمير فيحيي فيه عوامل الارتقاء وبواعث الخير والفضيلة، ومن ذلك ما يدل القرآن الكريم عليه في آيات كثيرة منه، فلننظر مثلا إلى قول الله تعالى وهو يخاطب نبيه محمدا في إبراز هذا المعنى: “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” آية 52 سورة الشورى.

ويقول عز وجل أيضا في إبراز هذا الجانب وهو أن القرآن كتاب هداية: “أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) آية 122 سورة الأنعام. وبالنظر إلى الآيتين السالفتين نجد القرآن الكريم كان في آيات سورة الشورى روحا، والروح في أصلها ما يكون بها الحياة، وفي القرآن كذلك حياة للأرواح والعقول والقلوب، ورسول الله ما كان يعلم ذلك إلا عن طريق الوحي.

أما ما جاء في سورة الأنعام فقد مثل الله عز وجل القرآن بالنور، حيث إن النور فيه رمز للحياة، أما الظلمات فكانت رمزا للموت، ولا أدل على ذلك من المثل الذي ساقه الله عز وجل في هذا المقام في سورة فاطر حيث قال تعالى: “وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ وَلاَ الظِّلُّ وَلاَ الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلاَ الأمْوَاتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ”، فالحق سبحانه وتعالى فرق بين الأعمى والبصير وبين الظلمات والنور، وفرق بين الأحياء والأموات، وختم الآية الكريمة بختام جامع شاف كاف حيث اعتبر الكافرين موتى في قبورهم، وإن كانوا أمام الناس أحياء، حيث قال: “وما أنت بمسمع من في القبور”، وهذا المعنى السامي يصوره قول الشاعر:

ليس من مات فاستراح بميت         إنما الميت ميت الأحياء

إنمــا الميت من يعيش كئيبا         كاسفا باله قليل الرجاء

ومما يجب الالتفات إليه أن القرآن الكريم يجعل التفكير السديد والنظر الصائب في الكون وما فيه أعظم وسيلة من وسائل الإيمان بالله، إنه يحث المسلم على التفكير في مخلوقات الله في السماء والأرض حيث يقول تعالى في سورة البقرة: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ”.

وفي سورة الروم دعوة لأن يتفكر الإنسان في نفسه: “أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ”، فانظر أيها القارئ حيث جعل القرآن الكريم التفكير الصحيح ضربا من ضروب الإيمان.

ولذلك ضرب لنا سيدنا رسول الله المثل في هذا الإطار وهذا المعنى حين عقب على آية سورة الروم بقوله: “ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتدبر فيها” فهذا دعاء من النبي على من فصل بين القراءة والتدبر، إذ الغرض من القراءة التدبر، فكلمة “ويل” دعاء بالهلاك، وكلمة “لاكها” أي نطق بالآيات دون إمعان ولذلك قال: “ولم يتدبر فيها.

بواعث للخشية

وفي القرآن مع كل ما ذكرنا إشارات علمية سيقت مساق الهداية كالتلقيح في النبات؛ إذ يشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة الحجر: “وأرسلنا الرياح لواقح”، وكذلك الإلماح إلى أهمية الأكسجين باعتباره ضروريا لتنفس الإنسان، وأنه يقل في طبقات الجو العليا، تأمل ذلك في آية من سورة الأنعام: “فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ”.

وتوضيحا لما سلف من أن الآيات العلمية في القرآن الكريم سيقت مساق الهداية أن الحق تبارك وتعالى ربط بين الجانب العلمي وبين الهداية، فلننظر مثلا سياق الآيات في سورة الحجر والتي كان من بينها: “وأرسلنا الرياح لواقح” فتجد قبلها بقليل الحديث عن القرآن ذاته حيث يقول تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”.

وقال في صدر السورة: “تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين”، فهنا القرآن يتحدث عن منهجه الذي نزل لأجله وهو هداية الناس إلى الخير، وفي هذا المعرض وفي ثناياه تأتي الآية التي سلفت للربط بين العلم والدين: “وأرسلنا الرياح لواقح”، فهذا المعنى نفسه تسوقه سورة الأنعام التي سلف الحديث عنها أيضا. ومن جمال السياق القرآني أن قوله تعالى: “أومن كان ميتا فأحييناه” تأتي قبل آية: “فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام”، وبينهما قول الله لنبيه محمد : “الله أعلم حيث يجعل رسالته”.

فتلك إشارات الهداية في الجانب القرآني، يأتي بعدها بيت القصيد وهو الجانب العلمي للربط بينهما، فانظر إلى هذا التشبيه الذي أورده القرآن: من سلك دليل الضلالة كمن يصعد في السماء حيث يقل الأكسجين، وتقل الحياة، ولذلك يختم الله الآية بقوله: “كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون.


أ.د. جمعة علي عبد القادر