في الجاهلية شرور كثيرة، ولذا كانت بعثة النبي -- إصلاحًا لهذه المفاسد، لكن كان فيها مزايا وخصائص تجعل من العرب أهلًا لحمل نور الرسالة الخاتمة ونقله إلى العالمين في مشارق الأرض ومغاربها. من هذه المزايا الأخلاق الحسنة، ولذلك حدد النبي -- الغاية من بعثته بقوله: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [1]. مكارم الأخلاق كانت موجودة لكنها تحتاج إلى إتمام، وفي هذا المقال نحاول رصد بعض الأخلاق الحسنة التي تحلى بها أهل الجاهلية، ولنأخذ سطرًا واحدًا في كتاب الأخلاق وهو ما ظهر من أخلاق الجاهلية خلال رحلة الهجرة وما سبقها.

نجدة المحاصرين في الشعب

أحد أسباب الهجرة كان التضييق الذي أصاب المسلمين، والذي تجلى في أقبح صوره في حصار المسلمين في شعب أبي طالب، ومعهم بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم. وخلال هذا الحصار ظهرت القسوة والظلم عيانًا بيانًا؛ حيث سمع الناس صياح الأطفال من شدة الجوع، وظهرت كذلك مكارم الأخلاق من أناس كانوا على دين قريش لكنهم كانوا لهذا الحصار الظالم بالمرصاد.

مضت ثلاث سنوات عجاف على حصار قريش للنبي -- ولمن كان معه من المؤمنين، ولمن وقف معهم من بني هاشم وبني المطلب مع بقائه على كفره. وشعر ذوو الأخلاق والنخوة بعار هذا الحصار فلام بعضهم بعضًا: كيف ينعمون بالحياة وأقاربهم وأرحامهم يتلوون من الجوع ويتألمون من العزلة؟؟ اتفقوا على إنهاء هذا الحصار الجائر، وبدأ الأمر بمجهود فردي ثم تطور ليصل إلى رأي عام جعله الله سببًا في انتهاء هذه الأزمة الخانقة، وبيانًا للعالمين كيف ينصر الله تعالى أولياءه ويسخر الخلق لنفع عباده الصالحين.

وكان الذي بدأ في نقض هذه الصحيفة -التي سجلت فيها قريش بغيها وعدوانها على المسلمين ومن معهم- هشام بن عمرو بن ربيعة، وكان قريبًا لبني هاشم واصلًا لرحمهم قبل الحصار وأثناءه، وهو الذي خرق الحصار فكان يحمل على البعير طعامًا قدر ما يستطيع البعير حمله حتى يصل به إلى مدخل الشعب الذي يقيم فيه المحاصرون، ثم يطلقه ليتلقاه المحاصرون تلقي الماء البارد على شدة الظمأ، كما كان يُحمِّل البعير بالزاد والملابس ويرسله للمحاصرين. لم يتوقف خرقه للحصار عند هذه المساعدة بل سعى لتكوين رأي عام يُنهي الحصار من أساسه، فذهب إلى زُهير بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وأمه عاتكة بنت عبد المطلب يعاتبه: كيف تأكل وتلبس وأخوالك محاصرون؟ فاعتذر إليه بأنه رجل واحد، وهل يستطيع رجل واحد أن يقف أمام قريش؟؟ ولو وجد معه آخر لأنهى هذا الحصار الظالم. قال له هشام: أنا معك، قال: ابحث لنا عن رجل ثالث. فذهب هشام إلى «الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ» وكلمه وأخبره أن معه من يعينه على هذا الأمر، فقال: ابحث لنا عن رابع. فكان أبو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ رابعهم، وزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ خامسهم.

اتفقوا على كيفية تنفيذ أمرهم، وفي الصباح ذهبوا إلى حيث تجتمع قريش في أنديتها، وبدأ زهير بن أبي أمية الخطوة الأولى لإنهاء المقاطعة قَائِلًا: يَا أهلَ مَكَّةَ، أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثيابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاَللَّهِ لَا أقعدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ.

قَالَ أَبُو جَهْلٍ -وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ-: كذبتَ، وَاَللَّهِ لَا تُشق. قَالَ زَمْعة بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاَللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حيثُ كُتبت. قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمعة، لَا نَرْضَى مَا كُتب فِيهَا، وَلَا نُقِرُّ بِهِ. قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْهَا، وَمِمَّا كُتب فِيهَا. قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بليلٍ، تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا المكان.

ها هنا تظهر مكارم الأخلاق حين أبى هؤلاء أن يعيشوا حياة رغدة وإلى جوارهم من يتلوى بطنه من الجوع ويقترب من الهلاك حتى ولو كانوا على غير دينهم.

لا تفعل فإن لهم رحمًا

وموقف آخر يظهر فيه خلق الرحمة من خصم جاء لكي يأخذ خصومه ويعيدهم إلى البلد التي فروا منها، وبعد محاولة باءت بالفشل يعزم شريكه في الخصومة على إيقاع أذى شديد، وهو بين خيارين: أن يضرب الضربة القاصمة أو يعود بخفي حنين. حين هاجر المسلمون إلى الحبشة أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة لكي يعيدوا المسلمين إلى مكة مرة ثانية. فشلت محاولة عمرو بن العاص الأولى لكنه لم ييأس وقرر أن يضربهم الضربة القاصمة، فقال لعبد الله بن أبي ربيعة: وَاللهِ لَآتِيَنَّهُ [النجاشي] غَدًا بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ [2] [المسلمين]، فَلَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا خَالَفُونَا فَإِنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَلَهُمْ حَقٌّ [3].

أي أخلاق كريمة تحافظ على الرحم وتحافظ على الحق في ظل عداوة مشتعلة تسعى قريش فيها لتحطيم المسلمين والقضاء عليهم.

العداوة الشخصية لا تسمح بانتهاك الحرمات

وقفت قريش عند حدود عداوتها للنبي -- ولم تسمح لها أخلاقها أن توسع من دائرة العداوة والاعتداء. «ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ السّبَبَ الْمَانِعَ لَهُمْ مِنْ التّقَحّمِ عَلَيْهِ فِي الدّارِ مَعَ قِصَرِ الْجِدَارِ وَأَنّهُمْ إنّمَا جَاءُوا لِقَتْلِهِ، فَذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنّهُمْ هَمّوا بِالْوُلُوجِ عَلَيْهِ فَصَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الدّارِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: وَاَللهِ إنّهَا لَلسّبّةُ فِي الْعَرَبِ أَنْ يُتَحَدّثَ عَنّا أَنّا تَسَوّرْنَا الْحِيطَانَ عَلَى بَنَاتِ الْعَمّ وَهَتَكْنَا سِتْرَ حُرْمَتِنَا، فَهَذَا هُوَ الّذِي أَقَامَهُمْ بِالْبَابِ حَتّى أَصْبَحُوا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ» [4].

إن الوقوف عند حدود العداوة الشخصية ليس رأي فرد من الأفراد، بل هو محل اتفاق من أولئك الذين حملتهم العداوة على قتل النبي --، بل محل اتفاق عند العرب أجمعين إذ يُعَيِّرُونَ من انتهك الحرمات.

حين يجتمع الشرف والعفاف

وموقف آخر تتجلى فيه الأخلاق العربية معتزة بالشرف والعفاف والنجدة والمروءة؛ هاجر الصحابة أفرادًا فكان فيمن حاول الهجرة أبو سلمة وابنه وزوجته، لكن حدث ما فرق شمل الأسرة، فهاجر أبو سلمة وحده وفُصل بين سلمة وأمه، وظلت أم سلمة تخرج باكية لمدة عام أو قريب من عام حتى اجتمع شملها بابنها وسمحوا لها بالهجرة إلى المدينة. جهزت راحلتها وخرجت ليس معها إلا الله وابنها كما قالت، وفي تقديرها أنها ستجد مسافرين إلى المدينة يصحبونها في هذه الرحلة. سارت وحيدة حتى وصلت للتنعيم، وجدها عثمان بن طلحة وسألها: إلى أين؟ قالت: إلى المدينة. قال: وهل معك أحد؟ قالت: ليس معي إلا الله وابني هذا، وهو صغير يحتاج لمن يحمله ويحميه. قال: ما لكِ من مَتْرَكٍ، وقاد بعيرها إلى المدينة.

ووصفت عفته بقولها: «مَا صَحِبْت رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطّ، أَرَى أَنّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ؛ كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمّ اسْتَأْخَرَ عَنّي، حَتّى إذَا نَزَلْت اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي فَحَطّ عَنْهُ، ثُمّ قيّده في الشجرة، ثم تنحّى إلى شجرة فاضطجع تحتها. فاذا دنا الرّواح، قام إلى بعيري فقدّمه فرحّله، ثم استأخر عني، وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْت وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ فَقَادَهُ، حَتّى يَنْزِلَ بِي. فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ».

في هذا الطريق الطويل وخلال هذه الرحلة التي استغرقت أيامًا ولياليَ، راعى عثمان بن طلحة -وهو كافر- خصوصية أم سلمة، وراعى أنها ائتمنته على نفسها وولدها، فكان عند حسن الظن به مع كفره وإسلامها.

عبد الله بن أريقط حين تتجلى الأمانة

ومظهر آخر من مظاهر أخلاق العرب وهم على شركهم يسوقه ابن حبان فيقول: “قال أبو حاتم: لما أمر الله -جل وعلا- رسوله -- بالهجرة، استأجر رسول الله -- رجلًا من بني الديل وهو من بني عدي هاديًا خريتًا -والخريت: الماهر بالهداية [بالإرشاد إلى أقرب الطرق وآمنها]- وهو على دين كفار قريش، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما وواعداه بغار ثور بعد ثلاث” [5].

لا زال الرجل على دين قريش لم يؤمن بالإسلام، لكن النبي -- استأمنه ودفع إليه وسيلة الانتقال، وعرف الرجل بالمكان الذي سيختبئ فيه النبي -- وموعد انطلاقه. لو تفكرنا كم سيربح ابن أريقط إذا أخبر قريشًا وهو يعلم عداوتها للنبي --؟؟ سيربح أموالًا طائلة وسيربح الراحلتين، لكن الرجل كان عند كلمته مهما ظن الخائنون أنه خسر.

خاتمة

إن تسجيل المسلمين لمحاسن الكفار وما كانوا عليه من أخلاق صالحة حافظ الإسلام عليها ووضعها في مسارها الصحيح، نوع من الإنصاف الذي جاء به الإسلام وسجله في كتابه الخالد مبدأ قرآنيًا تعمر به الحياة: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].

إننا إذ نسجل هذه المواقف بين مشركي العرب والمسلمين وهم يخالفونهم في الدين ولكل منهما وجهة هو موليها، لنأسى ونحزن حين نرى الأشقاء يتعامل بعضهم مع بعض أسوأ من تعامل الأعداء، تعامل يغيب فيه الإنصاف والحق والخلق، فلعل هذه المواقف تعيد الإنسان المسلم إلى إنسانيته التي أسسها القرآن على الأخلاق الكريمة مع الصديق والعدو والقريب والغريب.