الدعوة الغير مستجابة
هو الدعاء الذي لا يسمع، ولا يعتد به فكأنه غير مسموع([1])؛ لأن الغرض من السماع هو الإجابة والقبول. أو المراد التعوذ من عدم استجابة الدعاء مطلقًا([2]). ومن لم يستجب اللَّه دعاءه فقد خاب وخسر؛ لأنه طُرد من الباب الذي لا يُستجلب الخير إلا منه، ولا يُستدفَع الضرُّ إلا منه؛ لأن اللَّه تعالى كريم سميع قريب، مجيبٌ للدعاء، فمن حُرم ذلك فقد حُرم الخير كله، والعياذ باللَّه.
فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قَالَ: لاَ أَقُولُ لَكُمْ إِلاَّ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا»([3]).
سبب الاستعاذة من الدعوة التي لا يستجاب لها
وسبب الاستعاذة من الدعوة التي لا يستجاب لها: أن الرب سبحانه هو المعطي المانع الباسط القابض الضار النافع فإذا توجه العبد إليه في دعاءه ولم يستجب دعوته فقد خاب الداعي وخسر؛ لأنه طرد من الباب الذي لا يستجلب الخير إلا منه ولا يستدفع الضر إلا به ([4]). وعدم استجابة الدعاء دليل على أن الداعي لم ينتفع بعلمه وعمله ولم يخشع قلبه ولم تشبع نفسه([5]).
أسباب عدم استجابة الدعاء :
لعدم استجابة الدعوة أسباب متعددة منها ما يأتي :
1- تعجل الإجابة
2- الدعاء بمعصية من إثم أو قطيعة رحم
فالله عز وجل يستجيب دعاء كل من ناده، دون أن يكون للعبد أدنى استعجال في الإجابة. فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الاِسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِى فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ»([6])
قال أهل اللغة: يقال: حسر واستحسر اذا أعيا وانقطع عن الشيء. والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء ومنه قوله تعالى: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ) (الأنبياء:19) أي لا ينقطعون عنها. ففيه أنه ينبغى إدامة الدعاء ولا يستبطئ الاجابة([7]).
قال بعض العلماء: قوله: «ما لم يعجل» يعنى يسأم الدعاء ويتركه فيكون كالمان بدعائه، وأنه قد أتى من الدعاء ما كان يستحق به الإجابة، فيصير كالمبخل لربّ كريم، لا تعجزه الإجابة، ولا ينقصه العطاء، ولا تضره الذنوب. وقال بعضهم: إنما يعجل العبد إذا كان غرضه من الدعاء نيل ما سأل، وإذا لم ينل ما يريد ثقل عليه الدعاء، ويجب أن يكون غرض العبد من الدعاء هو الدعاء لله، والسؤال منه، والافتقار إليه أبدًا، ولا يفارق سمة العبودية وعلامة الرق، والانقياد للأمر والنهى والاستسلام لربّه تعالى بالذّلة والخشوع، فإن الله تعالى يحب الإلحاح فى الدعاء. وقال بعض السلف: لأنا أشد خشيةً أن أحرم الدعاء من أن أحرم الإجابة، وذلك أن الله تعالى يقول: {ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] فقد أمر بالدعاء ووعد بالإجابة وهو لا يخلف الميعاد([8]).
3- مخالفة شروط الدعاء من الإخلاص، وطيب المأكل والمشرب
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
“أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ”([9]).
قال النووي: وهذا الحديث أحد الأحاديث التي هي قواعد الاسلام ومباني الاحكام وقد جمعت منها أربعين حديثًا في جزء (يعني الأربعين النووية). وفي هذا الحديث: الحث على الانفاق من الحلال والنهى عن الانفاق من غيره. وفيه: أن المشروب والمأكول والملبوس ونحو ذلك ينبغى أن يكون حلالاً خالصًا لا شُبْهَة فيه، وأن من أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره([10]).
ومن شروط الدعاء: الدعاء بقلب مؤمن موقن بالإجابة
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
“ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ”([11]).
أي: كونوا عند الدعاء على حالة تستحقون بها الإجابة من إتيان المعروف واجتناب المنكر ورعاية شروط الدعاء كحضور القلب وترصد الأزمنة الشريفة والأمكنة المنيفة واغتنام الأحوال اللطيفة كالسجود إلى غير ذلك حتى تكون الإجابة على قلوبكم أغلب من الرد. أو أراد وأنتم معتقدون أن الله لا يخيبكم لسعة كرمه وكمال قدرته وإحاطة علمه لتحقق صدق الرجاء وخلوص الدعاء؛ لأن الداعي ما لم يكن رجاؤه واثنًا لم يكن دعاؤه صادقًا([12]).
أو وأنتم متحققون جازمون بالإجابة حال الدعاء بأن تكونوا على حال تستحقون فيها الإجابة بخلوص النية وحضور الجنان وفعل الطاعات بالأركان وقوّة الرجاء في الرحمن.
وقيل: معنى موقنون بالإجابة أي معكم نور اليقين حتى ينجاب لكم الحجاب وينفلق وتنفذ الدعوة إلى ربها. والله عز وجل لا يعبأ بسؤال سائل مشغوف القلب بما أهمه من دنياه.
قال الإمام الرازي: أجمعوا على أنّ الدعاء مع غفلة القلب لا أثر له ([13]).
ومن شروط الدعاء: العزم في الدعاء
فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ. لِيَعْزِمْ فِى الدُّعَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ لاَ مُكْرِهَ لَهُ»([14]).
قال العلماء: عزم المسألة الشدة في طلبها، والحزم من غير ضعف في الطلب ولا تعليق على مشيئة ونحوها. وقيل: هو حسن الظن بالله تعالى في الإجابة.
ومعنى الحديث: استحباب الجزم في الطلب وكراهة التعليق على المشيئة.
قال العلماء: سبب كراهته أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا في حق من يتوجه عليه الاكراه والله تعالى منزه عن ذلك، وهو معنى قوله ﷺ فى آخر الحديث: “لاَ مُكْرِهَ لَهُ”. وقيل: سبب الكراهة أن في هذا اللفظ صورة الاستعفاء على المطلوب والمطلوب منه([15]).
ومن شروط الدعاء: عدم التضيق في الدعاء
فعن أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في صَلاَةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِىٌّ وَهْوَ فِى الصَّلاَةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِى وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا. فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِىُّ ﷺ قَالَ لِلأَعْرَابِىِّ: «لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا». يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ([16]).
قال ابن بطال: إنكار ﷺ على الأعرابي ولم يعجبه دعاؤه لنفسه وحده، لأنه بخل برحمة الله على خلقه، وقد أثنى الله تعالى على من فعل خلاف ذلك حيث قال: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) (الحشر:10)([17]).
4- عدم الأخذ بالأسباب الواردة في حديث رسول الله ﷺ
فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول اللهﷺ:
“ثلاثةٌ يَدْعُونَ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا يُسْتَجابُ لَهُمْ: رَجُلٌ كانَتْ تَحْتَهُ امْرأةٌ سَيِّئَةُ الخُلُق فَلَمْ يُطْلِّقْها، وَرَجُلٌ كانَ لهُ على رَجُلٍ مالٌ فَلَمْ يُشْهَدْ عليهُ، وَرَجُلٌ آتى سَفِيهاً مالَهُ، وقالَ الله تعالى: (ولا تَؤتُوا السُّفَهاءَ أمْوَالَكُمْ) (النساء : 5)”([18]).
فالرجل الذي تحته امرأة سيئة إذا دعا الله تعالى عليها لا يستجاب له؛ لأنه المعذب نفسه بمعاشرتها. ولا يستجاب للرجل دعاءه على من أنكر ماله الذي لم يشهد عليه؛ لأنه المفرط المقصر بما أمر الله تعالى به. وكذا المعطي ماله للسفهاء؛ لأنه المضيع لماله فلا عذر له([19]).
