يهدف هذا المقال إلى الجمع المنهجي بين جملة من الآيات القرآنية التي قد يُتوهَّم في ظاهرها وجودُ تعارضٍ دلالي؛ فمن جهةٍ تَرِدُ آياتٌ تطلق كلمة الدين على الإسلام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، وما يجري مجراهما ونظائرهما.

ومن جهةٍ أخرى تَرِدُ آياتٌ أطلق فيها القرآن وصف «الدين» على غير الإسلام في سياق الوصف والبيان، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، وقول اليهود: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، وقول فرعون لقومه: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾، وغيرها من الآيات. ويبيّن المقال أن الفهم السليم لهذه النصوص لا يستقيم إلا بردّها إلى سياقاتها القرآنية ومقاصدها الدلالية، مع التمييز المنهجي الدقيق بين الحكم العقدي من حيث القبول والحقية، والاستعمال اللغوي والوصفي من حيث البيان والتقرير، بما يرفع توهّم التعارض ويكشف عن انسجام الخطاب القرآني واتساقه.

يجدر بالذكر أنه باستقراء القرآن الكريم يتبيّن أنه ليس محظورًا إطلاق لفظ «الدين» على غير الإسلام، وأن الاستعمال اللغوي العربي يجيز ذلك دون حرج؛ إذ تسوّغ اللغة أن يُطلق «الدين» على كل ما هو معتقَد يُؤمَن به، ويُدين به الإنسان، ويترتب عليه سلوك ونظام قيمي وتشريعي. كما تقبل اللغة تثنية الكلمة وجمعها، فيقال: «دينان» و«أديان»، ولا يعارض ذلك نصٌّ قرآني ولا أصلٌ لغوي. وقد أثبت الكاتب هذا في جزء من رسالته الدكتوراه: الدين والتدين في الخطاب الإسلامي المعاصر. وأكّده في مقال نشر بعنوان: هل محظور شرعًا إطلاق كلمة دين على غير الإسلام؟

ومع هذا الوضوح القرآني واللغوي، يظل السؤال مطروحًا: من أين جاء هذا التصور الشائع بين بعض الناس بأن لفظ «الدين» لا يجوز إطلاقه إلا على الإسلام؟ وأين يكمن الإشكال العلمي في هذا الفهم؟

مجموعة مباني دينية تشمل مسجدًا وقبة وكنيسة محاطة بأشجار تحت سماء صافية.

ويمكن القول إن منشأ هذا الإشكال يعود – في الغالب – إلى جملة من التصورات غير المحررة، من أبرزها ما يأتي:

1- الخلط بين اسم «الدين» ووصفه بالصحة أو البطلان

يظن بعض الناس أن لفظ «الدين» لا يُستعمل إلا بمعنى «الدين الصحيح»، فإذا قيل «دين» انصرف – عندهم – إلى الإسلام وحده. وهذا غير دقيق من جهة اللغة ولا من جهة الاستعمال القرآني؛ فـ«الدين» اسم عام، يُطلق على مطلق المعتقد، ثم يُوصَف بعد ذلك بما يبين حقيقته، فيقال: دين حق، ودين باطل، ودين محرف، ودين قديم، ودين جديد، ودين عقلي، أو دين وضعي، أو غير ذلك من الأوصاف.   
فالخلط بين الاسم والصفة هو الذي ولّد هذا الإشكال، وأدى بالبعض إلى الاعتقاد بأن إطلاق لفظ «الدين» على غير الإسلام يستلزم التسوية أو الإقرار بالصحة، مع أن هذا غير لازم لا لغة ولا عقلًا ولا شرعًا.

2- تعميم الحقيقة الشرعية الإيمانية على الواقع الديني القائم     

يستحضر بعض الناس الحقيقة العقدية التي نؤمن بها نحن المسلمين، وهي أن الله سبحانه وتعالى أرسل جميع الأنبياء بدين واحد، هو الإسلام، ولم يرسل دينًا غيره. وهذا أصل صحيح لا خلاف فيه من حيث الاعتقاد. غير أن الإشكال يقع حين يُنقَل هذا الأصل الصحيح من مقام الإيمان العقدي إلى مقام الوصف اللغوي والواقع الاجتماعي دون تمييز.    
فالديانات القائمة اليوم، كالتي تُعرف باليهودية أو المسيحية وغيرها، هي – بحسب اعتقادنا نحن المسلمين – أديان تعرّضت للتحريف والتبديل، وتختلف في واقعها العقدي والتشريعي عن الدين الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام.

ومع ذلك، فإنها تمثّل أديانًا قائمة في واقع حياة الناس المعاصرة، تقوم على منظومات اعتقادية وتشريعية مخصوصة، تختلف عمّا نراه ونعتقده نحن المسلمين، ولها أتباع يؤمنون بها وينتسبون إليها ويعرّفون أنفسهم من خلالها.

ومن ثمّ، فإن وصف هذه المعتقدات بأنها «أديان» من حيث هذا الواقع الوصفي والاجتماعي لا إشكال فيه، ولا يستلزم إقرارًا بصحتها العقدية. بل إن القرآن الكريم نفسه أطلق على هذه المعتقدات لفظ «الدين» في سياق تقرير انحرافها وبيان بطلانها، دون أن يمنع ذلك من تسميتها بهذا الوصف.

إن عدم التفريق بين «الأصل العقدي الذي نؤمن به» و«الواقع الديني الذي نعيشه ونصفه» يؤدّي إلى مغالطة علمية ومنهجية، وإلى لبسٍ في المفاهيم، وقد يفضي إلى نتائج تخالف الاستعمال القرآني نفسه، وتخلط بين الحكم الإيماني والوصف المفاهيمي.

3- القول باستبدال لفظ «الأديان» بلفظ «الشرائع»    

يذهب بعضهم إلى القول: لا تقولوا «أديان»، بل قولوا «شرائع»، بدعوى أن الأديان واحدة والشرائع متعددة. غير أن هذا الطرح لا يحل الإشكال، بل ينقله من لفظ إلى لفظ؛ إذ لو قيل «شرائع»، فهل يعني ذلك أنها شرائع صحيحة؟ أم شرائع محرفة؟ فإن قيل: شرائع محرفة وباطلة، عاد السؤال نفسه الذي أُثير حول لفظ «الأديان».
والحقيقة أن المبدأ واحد: فنحن نقول «أديان» من حيث ما يؤمن به أتباعها، ونقول في الوقت نفسه إنها أديان باطلة من حيث الاعتقاد الإسلامي. وكذلك يمكن أن يقال «شرائع» من حيث ما يعتقده أتباعها، مع الحكم عليها بالبطلان والتحريف من منظورنا. فلا وجه للمنع من لفظ «الأديان» مع التساهل في لفظ «الشرائع»، لأن العلة المدعاة واحدة في الحالين.

4- من أبرز الإشكالات التي أسهمت في تضخيم هذه المسألة شيوعُ توظيف آيةٍ قرآنيةٍ كريمة خارج سياقها الدلالي والعلمي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾. إذ يذهب بعض الناس إلى فهمٍ مفاده أن هذه الآية تمنع مطلقًا إطلاق لفظ «الدين» على غير الإسلام، باعتبار أن الله سبحانه وتعالى حصر الدين في الإسلام وحده.

غير أن هذا الفهم غير مستقيم من جهة المنهج العلمي، ولا ينسجم مع ما قرره أئمة التفسير وأصول الفقه؛ ذلك أن الآية تشتمل على ما يُعرف في علم الأصول بـ«المقتضى» أو «المحذوف المقدَّر»، أي أن فيها وصفًا مقدرًا لا يستقيم المعنى بدونه. وعليه، فإن التفسير المعتمد عند العلماء هو أن المقصود: إن الدين الصحيح أو المقبول عند الله هو الإسلام، لا أن لفظ «الدين» من حيث الإطلاق اللغوي والوصفي لا يُستعمل إلا عليه.

صورة ظلية لمسجد تحت ضوء القمر في أفق مسائي، مع شخص واقف يتجه نحو المسجد في وضع دعاء. تظهر الأبراج والمآذن بتفاصيل دقيقة، مع طيور تحلق في السماء. تعكس الصورة جمال العمارة الإسلامية وروح السكينة.

ويؤكد هذا الفهم أن القرآن الكريم نفسه أطلق لفظ «الدين» على معتقدات غير صحيحة عقديًا، كما في مواضع متعددة سبقت الإشارة إليها، مما يدل على أن استعمال اللفظ أعمّ من الحكم بصحته. بل إن القرآن قرر هذا المعنى صراحة بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، فدلّ ذلك على إمكان اتخاذ غير الإسلام «دينًا» من حيث الوصف، مع الجزم ببطلانه من حيث القبول الإلهي.

ولا يصح – من ثمّ – الخلط بين مقام الوصف اللغوي ومقام الحكم العقدي؛ إذ إن أهل الأديان الأخرى يرون – من منظورهم – عدم صحة الإسلام، ولو طُبِّق منطق المنع نفسه لانعدمت إمكانية وجود مصطلح جامع يصف ما يؤمن به البشر ويتدينون به. ومن هنا يتبيّن أن إطلاق لفظ «الدين» على غير الإسلام مسألة وصفية لغوية وقرآنية، لا تتعارض مع الإيمان الجازم بأن الإسلام هو الدين الحق الوحيد المقبول عند الله.

5- ومن القضايا المتصلة بهذا النقاش ما يُستحضر أحيانًا من الحقيقة القرآنية التي تقرر أن الإسلام هو دعوة جميع الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى محمد ، وأن كل نبي دعا قومه إلى الإسلام وعبّر عن ذلك في نصوص قرآنية متعددة. ويُفهم من هذا التصور، لدى بعض الباحثين، أن إطلاق وصف «الدين» على اليهودية أو المسيحية لا يكون دقيقًا، انطلاقًا من أن الأصل الذي جاءت به هذه الرسالات هو الإسلام.

وهذا التصور يعكس حقيقة قرآنية ثابتة من حيث المبدأ، غير أن مقاربته تقتضي استحضار مجموع الاستعمال القرآني للمصطلحات وعدم الاكتفاء بجانب واحد منها. فالقرآن الكريم، مع تقريره لوحدة رسالة الأنبياء، أطلق في مواضع متعددة لفظ «الدين» على اليهودية والمسيحية في سياقات تصف واقعها القائم في حياة الناس، مع بيان ما لحقها من تحريف وفق المنظور القرآني نفسه.

ويُضاف إلى ذلك أن نفي وصف «الدين» عن هذه المعتقدات القائمة اليوم يفضي منطقيًا إلى إشكال آخر، يتمثل في تسمية هذه الديانات بالإسلام، وهو أمر لا يقول به أصحاب هذا التصور، ولا ينسجم مع واقع هذه المعتقدات وتشريعاتها وممارساتها، التي تختلف جوهريًا عمّا نؤمن به نحن المسلمين، وعن الإسلام الذي جاء به محمد .

ومن هنا، يظهر أن الجمع بين مستويين في الخطاب القرآني – مستوى الأصل العقدي للرسالات، ومستوى الوصف الواقعي لما آل إليه حال أتباعها بعد التحريف – يتيح فهمًا أكثر اتساقًا مع المنهج القرآني. فاستعمال الأسماء المتداولة اليوم، كاليهودية والمسيحية، يُفهم في هذا الإطار بوصفه توصيفًا لواقع اعتقادي وتاريخي، لا حكمًا عقديًا ولا إقرارًا بصحة المعتقد، وهو ما ينسجم مع الاستعمال القرآني ومع مقتضيات البحث العلمي الوصفي.

وخلاصة القول: إن منع إطلاق لفظ «الدين» أو «الأديان» على غير الإسلام لا يقوم على أساس لغوي ولا قرآني متين، بل ينشأ غالبًا من خلطٍ بين مقام الوصف ومقام الحكم، وبين الاسم والصفة، وبين الحقيقة العقدية والواقع اللغوي والاجتماعي. وإذا لم نُحسن هذا التفريق، وقعنا في إشكالات علمية، واصطدمنا – من حيث لا نشعر – بالاستعمال القرآني نفسه، فضلًا عن تعقيد التواصل الفكري والعلمي مع واقع ديني تعددي لا يمكن إنكاره.