في مسرحية “هاملت” لشكسبير، يوصي بولونيوس ابنه: “لا تُعر ولا تستعر، لأن الإعارة غالبًا ما تسبب خسارة في المال والأصدقاء!”. والأفدح لأي شغوف بالكتب أن يتحمل مخاطرة إعارة كتاب، إذ يتعين عليه قبول احتمال وجوده في مكان آخر، دون أن يتمكن من رؤيته مجددًا.
يتودد إليك صديق أو زائر كي تعيره أحد كتبك ليقرأه، أو ليستعين به في إعداد بحث أو ما شابه؛ ثم لا يلبث أن “يفقع” مرارتك قبل أن يعيده (هذا طبعًا إن كان من أهل الحرص والفضل)، أو يختفي بلا رجعة هو والكتاب، فيُحكم عليك بأوقات حزن تتجدد كلما احتجت إليه أو لاح عنوانه بخاطرك!
هذه الظاهرة العالمية التي امتدت عبر قرون، لا تزال حتى اليوم تؤثر على شريحة واسعة من القراء، ويتجدد معها كل مرة سؤال مؤرق: كيف نشارك متعة القراءة مع الآخرين، دون تحمل مرارة ضياع الكتب وفقدانها؟
تتيح إعارة الكتب واستعارتها فرصة متجددة لاكتشاف عناوين وإصدارات دون ضغط شرائها، وهي كذلك مناسبة لتقوية الروابط وتعميق الصداقات.
إننا حين نعير كتابًا، لا نشارك الآخرين شيئًا ماديًا فحسب، بل ننقل شعورًا وتجربة، أي جزءًا حقيقيًا من أنفسنا. إننا نساهم بلا شك في نشر الثقافة والسعادة، لكن الأمر يتطلب قدرًا من الحكمة قبل أن تؤدي الأريحية الزائدة إلى رفض قاطع!
تحقق الإعارة بيئة من التفاعل الحيوي بين المُعير والمستعير، إذ يصبح لكل كتاب ذاكرة لا تشمل فقط انطباعاتك كقارئ، وإنما تمتد أيضًا لتحتضن الأماكن التي قرأته فيها، والأشخاص الذين أعرتهم إياه، والحوارات التي دارت حوله. إلا أنها قد تصبح مجازفة حين تتحول إلى تعلق خفي، يُصطلح عليه في علم النفس المعرفي بـ “تأثير التملك”؛ حيث يقرأ المستعير الكتاب ثم يتعلق به، لينسى تدريجيًا أنه ليس نسخته الخاصة.
يُمكنك بالتأكيد العثور على نسخة أخرى في أقرب مكتبة، إلا إذا كان على صفحات كتابك إهداء يوثق ذكرى صداقة أو حب، فتلك فجيعة أخرى.
إننا اليوم في زمن الطباعة، ودُور النشر تقذف بآلاف النسخ لتوزعها على امتداد رقعة واسعة، لكن هل لك أن تُقدر حجم الخسارة في زمن النَّسْخ والورَّاقين؟ وما يعنيه ضياع نسخة فريدة بخط المؤلف نفسه؟
وجد أسلافنا أنفسهم أمام معضلة دينية وأخلاقية، مما توجب عليهم البحث لها عن حل توفيقي؛ فمن جهة يحذرهم النص الديني من كتمان العلم، ويعتبر البخل بمصادر المعرفة أشد لؤمًا من البخل بالمال، لكن من جهة أخرى لا يكتفي بعض طلبة العلم باستعارة الكتب لأجل التعلم والتفقه، وإنما تُزين لهم أنفسهم الاستحواذ عليها وعدم ردها لأصحابها. ما العمل إذن؟
“أنا لا أعير الكتب أبدا. الكتب المعارة لا تُعاد. الكتب الوحيدة في مكتبتي هي كتب أعيرت لي واحتفظت بها!” – قارئ شغوف من القرن التاسع عشر
4 اتجاهات في إعارة الكتب
توزعت الآراء والمواقف بين أربعة اتجاهات أساسية، تعكس الأهمية الفائقة للكتاب ومركزيته في الحياة الثقافية آنذاك، وهي الآراء التي يعرضها محمد خير رمضان يوسف بتفصيل في كُتيب طريف بعنوان “آداب إعارة الكتب في التراث الإسلامي”:
- الاتجاه الأول: يميل إلى إعارة الكتب دون قيد أو شرط، من باب الكرم والسماحة والإسهام في نشر المعرفة. لذا لم يكن أنصاره يهتمون باسترجاع الكتب المُعارة، ويعتبرون الأمر من بركات العلم. ومن طريف ما يُحكى عن أحمد تيمور باشا، أنه أعار مخطوطين نادرين لأحد أصدقائه، ولما رفض الأخير إرجاعهما، كان تيمور يزوره في بيته ليطلع عليهما كلما احتاج لذلك!
- الاتجاه الثاني: يقرر إعارة الكتب خوفا من إثم كتمان العلم. وهنا نقرأ تحذيرًا لـ سفيان الثوري مفاده أن من بخل بعلمه فإنه يُبتلى إما بنسيانه، أو عدم الانتفاع به قبل موته، أو ضياع كتبه. وكانت الوسيلة لضمان إرجاع الكتب هي التودد لمن استعارها، ومراسلته بين الفينة والأخرى بكلمات رقيقة وأبيات شعر مهذبة تُذكره بشيمة الوفاء.
- الاتجاه الثالث: يضع شروطًا للإعارة يضمن من خلالها ألا تقع كتبه في أيدٍ غير أمينة؛ ومنها ألا يعير الكتاب إلا بعد إلحاح شديد، وأن يلتزم المستعير بقراءته (لأن الإعارة للكسالى فيها ضياع للعلم)، وأن يتعهد بالمحافظة عليه. وكان بعضهم يزور بيت الطالب ويُلقي نظرة على كتبه، فإن وجدها محفوظة بعناية أعاره ما أراد. وفي عصرنا تميز الشيخ علي الطنطاوي بنباهة خاصة، فكان لا يسمح بخروج الكتاب من داره إلا بإذن رسمي وتحديد للمدة، ثم يُذكر الطالب بالكتاب كلما لقيه حتى يمل الأخير فيعيده.
- الاتجاه الرابع: يذهب أبعد من ذلك حين وجد للإعارة قيدًا شرعيًا هو “الرهن”. بإمكانك أن تستعير الكتاب مقابل مال أو شيء آخر نفيس تتركه رهنًا عند صاحبه، وبعضهم يشترط زيادة على الرهن الحلف بالأيمان المغلظة.
وفي ذلك أنشد محمد بن خليف قائلًا:
أعِرِ الدفتر للصاحبِ بالرهنِ الوثيقِ
إنه ليس قبيحًا أخذُ رهنٍ من صديقِ!
وهو التعامل الذي اعتمدته المكتبات في عصرنا هذا باشتراط مبلغ مالي أو بطاقة التعريف كضمانة، لكنه يظل إجراءً إداريًا يختلف في جوهره عن النقاش الذي أثاره أسلافنا؛ حيث شكلت المكتبات في زمنهم واجهة المعرفة المنظمة وتجليًا لثلاث حقائق:
- استحقاق الكتب للجمع.
- تدني نسبة الأمية.
- الشغف بجمع المخطوطات.
ومن قصص هذا الشغف خبر شافع بن علي العسقلاني الذي ترك عشرين خزانة ملأى بالمخطوطات، ورغم فقد بصره، كان يعرف عنوان الكتاب بمجرد لمسه.وعلى الضفة الأخرى، قررت حكومة الثورة الفرنسية بعد مصادرتها لكتب النبلاء إلقاءها في مستودعات ضخمة، ثم بيعها بأثمان بخسة بعد أن تلاشت بفعل الرطوبة!

بقي اتجاه خامس يتمسك أصحابه بعدم الإعارة مطلقًا، عملًا بالمثل الإيطالي: “كتابٌ مُعار، كتابٌ مفقود”. ولعل ذلك بسبب كثرة ضياع المخطوطات النفيسة، لكنه يظل برأيي مجرد انفعال لا يلبث أصحابه أن يتخلوا عنه تقديراً لدور المعرفة، لذا لم ينفذ الحافظ السخاوي وعده بإلقاء كتبه في البحر قبيل موته!
توجيهات وقائية للإعارة
ختامًا، بما أن الإعارة تعزز قيم المشاركة، إليك هذه النصائح:
- لا تجازف بالإعارة لشخص أعلن مرارًا أنه لا يحب القراءة.
- تجنب الشخص المهمل لئلا يعود كتابك بصفحات مهترئة أو بقع زيت.
- ضع اسمك على كتبك بوضوح لتوثيق الملكية.
- تتبع إعارتك عبر بطاقة فهرسة أو سجل خاص إذا كنت تعاني من ضعف الذاكرة!
