ذكرنا في مقالنا السابق أن أهم ما ينبغي أن ننتبه إليه هو “المناخ العقلي الذي أنشأه القرآن”؛ أي البيئة التي أنشأها القرآن لينمو فيها عقل جديد وشخصية جديدة، أطلقت أكبر حركة علمية وفكرية شهدها العقل الإنساني، وحولت الوجود كله مصدراً للنظر والعلم والمعرفة والفكر والتجربة والاعتبار، وانفتحت على ميراث الإنسانية كلها نقداً وتقييماً واستفادةً منه وتقريباً له، وفق الرؤية التوحيدية الجديدة، التي فتحت للإنسان القراءة باسم الله وكرماً منه سبحانه، وفي ظل ذلك المناخ العقلي القرآني نشأت الحضارة الإسلامية.
وهذا يجعلنا نتساءل: ماذا فعل القرآن حتى أحدث تلك الثورة العقلية والعلمية والفكرية في الفرد المسلم والجماعة المسلمة، حتى يحدث ذلك الانقلاب العجيب والسريع، الذي أدى إلى تلك النهضة العلمية والفكرية، بل في مختلف جوانب الحياة؟!
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب إضافة إلى “المناخ العقلي الذي أنشأه القرآن” وتناولناه في المقال السابق، تتطلب منا الانتباه إلى أن الحركة العلمية وتطور العلم لا يمكن تفسيره من خلال قواعد العلم وتوفر المنهج العلمي ووفرة المعطيات العلمية فحسب، بل ينبغي أن ننظر في البنى النفسية والاجتماعية التي تشكل المحيط الذي ينشأ ويتطور فيه العلم، وفي الخميرة الأخلاقية التي تجعل من العلم فضيلة وركيزة للحياة في مختلف جوانبها أيضا.
وهذا ما أكد عليه الأستاذ مالك بن نبي، بقوله “إن القرآن الكريم لم يأت قطعاً، وبصورة مباشرة، لا بالحساب العشري ولا بالجبر، ولكنه أتى بالمناخ العقلي الجديد الذي يتيح للعلم أن يتطور كما تطور بالنسبة إلى مرحلته السابقة في العهد الإغريقي والروماني، والأمر الجدير بالملاحظة، هو أن تطور العلم لا يناط بالمعطيات العلمية فحسب، بل بكل الظروف النفسية والاجتماعية التي تتكون في مناخ معين، والأمر الجدير بالملاحظة أيضاً، هو أن مراكز الاهتمام للعقل تتغير من عصر إلى آخر، ومن حضارة إلى غيرها، حسب التغيرات التي تحدث في المناخ العقلي بالذات”[1].
ولننظر إلى فكرة “الظروف النفسية والاجتماعية” التي ذكرها بن نبي، فإنا سنجد القرآن الكريم، ومنذ نزول “اقرأ”، قد هيأ مناخاً يؤمن بالقراءة والكتابة، ويؤمن بالعلم سبيلاً لمعرفة الحق والدفاع عنه وحمايته. ولهذا رأينا تلك العناية بالقراءة والكتابة منذ بدأ الوحي، وكيف اشتهر “القراء” منذ أول أيام الإسلام، وكيف كان النبي ﷺ يقدم “أَقرأَ” الناس للقيادة العلمية والسياسية والاجتماعية، وحتى القيادة الحربية. ولعل مالك بن نبي محق حينما أشار إلى الفرق الجوهري بين الكتب الدينية في اليهودية والنصرانية وبين كتاب الإسلام الأول القرآن. يقول بن نبي: “بينما ينفتح كتاب العهد القديم، منذ السطر الأول في سفر التكوين، على عالم الظاهرات المادية، وينفتح كتاب العهد الجديد في إنجيل يوحنا، على عملية التجسيد، ينفتح القرآن على الجانب العقلي: (اقرأ باسم ربك)”، “فأول ما نزل به القرآن يشير إلى أهميتها، ويخصص موضوعها بالذكر، ويرسم في الضمير الإسلامي قيمتها منذ اللحظة الأولى في كلمة اقرأ” [2]. وهي الكلمة التي رسمت وركزت في ضمير المسلم قيمة العلم في البناء الديني والاجتماعي والثقافي، وفي كل مناحي الحياة.
ولهذا شهدنا كيف نشأت في صدر الإسلام حركة التدوين، وإنتاج علوم جديدة، وترجمة علوم الأوائل، والعمل على تقييمها ونقدها وتبيئتها في البيئة الإسلامية الوليدة، في الوقت الذي كانت الكتب والعلوم أمراً خاصاً يحرمه الكهنة، ويستأثر به الملوك والأباطرة وذوو الشأن، بينما استوى في تحصيلها وطلبها في البيئة الإسلامية الملوك والرعية، والخاصة والعامة، والفقراء والأغنياء.
بل إن “اقرأ” نقلت العرب من ﴿أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب﴾[3]، كما وصفها الحديث الشريف، إلى أمة القراءة والكتابة والتدوين ونشأة العلوم والمعارف، وصار العلم فيها فريضة، وصارت الأمية مذمومة بنص القرآن والسنة.
فانظر إلى القرآن الكريم كيف يجعل الأمية سبباً للانحراف عن الجادة في نقده ليهود، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [سورة البقرة: 78]، وكذلك نقد القرآن الكريم لمن يقول في أمر بغير علم، في قوله تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. [سورة آل عمران: 66].
لقد فعلت كلمة “اقرأ” فعلها في الضمير المسلم، بحيث أن كل ما في هذه الأمة؛ تديناً وإعماراً، صار في ضمير المسلم خاضعاً للعلم وللمنهج العلمي، بناء على قراءة تستجلي الحقيقة في الكتاب وفي الآفاق والأنفس والتاريخ.
وجعلت “اقرأ” ضمير المسلم لا يخضع للتقليد للآباء والأجداد لمجرد أنهم سلفٌ لنا وآباؤنا، بل أوكل الأمر إلى العبرة من تجاربهم ومصائرهم، لينتقل بناء المجتمع المسلم من مرحلة ما قبل الحضارة؛ مرحلة التمركز على الأشياء والتقليد، إلى مرحلة الحضارة: مرحلة الفكرة والتحرر من التقليد، والاحتكام إلى القيم المجردة.
بل إن آيات القرآن وأحاديث المصطفى ﷺ تضع الفكر والضمير المسلم في طريق العلم، وتزوده بأحسن التوجيهات المنهجية لاكتسابه، وتؤسس في وعيه أن العلم يدخل في كل تفاصيل حياة المسلم اليومية، ويدخل في توجيه نشاطه، وتدعم عملياً، البناءات العقلية التي أنشأها القرآن في الفكر والضمير المسلم الذي ينطلق محصناً، مزوداً، موجهاً للقيام بمهمته العلمية والسياسية والاجتماعية[4].
