تمهيد: نعمة لا تُدرك إلا عند فقدها
فضل الله على عباده عظيم، وإحسانه واسع، ونِعَمه لا تُعد ولا تُحصى، ومن أجلِّ هذه النعم وأعظمها أثرًا في حياة الأفراد والأمم نعمة الأمن والأمان. إنها نعمة لا تُقدَّر بثمن، ولا يعرف قدرها حقًّا إلا من فقدها، ولا يستشعر عظمتها إلا من ذاق مرارة زوالها.
قال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف﴾ [قريش: 3- 4].
وجاء في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في سننه، عن عُبَيد اللَّه بِن مِحْصَنٍ الأَنْصارِيِّ الخَطْمِيِّ رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: «مَنْ أَصبح مِنكُمْ آمِناً في سِرْبِهِ، معافى في جَسدِه، عِندهُ قُوتُ يَومِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».
مفهوم الأمن بين اللغة والاصطلاح
أولًا: المعنى اللغوي:
- “الأمن ضد الخوف، والمأمن: موضع الأمن، والآمن: المستجير ليأمن على نفسه”. (انظر: لسان العرب، ابن منظور، [1/107]).
- “والأمان والأمانة بمعنىً، وقد أمنت فأنا آمن، وآمنت غيري من الأمن والأمان”. (انظر: مختار الصحاح، الرازي، [5/2071]).
- “وأمن كفَرِحَ أمنًا وأمانًا بفتحهما، وأمَنًا وأمَنَةً محركتين، وإِمْنًا بالكسر، فهو أَمَنٌ وأَمِينٌ كَفَرَحٍ وأمِير، ورجل أمَنَةٌ كهمَزَةٍ ويحرك: يأمنه كل أحد في كل شيء”. (انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، [4/197]).
- “والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان”. (انظر: المفردات، [ص 90]).
ومن خلال ما تقدم من معانٍ لغوية يتضح لنا أن كلمة الأمن لها عدة إطلاقات: فهي تعني الطمأنينة وعدم الخوف، أو الثقة والهدوء النفسي، إضافة إلى راحة القلب، وعدم وقوع الغدر أو الخيانة من الغير.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
- عرفه المناوي بقوله: “عدم توقع مكروهٍ في الزمن الآتي، وأصله طمأنينة النفس، وزوال الخوف”. (انظر: التوقيف، المناوي، [ص 63]).
- وقال الراغب الأصفهاني: “أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف. (انظر: المفردات، [ص 90]).
ومن خلال هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية تبين أن هناك ارتباطًا بينها؛ فالأمن ضد الخوف، وهو يعني: الأمان، والطمأنينة، والسكون، والثقة.
الأمن في القرآن الكريم
لقد بيّن القرآن الكريم عظيم نعمة الأمن، وجعلها من أجلّ النعم التي يمتن الله بها على عباده. قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش: 4]. وقال سبحانه ممتنًا على أهل مكة بالأمن والاستقرار: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [سورة العنكبوت: 67]. كما جعل الله الأمن ثمرةً للإيمان الصحيح والبعد عن الظلم، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: 82].
عناية السنة النبوية بتحقيق الأمن
وقد جاءت السنة النبوية مؤكدة أهمية الأمن في حياة الإنسان والمجتمع. عن عبيد الله بن محصن الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». (رواه الترمذي [2346]، وابن ماجه [4141]، وقال الترمذي: حديث حسن).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». (رواه مسلم [2564]).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أن النبي ﷺ قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما». (رواه أبو داود [5004]، وأحمد في المسند [23064]).
أقوال العلماء في أهمية الأمن والاستقرار
وقد بيّن العلماء أهمية الأمن في استقامة حياة الناس وازدهار المجتمعات.
- قال الفضيل بن عياض رحمه الله: “لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان”. (المصدر: أبو نعيم، حلية الأولياء [8/91]). يبين رحمه الله أهمية صلاح الحاكم، لأن بصلاحه تستقيم أحوال الناس ويعم الأمن في المجتمع.
- وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “لو كانت لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان. (المصدر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى [28/390]). يدل هذا على أن صلاح القيادة له أثر كبير في حفظ مصالح الأمة واستقرارها.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة. (المصدر: مجموع الفتاوى [28/146]). يبين هذا القول أن العدل أساس استقرار الدول وبقائها، وأن الظلم سبب في زوالها واضطراب أحوالها.
- وقال الماوردي رحمه الله: “إذا استتب الأمن اطمأنت النفوس، وانصرف الناس إلى معايشهم”. (المصدر: الأحكام السلطانية [ص 27]). يبين الماوردي أن استقرار الأمن يبعث الطمأنينة في نفوس الناس، ويدفعهم إلى السعي في مصالحهم ومعايشهم، وهو ما يؤدي إلى نشاط الحياة الاقتصادية والاجتماعية واستقامة شؤون المجتمع.
- وقال ابن القيم رحمه الله: “إن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض. (المصدر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية [ص 11]). يشير إلى أن إقامة العدل مقصد عظيم من مقاصد الشرائع، وبه يتحقق الأمن والطمأنينة بين الناس.
- وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: “إن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل”. (المصدر: الموافقات [2/8]). يدل كلامه على أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح الناس، ومن أعظمها حفظ الأمن والاستقرار.
- وقال ابن خلدون رحمه الله: “الظلم مؤذن بخراب العمران. (المصدر: المقدمة، فصل: في أن الظلم مؤذن بخراب العمران). يوضح أن الظلم يؤدي إلى انهيار المجتمعات وفساد الحضارة، بينما العدل سبب ازدهار العمران واستقرار الحياة.
الأمن أساس العمران واستقامة الحياة
في ظل الأمن تحفظ النفوس، وتصان الأعراض، وتحترم الحقوق، وتؤدى العبادات في طمأنينة، وتنتعش الأسواق، وتزدهر العلوم، وتستقيم شؤون الحياة. والأمن ليس رفاهية اجتماعية، بل ضرورة من الضرورات الكبرى التي لا تقوم الحياة بدونها.
ولهذا كان الأمن من أعظم ما تقوم عليه مصالح المجتمعات، إذ إن المقاصد العظمى التي جاءت الشرائع بحفظها — الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال — لا يمكن أن تصان إلا في بيئة يسودها الأمن والاستقرار.

وقد قرر علماء الشريعة ذلك، ومنهم الإمام الشاطبي رحمه الله، إذ قال مبينًا هذه الضروريات: “فقد اتفقت الأمة ـ بل سائر الملل ـ على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل…”.
وقال الإمام أبو حامد الغزالي مبينًا مقاصد الشريعة: “مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. (المستصفى من علم الأصول، الغزالي، [ج1، ص 174]).
ولو تأملنا في تاريخ الأمم لوجدنا أن كل نهضة سبقتها مرحلة استقرار، وأن كل ازدهار كان ثمرة بيئة آمنة؛ إذ لا يقوم عمران في ظل الفوضى، ولا تزدهر حضارة في أجواء الخوف والاضطراب.
اختلال الأمن
إذا اختل الأمن، فلا تسل عن الفوضى التي تعم، ولا عن الظلم الذي ينتشر، ولا عن الحقوق التي تُهدر. يتوقف البناء ليحل الخراب، ويتراجع التعليم ليحل الجهل، ويتعطل الإنتاج ليحل الفقر، وتتحول المجتمعات إلى ساحات اضطراب وصراع.
فلا لذة بطعام، ولا هناء بعيش، ولا طمأنينة في قلب. وحين يغيب الأمن، تنكمش الطاقات، وتضيع الثقة، وهي الركيزة التي يقوم عليها التعامل بين الناس.
وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة زوال الأمن، وضرب لذلك مثلاً بليغًا فقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]. فدلّ ذلك على أن الأمن أساس الاستقرار، وأن زواله سبب لانقلاب النعم إلى نقم، والرخاء إلى شقاء.
كيف تُحفظ نعمة الأمن؟
هذه النعمة الجليلة لا تُحفظ إلا بالشكر، ولا تدوم إلا بالاستقامة. فالله تعالى وعد بالزيادة لمن شكر، وتوعّد بزوال النعمة عند كفرانها: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾.
قال ابن كثير في تفسيره: “لئن شكرتم لأزيدنكم ـ أي لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ولئن كفرتم أي كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها إن عذابي لشديد، وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها. اهـ.
وقال الشوكاني في فتح القدير: “فمن شكر الله على ما رزقه وسع الله عليه في رزقه، ومن شكر الله على ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته، ومن شكره على ما أنعم عليه به من الصحة زاده الله صحة ونحو ذلك. انتهى.
والشكر ليس كلمات تقال، بل اعتراف بالقلب، وثناء باللسان، وصرف للنعم فيما يرضي الله. فإذا صُرفت النعم في المعاصي، وانقلبت الطاعة إلى غفلة، كان ذلك من أسباب الاستدراج وزوال البركة.
والشكرُ صرفُ العبدِ ما أوْلاهُ … مولاهُ من نَعْماهُ في رضاهُ
ومن أعظم أسباب حفظ النعم:
أولها: الاعتصام بدين الله: قَالَ جلّ وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]. وفي حديث عبد الله بن عباس، قال ﷺ: «تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا: كتابَ اللهِ، وسُنَّةَ نبيِّه». (أخرجه الحاكم (318)، والبيهقي في الاعتقاد (ص 228) واللفظ لهما).
كتاب الله وسنة نبيه هما الأصلان اللذان لا عدول عنهما، ولا هدي إلا منهما، والعصمة والنجاة لمن تمسك بهما، واعتصم بحبلهما. تأمّل قولَ الحقّ جلّ وعلا: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ [الزخرف: 43]. قال ابن عاشور في تفسيره: “والاستمساك: شدة المسك، فالسين والتاء للتأكيد، والأمر به مستعمل في طلب الدوام والثبات والتمسك به، ولذلك أُيِّد طلب الاستمساك بقوله -تعالى-: (إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)؛ ليفيد أنَّ الرسول -ﷺ- راسخ في الاهتداء إلى مراد الله -تعالى-، كما يتمكن السائر من طريق مستقيم لا يشوبه في سَيْرِه تردد في سلوكه، ولا خشية الضلال في بُنَيَّاتِه”.
عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ [رقم: 2676] وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ). قال ابن العطار رحمه الله: “هذا الحديث معجزةٌ وعَلَمٌ من أعلام النبوة”. (شرح الأربعين النووية لابن العطار [210]).
ثانيهما: المحافظةُ على أداء الفرائضِ والعبادات: فمن حقق الإيمان والعمل الصالح؛ فهو الموعود من الله جل وعلا بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]. هذا في الدنيا، أمّا في الآخرة فيقولُ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. وفي الآية الأخرى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ المَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 103]. وعند دخولهم الجنة يبشرون: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]، وطعامهم فيها مؤمن: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: 55]، ﴿وَهُمْ فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37].
ثالثهما: تجنبُ الظلمِ بأنواعه: فالشركُ بالله ظلم عظيم، والتعدي على حقوق الآخرين ظلمٌ وبغي، ومن يتعدَ حدودَ اللهِ فقد ظلمَ نفسه، و﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون﴾ [الأنعام: 82]. يبين الله في هذه الآية أن الأمن الحقيقي إنما يكون لمن حقق الإيمان الصادق ولم يخلطه بالشرك، فالتوحيد الخالص هو أساس الطمأنينة والاستقرار. ومعنى قوله تعالى: ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ أي لم يخلطوا إيمانهم بالشرك، كما فسره النبي ﷺ، لأن الشرك أعظم الظلم. فمن سلم إيمانه من الشرك كان له الأمن والهداية في الدنيا والآخرة، وهذا يدل على أن استقرار المجتمعات وأمنها مرتبطان بتحقيق الإيمان الصحيح والتمسك بتوحيد الله.
رابعهما: اجتماع الكلمة، وعدم التفرق ولزوم جماعة المسلمين وإمامهم: قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: 59]. وفي صحيح البخاري قال ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، وُأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ، وَسَلُوا اللهَ حَقَّكُمْ».
خامسهما: اعتزال الفتن، وعدم المشاركة فيها، والبعد عن مواطنها: عَنْ أَبِي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، ومَن يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ، ومَن وجَدَ مَلْجًَا أوْ مَعاذًا فَلْيَعُذْ بهِ». (متفق عليه). قَالَ ﺍﻟﻨﻮﻭﻱ في شرح مسلم: “ﻭﺃﻣﺎ ﻗﻮﻟﻪ ﷺ: (ﺍﻟﻘﺎﻋﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﺧﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺎﺋﻢ) ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮﻩ، ﻓﻤﻌﻨﺎﻩ ﺑﻴﺎﻥ ﻋﻈﻴﻢ ﺧﻄﺮﻫﺎ، ﻭﺍﻟﺤﺚ ﻋﻠﻰ ﺗﺠﻨﺒﻬﺎ، ﻭﺍﻟﻬﺮﺏ ﻣﻨﻬﺎ، ﻭﺃﻥ ﺷﺮﻫﺎ ﻭﻓﺘﻨﺘﻬﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺣﺴﺐ ﺍﻟﺘﻌﻠﻖ ﺑﻬﺎ”.
الأمن مسؤولية الجميع
الأمن مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد سلوكًا، ومن الأسرة تربية، ومن المجتمع وعيًا، ومن المؤسسات رعاية وحزمًا. وليس الحفاظ عليه مجرد واجب وطني، بل هو عبادة نتقرب بها إلى الله؛ إذ بحفظه تُصان مصالح العباد وتستقيم حياتهم.
تاج النعم وعماد الأوطان
وإذا كانت الأمم تتنافس في القوة المادية والاقتصادية، فإن أعظم ما يمكن أن تتفاخر به أمة هو استقرارها وأمنها. فكم من دول تملك الثروات، لكنها تفتقد الطمأنينة. وكم من شعوب تملك الموارد، لكنها تعيش في خوف واضطراب.
فلنحمد الله على نعمة الأمن، ولنحفظها بطاعته، ولنجعل من شكر النعمة سلوكًا عمليًا في حياتنا. فالأمن تاج النعم، وعماد الأوطان، وبدونه لا تقوم حضارة، ولا يثبت بنيان.
