ليست حادثة الإسراء والمعراج مجرد حدث إعجازي خارق للزمان والمكان، ليظل يروى في كتب السيرة ويستعاد في المناسبات الدينية فحسب، بل هو تجربة إنسانية وروحية عميقة، ولأنها جاءت في لحظة مفصلية من حياة النبي ﷺ، في السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية.
لتؤكد أن السماء أبوابها دائما مفتوحة في وجه من صدق، وأن العوض الإلهي غالبًا ما يأتي بعد أقسى مراحل الابتلاء. إنها بالتأكيد رحلة من ضيق الأرض إلى رحابة السماء، ومن ثقل الألم إلى اتساع الجبر، ومن الانكسار الإنساني إلى الإيمان.
الإسراء والمعراج وجبر خاطر النبي في عام الحزن
لقد كانت رحلة الإسراء والمعراج في عام الحزن، ذلك العام الذي فقد فيه النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم أعز سندين له في حياته، زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، سنده الإنساني والروحي الأول، وعمه أبو طالب، حاميه الاجتماعي والمدافع عنه في وجه قريش.
ولم يقتصر الألم على الفقد، بل أكثر من ذلك تزامن مع رفض أهل الطائف لدعوته، وما تعرض له من إيذاء نفسي وجسدي، حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت. كانت لحظة إنسانية دقيقة، بلغ فيها الحزن مداه، وتكاثفت فيها مشاعر الخذلان، ليأتي بعدها هذا الفتح السماوي وكأنه جبر خاطر إلهي، وتسرية ربانية لقلب نبيه الكريم.
دلالات الإسراء إلى المسجد الأقصى
يحمل الإسراء إلى المسجد الأقصى دلالات عميقة تتجاوز البعد الجغرافي. فهو تأكيد راسخ على ارتباط المسلم بقضيته التاريخية، وعلى أن المقدسات ليست مجرد أماكن، بل أمانة ومسؤولية أمة.
وفي هذا السياق فالمسجد الأقصى في هذه الرحلة لم يكن محطة عابرة، بل رمزاً لوحدة الأرض بالعقيدة، والتاريخ بالرسالة. وكأن الإسراء يقول إن القضايا الكبرى لا تسقط بالتقادم، وإن الارتباط بالمقدسات هو ارتباط بالهوية والوعي والواجب.
صلاة الأنبياء ووحدة الرسالة السماوية
ومن المشاهد العميقة في هذه الليلة، صلاة الأنبياء جميعاً خلف النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم، ويأتي ذلك في دلالة واضحة على وحدة الرسالة الإلهية، دون اختلاف الغاية.
هذا المشهد لا يحمل تكريمًا لشخص النبي فحسب، بل يؤكد أن رسالة السماء واحدة، وأن طريق الحق ممتد عبر التاريخ، وأن النبي خاتم المرسلين.
الوصول إلى سدرة المنتهى وفرض الصلاة
بلغت الرحلة ذروتها حين صعد النبي الكريم إلى سدرة المنتهى. المقام الذي لم يبلغه بشر قبله، وكانت هناك أعظم هدية وهي الصلاة، التي لم تفرض في الأرض إنما في السماء لتظل صلة دائمة بين العبد وربه.
مؤكدة بذلك مكانتها وخصوصيتها. فهي ليست تكليفاً أو عبئاً ثقيلاً، إنما هي نجاة. وكأن ترجمة الرسالة تقول حين تضيق الأرض، تظل السماء مفتوحة لمن يطرق بابها.
دروس مستفادة من ذكرى الإسراء والمعراج
في عالمنا المعاصر اليوم، والمثقل بالضغوط والتحديات، تظهر لنا الإسراء والمعراج لتقدم لنا دروساً كثيرة منها:
- أن الصلاة ليست حركات سريعة وكفى، إنما مصدر قوة يمنحها الخالق لعباده.
- من جانب آخر أيضاً أن لكل إنسان لحظاته الخاصة التي ينتقل فيها من ضيق الفهم إلى سعة الوعي، ومن الحيرة إلى الطمأنينة.
- أن الأزمات ليست نهاية الطريق، بل محطات عبور، وأن بعض الانكسارات تحمل خلفها نوراً خفياً لا يرى إلا بالصبر.
وفي كل عام، تعود هذه الليلة لتذكرنا أن الرحلة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الروح، وأن من عرف الله، لم يضع طريقه، مهما اشتدّ الليل.
هكذا تبقى الإسراء والمعراج درسًا خالدًا في أن العوض الإلهي يأتي بعد الألم، وأن الصلاة هي الجسر الممتد بين ضعف الإنسان ورحمة السماء، وأن من ضاق عليه العالم، فله في السماء متّسع لا يضيق أبداً.. كل هذا وبيني وبينكم.
