ملخص البحث
أصبح تطور استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل لافت، مرتبطا بمدى تغير وتطور الحياة بصفة عامة، حيث لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي محتكرا على مجال معين فقط، بل بات خلال السنوات الأخيرة، استخدام الذكاء الاصطناعي أمرا حتميا في مختلف المجالات -دون استثناء- لكن ما يجمع عليه المهتمون والباحثون في مجال “الذكاء الاصطناعي” هو أن هذا الاستخدام المتزايد، وتوظيف هذه التقنية، أصبح يشكل مخاوفا عديدة، ويطرح قضايا جوهرية من بينها القضايا الأخلاقية التي ترتبط بمسائل كثيرة مثل التطفل على الخصوصية والبيانات والمعلومات الشخصية، والتمييز بين الأفراد والجماعات، والأمن السيبراني، والبحث العلمي، واحتلال الآلة للإنسان ومحاولتها القضاء على دور العقل البشري.
لم تعد القضايا الأخلاقية في الذكاء الاصطناعي محل اهتمام الباحثين والمختصين الأكاديميين فقط، بل أصبحت محل اهتمام مختلف الأفراد والمنظمات والدول والمجتمعات بالنظر لتسارع وتزايد استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذه الورقة البحثية سنحاول تسليط الضوء على الإشكالية الأخلاقية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، وسبل تأسيس قواعد أخلاقية وتنظيمية لاستخدامات هذه التقنية.
Abstract:
The development of the use of artificial intelligence has become remarkable, linked to the extent of change and development of life in general, as the use of artificial intelligence is no longer monopolized in a specific field only, but rather, in recent years, the use of artificial intelligence has become inevitable in various fields – without exception – but what is unanimous Those interested, specialists, and researchers in the field of “artificial intelligence” is that this increased use, and the employment of this technology, has become many concerns, and raises fundamental issues related to humanity itself, including ethical issues that are related to many issues such as intrusion on privacy, personal data and information, and discrimination. between individuals, groups and societies, national and cyber security, scientific research, and the machine’s occupation of man and its attempt to eliminate the role of the human mind. In this paper, we will try to shed light on the ethical problem posed by artificial intelligence at the present time, and ways to establish ethical and regulatory rules for the uses of this technology.
1. مقدمة
للذكاء الاصطناعي آثار اجتماعية وثقافية كبيرة شأنه شأن كل التكنولوجيات والابتكارات التي أوجدها الإنسان، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي يثير قضايا حرية التعبير والخصوصية والمراقبة وملكية البيانات والتحيز والتمييز والتلاعب بالمعلومات والثقة وعلاقات القوة والتأثير البيئي فيما يتعلق باستهلاك الطاقة، علاوة على ذلك، يجلب الذكاء الاصطناعي على وجه التحديد، تحديات جديدة تتعلق بتفاعله مع القدرات الإدراكية البشرية، فالأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي لها آثار وقدرات على فهم البشر وخبراتهم، ويمكن أن تساعد خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية في نشر المعلومات المضللة ولها آثار على المعنى المتصور “للحقائق” و”الحقيقة”، بالإضافة إلى التفاعل والمشاركة السياسية، كما يمكن أن يدمج التعلم الآلي التحيز ويؤدي إلى تفاقمه، مما قد يؤدي إلى عدم المساواة والاستبعاد وتهديد التنوع الثقافي، ويبرز الحجم والقوة التي تولدها تقنية الذكاء الاصطناعي عدم التناسق بين الأفراد والجماعات والدول، بما في ذلك ما يسمى بـ “الفجوة الرقمية” داخل الدول وفيما بينها، وقد يتفاقم هذا الانقسام بسبب نقص الوصول إلى العناصر الأساسية مثل خوارزميات التعلم والتصنيف، وبيانات لتدريب وتقييم الخوارزميات، والموارد البشرية للترميز، وإعداد البرامج، وإعداد البيانات، وكذلك الموارد الحسابية لتخزين ومعالجة البيانات.
نتيجة لذلك، يتطلب الذكاء الاصطناعي تحليلاً دقيقاً يتعلق أساسا بأهم القضايا الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وبآثاره على الثقافة والتنوع الثقافي والتعليم والمعرفة العلمية والاتصالات والمعلومات، لا سيما الموضوعات الأخلاقية العالمية المتعلقة بالسلام والاستدامة والمساواة بين الجنسين والتحديات المستقبلية.
2. ما المقصود بالذكاء الاصطناعي علميا وعمليا؟
رغم تعدد وتنوع تعريفات ومفاهيم الذكاء الاصطناعي، إلا أن هناك إجماعا معينا، على المستوى العام، على التمييز بين جانبين: أحدهما يُسمى عادة “نظريا” أو “علميا” والآخر “عمليا” أو “تكنولوجيا”.
إن الحديث عن الذكاء الاصطناعي “النظري” أو “العلمي” يتعلق “باستخدام مفاهيم ونماذج الذكاء الاصطناعي للمساعدة في البحث عن المواضيع المتعلقة بالبشر والكائنات الحية الأخرى” (Boden, Margaret A, 2016)، وبالتالي، فإن الذكاء الاصطناعي “النظري” أو “العلمي” يرتبط بشكل طبيعي مع تخصصات مثل الفلسفة والمنطق واللسانيات وعلم النفس والعلوم المعرفية. فهو يتعامل مع أسئلة مثل: ما المقصود بـ “الذكاء”؟ وكيفية التمييز بين الذكاء “الطبيعي” والذكاء “الاصطناعي”؟ هل اللغة الرمزية ضرورية لعمليات التفكير؟ هل من الممكن إنشاء “ذكاء اصطناعي قوي” (ذكاء حقيقي من نفس النوع ومستوى عموم الذكاء البشري) مقابل “الذكاء الاصطناعي الضعيف” (ذكاء يحاكي الذكاء البشري فقط وقادر على أداء عدد محدود من المهام المحددة بدقة)؟.
على الرغم من أن مثل هذه الأسئلة نظرية أو علمية، إلا أنها تنطوي على عدد من الاهتمامات الميتافيزيقية أو الروحية (على سبيل المثال حول تفرد الإنسان أو حرية الإرادة) والتي بدورها لها آثار أخلاقية غير مباشرة، ولكنها مع ذلك خطيرة.
وإذا تحدثنا عن الذكاء الاصطناعي “البراغماتي” أو “التكنولوجي” فنجده موجه نحو الهندسة، ويعتمد على فروع مختلفة من الذكاء الاصطناعي – مثل الكتب المدرسية ومعالجة اللغة الطبيعية، وتمثيل المعرفة، والتفكير الآلي، والتعلم الآلي، والتعلم العميق، ورؤية الكمبيوتر والروبوتات من أجل إنشاء الآلات أو البرامج القادرة على أداء المهام بشكل مستقل والتي قد تتطلب ذكاء واستخداما بشريا. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي “البراغماتي” أو “التكنولوجي” ناجحا بشكل ملحوظ حيث تم دمجه مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتُستخدم ابتكارات الذكاء الاصطناعي اليوم في العديد من مجالات الحياة الحديثة، مثل النقل والطب والاتصالات والتعليم والعلوم والمالية والقانون والجيش والتسويق وخدمات العملاء أو الترفيه. كما تثير هذه الابتكارات مخاوف أخلاقية مباشرة، تتراوح بين اختفاء الوظائف التقليدية وحول المسؤولية عن الضرر الجسدي أو النفسي المحتمل للبشر، وكذا نزع الصفة الإنسانية بشكل عام عن العلاقات الإنسانية والمجتمع ككل (Stuart Russell, Peter Norvig, 2016).
في الوقت الحالي، لا يمكن اعتبار أي نظام ذكاء اصطناعي عاملاً مساعدا دائما للأغراض العامة، رغم الأداء الجيد في مجموعة متنوعة من البيئات، والقدرة على محاكاة الذكاء البشري. وتتعلق إحدى خصائص الذكاء الاصطناعي “بعدم معرفته” لنا نحن البشر بمعنى أن الطريقة التي يعمل بها ذكاؤه تبدو غريبة وغامضة بالنسبة لنا كبشر، جوهر هذا “عدم الإلمام” هو ما يمكن أن نطلق عليه “الأداء بدون وعي”، ويمكن للذكاء الاصطناعي عالي الأداء أن يعمل بشكل مثير للإعجاب دون إدراك ما يفعله.
هناك حقيقة أكثر أهمية من الناحية الأخلاقية وهي أننا نحن البشر لسنا معتادين على هذا النوع من الذكاء، عندما نواجه أعمالاً رائعة من الفن والأدب والعلوم، فإننا بطبيعة الحال نفكر في الذكاء “الواعي” وراءها. فمثلا نحن ندرك الطابع الفريد لبيتهوفن وراء سمفونيته التاسعة، وعقل البحث الغامر وراء نظرية عدم “الاكتمال” “لصاحبها غودل”، الحقيقة البسيطة المتمثلة في أنه لا ينبغي لنا تطبيق هذه القاعدة الأساسية المألوفة فيما يتعلق بالأداء الرائع عندما نتفاعل مع الذكاء الاصطناعي عالي الأداء والتي تشكل تحديات اجتماعية وأخلاقية خطيرة، نظرا لأننا معتادون على التفاعل عاطفياً واجتماعياً مع الأشخاص الأذكياء من الناحية السلوكية، فإننا نتفاعل بشكل طبيعي عاطفياً واجتماعياً مع “ذكاء اصطناعي عالي الأداء بدون وعي”، مثل ما يسمى بـ “العاطفة” أو “الروبوتات الاجتماعية” – على سبيل المثال “مساعد المنزل الذكي” (أليكسا، سيري، مساعد جوجل)، في المستوى الحالي للتطور التكنولوجي، لا يمكن للذكاء الاصطناعي عالي الأداء بدون وعي أن يرد بالمثل بشكل صحيح التوقعات العاطفية والاجتماعية المعقدة للعوامل البشرية، في حين أن سلوكه الخارجي المقترن بالخيال البشري يمكن أن يولد أملاً “غير واقعي” في تفاعل حقيقي مع البشر، من المهم بالنسبة لنا أن نتذكر أن العقل الذي يبدو “عاطفياً” للذكاء الاصطناعي هو أكثر بكثير من خيالنا وليس من الواقع.
هناك اتفاق عام على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ليس لديها وعي بالمعنى البشري التجريبي، حتى لو كانت تستطيع الإجابة عن أسئلة حول سياق أفعالها، ومن المهم عدم مساواة الخبرة بالذكاء، على الرغم من أن بعض الخبراء اقترحوا أن التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي قد تكون أيضًا سببًا لإعادة فحص أهمية هذه التجربة أو الوعي لكونك إنسانًا، إذا كانت التجربة هي جوهر الإنسان، فيجب أن تضمن الاعتبارات الأخلاقية حماية ذلك وتعزيزه من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي بدلاً من الانحراف أو عدم التمكين، ومع ذلك، قد تكون تجربتنا مع الذكاء الاصطناعي عالي الأداء دون وعي لا يزال بإمكانها التأثير على تفاعلاتنا مع البشر العاديين بوعي.
3.كيف يعمل الذكاء الاصطناعي وبماذا يختلف عن غيره من التقنيات الأخرى؟
لتكون قادرة على أداء مهام العقل البشري، يجب أن تكون آلة الذكاء الاصطناعي قادرة على الاستشعار بالبيئة وجمع البيانات ديناميكيا، ومعالجتها على الفور والاستجابة لها – بناء على “تجربتها” السابقة، ومبادئها المحددة مسبقًا لصنع القرار وتوقعها بشأن المستقبل، ومع ذلك، فإن التكنولوجيا الكامنة وراء الذكاء الاصطناعي هي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات القياسية العالية، فهي تعتمد على الجمع والحصول على البيانات وتخزينها ومعالجتها وإيصالها ونقلها، تأتي الميزات الفريدة للآلات المعرفية من البيانات والمعلومات التي تتحول إلى صفات فيما بعد، وتعتمد تقنية الذكاء الاصطناعي على المكونات التالية:
أ- البيانات الديناميكية: يحتاج النظام إلى التعرض والتعرف على البيئات المتغيرة جمع البيانات ذات الصلة التي تم الحصول عليها من قبل أجهزة الاستشعار المختلفة، لتصنيفها وتخزينها، وليكون قادرًا على معالجتها على الفور.
ب- المعالجة السريعة: يجب أن تتفاعل الآلات المعرفية على الفور مع المعلومات والبيانات، لذلك يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى موارد حوسبة واتصالات موثوقة وسريعة وقوية وعالية الأداء.
ج- مبادئ اتخاذ القرار: يعتمد صنع القرار بالذكاء الاصطناعي على خوارزميات التعلم الآلي الذاتي، وتعتمد استجابتها لمهمة معينة على “تجربتها”، أي على البيانات التي تعرضت لها، كما تستند الخوارزميات المتعلقة بالقرارات التي تتخذها الآلات المعرفية إلى بعض المبادئ العامة التي تتبعها الخوارزمية وتحاول تحسينها بالنظر إلى البيانات التي يتم توفيرها لها.
تتيح القدرة الحالية على الدمج الفعال لاكتساب البيانات الديناميكي وخوارزميات التعلم الآلي لاتخاذ قرارات سريعة، وهو ما يسمى بإنتاج “آلات معرفية”.
تعتمد معظم تقنيات القرن العشرين على نماذج محركة “model-driven”، أي أن العلماء يدرسون الطبيعة ويقترحون نموذجًا علميًا لوصفها، وتتقدم التكنولوجيا بناء على هذه النماذج، على سبيل المثال، فهم انتشار الموجات الكهرومغناطيسية هو أساس تكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية، ومع ذلك، فإن نمذجة الدماغ البشري مهمة لا تزال بعيدة كل البعد عن كونها في مرحلة يمكن أن تكون فيها الآلة المعرفية قائمة على النموذج المحرك، لذلك تم بناء الذكاء الاصطناعي على نهج مختلف، نهج يعتمد على البيانات.
النهج القائم على البيانات هو في صميم التعلم الآلي، الذي يقوم عادة على “الشبكات العصبية الاصطناعية” (ANNs). تتكون الشبكات العصبية الاصطناعية من سلسلة من العقد تشبه من الناحية المفاهيمية الخلايا العصبية في الدماغ المترابطة من خلال سلسلة من الطبقات، تتلقى طبقة الإدخال معلومات من البيئة، حيث يتم تطبيق تحويل غير خطي في كل عقدة، مثل هذه الأنظمة “تتعلم” أداء المهام من خلال النظر في الأمثلة (البيانات المصنفة)، بشكل عام دون أن تتم برمجتها باستخدام أي قواعد أو نماذج خاصة بالمهمة. في الختام، يعتمد التعلم العميق على شبكات ANN على عدة طبقات، والتي تمكن الجهاز من التعرف على المفاهيم المعقدة مثل الوجوه البشرية والأجسام البشرية وفهم الكلام وجميع أنواع تصنيف الصور.
إن الفكرة الرئيسية في قدرة الذكاء الاصطناعي على إظهار قدرات شبيهة بالإنسان هي قابليته للتوسع، ويعتمد أداء أجهزة الذكاء الاصطناعي على البيانات التي تتعرض لها، وللحصول على أفضل أداء، يجب أن يكون الوصول إلى البيانات ذات الصلة بلا حدود، قد تكون هناك قيود فنية على الوصول إلى البيانات، ولكن الطريقة التي يتم بها اختيار البيانات وتصنيفها هي أيضًا قضية اجتماعية وثقافية، أي التصنيف الخاص بالثقافة ومنتج (Kate Crawford, 2017).

وقد يخلق تحيزًا في القرارات التي تتخذها الخوارزمية، إذا تعرض الجهاز نفسه لمجموعات متنوعة من البيانات، فيمكن تقليل تحيزه ولكن لا يتم قمعه بالكامل، ومن المهم الإشارة إلى أنه من أجل الامتثال لما هو مطلوب في المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – التي تنص على أن لكل إنسان الحق في الاستفادة من التقدم العلمي – ولضمان التنوع في مجموعات البيانات المتاحة للذكاء الاصطناعي، من المهم تعزيز بناء قدرات الدول، سواء من حيث المهارات البشرية أو البنية التحتية (Executive Office of the President, 2016).
لقد نضجت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في ظل دافع الشركات المتعددة الجنسيات التي لا تقتصر على القيود المحلية والوطنية، علاوة على ذلك، لضمان المعالجة السريعة وموثوقية الأنظمة، يتم توزيع الموقع الفعلي لعمليات الحوسبة ولا يتم تحديد موقع آلة الذكاء الاصطناعي من خلال المكان الذي تعمل فيه، من الناحية العملية، يعتمد الذكاء الاصطناعي على التكنولوجيا السحابية، حيث يمكن أن يكون موقع وحدات التخزين والمعالجة في أي مكان.
تتميز تقنية الذكاء الاصطناعي بما يلي:
- أ– العديد من تطبيقاتها موجودة في المجال العام، يتم تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وقيادتها من قبل شركات متعددة الجنسيات، يعمل معظمها في القطاع الخاص وأقل التزامًا بالصالح العام.
- ب– لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على مكان ملموس، وهذا يمثل تحديًا فيما يتعلق بكيفية تنظيم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الصعيدين الوطني والدولي.
- ج– تعتمد التكنولوجيا على إمكانية الوصول إلى البيانات الشخصية والعامة.
- د– تقنيات الذكاء الاصطناعي ليست محايدة، ولكنها منحازة بطبيعتها بسبب البيانات التي يتم تدريبها عليها، والخيارات التي يتم اتخاذها أثناء التدريب باستخدام البيانات.
- هـ– لا يمكن أن تكون قرارات الذكاء الاصطناعي والآلة المعرفية قابلة للتنبؤ أو التفسير بشكل كامل.
- و– بدلاً من العمل ميكانيكياً أو حتميًا، يتعلم برنامج الذكاء الاصطناعي من البيانات الديناميكية أثناء تطويره ودمج تجربة العالم الحقيقي في عملية صنع القرار.
4.الإشكالية الأخلاقية للذكاء الاصطناعي من خلال الآثار السلبية التي يخلفها على الإنسانية
اتفق العديد من الباحثين والمهتمين بمجال الذكاء الاصطناعي أن تطور هذا الأخير بشكل متسارع وكبير خلال السنوات الأخيرة، يمكن أن يتسبب في مجموعة من المخاطر المتعلق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وهذا ما يبرر طرح الإشكالية الأخلاقية المتعلق بالذكاء الاصطناعي وما يخلفه من آثار سلبية على الإنسانية، ومن بين هذه المخاطر نذكر:
أ- انعدام الشفافية:
تم بناء العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي باستخدام ما يسمى بالشبكات العصبية التي تعمل كمحرك، هذه أنظمة عقد مترابطة ومعقدة، ومع ذلك، فإن هذه الأنظمة أقل قدرة على الإشارة إلى “دوافعهم” لاتخاذ القرارات، ترى فقط المدخلات والمخرجات، ورغم أن النظام يكون معقدا للغاية، إلا أنه حين يتعلق الأمر بقرارات عسكرية أو طبية، أو أمن قومي، فمن المهم أن تكون قادرًا على تتبع البيانات المحددة التي أدت إلى قرارات معينة، ما هو الفكر أو المنطق الكامن وراء الناتج؟ ما هي البيانات التي تم استخدامها لتدريب النموذج؟ كيف “يفكر” النموذج؟
ب- الخوارزميات المنحازة:
عندما نقوم بتغذية مجموعات بيانات الخوارزميات التي تحتوي على بيانات متحيزة، فإن النظام سيؤكد منطقيًا تحيزاتنا، ويوجد حاليًا العديد من الأمثلة على الأنظمة التي تضر بالأقليات العرقية بدرجة أكبر مما هو الحال -مثلا- مع الأشخاص البيض، بعد كل شيء، عندما يتم تغذية النظام ببيانات تمييزية، فإنه ينتج هذا النوع من البيانات، ونظرًا لأن الإخراج من جهاز كمبيوتر، فإن الإجابة ستفترض أنها صحيحة. (يعتمد هذا على ما يسمى تحيز الأتمتة، وهو ميل الإنسان لأخذ الاقتراحات من “أنظمة صنع القرار الآلي” بجدية أكبر وتجاهل البيانات المتناقضة التي أنشأها الأشخاص، حتى لو كانت صحيحة)، وعندما يتم تغذية الأنظمة التمييزية ببيانات تمييزية جديدة (لأن هذا ما يقوله الكمبيوتر) فإنها تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها، ونذكر أن التحيزات غالبًا ما تكون نقطة عمياء.
ج- المسؤولية عن الأفعال:
لا يزال هناك قدر كبير من الغموض حول الجوانب القانونية للأنظمة التي تزداد ذكاءً، وما هو الموقف من حيث المسؤولية عندما يرتكب نظام الذكاء الاصطناعي خطأ؟ هل نحكم على هذا كما نحكم على الإنسان؟ من المسؤول على سيناريو تصبح فيه الأنظمة ذاتية التعلم ومستقلة إلى حد كبير؟ هل يمكن أن تظل الشركة أو الهيئة مسؤولة عن خوارزمية تعلمت بنفسها ثم تحدد مسارها الخاص، والتي، بناءً على كميات هائلة من البيانات، استخلصت استنتاجاتها الخاصة من أجل الوصول إلى قرارات محددة؟ هل نقبل بهامش خطأ في آلات الذكاء الاصطناعي، حتى لو كان لهذا في بعض الأحيان عواقب وخيمة؟
د- صلاحيات واسعة جدا لأنظمة الذكاء الاصطناعي:
كلما زاد استخدامنا للأنظمة الذكية، كلما واجهنا مشكلة النطاق، فما هو مدى التفويض والصلاحيات التي نمنحها لمساعدينا الافتراضيين الأذكياء؟ ما هي وما لا يجوز لهم أن يقرروا لنا؟ هل نوسع استقلالية الأنظمة الذكية أكثر من أي وقت مضى أم يجب أن نبقى متحكمين في هذا بأي ثمن، مثل ما يفضله الاتحاد الأوروبي؟ ماذا نفعل ولا نسمح للأنظمة الذكية بتحديدها وتنفيذها دون تدخل بشري؟ وهل يجب تثبيت وظيفة المعاينة في أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل قياسي؟ يكمن الخطر في أننا ننقل قدرًا كبيرًا من الاستقلالية، دون تطوير التكنولوجيا والشروط المسبقة بالكامل، ودون أن نبقى على دراية بمرور الوقت حيث قمنا بالاستعانة بمصادر خارجية للمهام ذات الصلة ولأي سبب، في الواقع، هناك خطر يتمثل في أن ينتهي بنا المطاف بشكل متزايد في عالم لم نعد نفهمه، يجب ألا نغفل عن تعاطفنا وتضامننا مع الآخرين لأن هناك خطرًا حقيقيًا حين نترك قرارات صعبة (مثل الفصل من العمل) للآلات “الذكية” بسهولة بالغة لأننا نعتبر أن هذا صعب للغاية لأنفسنا.
هـ- انحسار الخصوصية وتآكلها:
يتم إنشاء (2.5 كوينتيليون بايت) من البيانات كل يوم (أي 2.5 مليون تيرابايت، حيث 1 تيرابايت يساوي 1000 جيجابايت)، من بين جميع البيانات الرقمية في العالم، تم إنشاء 90 في المائة في العامين الماضيين، تتطلب الشركة أو الهيئة المسؤولة عن “برنامج ذكاء اصطناعي” كميات كبيرة من البيانات النقية للسماح بالتشغيل السليم لأنظمتها الذكية، بصرف النظر عن الخوارزميات عالية الجودة، تكمن قوة نظام الذكاء الاصطناعي أيضًا في وجود مجموعات بيانات عالية الجودة تحت تصرف الفرد، تتحول الشركات التي تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد إلى Greedy Gus عندما يتعلق الأمر ببياناتنا، الخطر على سبيل المثال، هو أن تقوم الشركات بإنشاء ملف تعريف أكثر وضوحًا من أي وقت مضى لنا بدقة أكبر من أي وقت مضى، وأن هذه الموارد تستخدم أيضًا لأغراض سياسية، والنتيجة هي أن خصوصيتنا تتآكل، ومع ذلك، عندما نحمي خصوصيتنا الشخصية لاحقًا، ستستخدم الشركات المذكورة ببساطة مجموعات مستهدفة مماثلة للأشخاص الذين يشبهوننا كثيرًا، ويتم إعادة بيع بياناتنا بشكل جماعي، مع فقدان الوعي المتزايد لمن يستلمها أو لأي أغراض يتم استخدامها، البيانات هي زيت التشحيم لأنظمة الذكاء الاصطناعي وخصوصيتنا معرضة للخطر في أي حال.
و- النفوذ الكبير الذي تمارسه الشركات والمؤسسات الكبرى:
ترتبط المشكلة المذكورة بقوة شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل Facebook و Microsoft و Google و Apple و Alibaba و Tencent و Baidu و Amazon، تتمتع شركات التكنولوجيا الثماني هذه بالقدرة المالية والبيانات الضخمة والقدرة الفكرية على رفع جودة الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، لذلك فإن هناك خطر يتمثل في أن التكنولوجيا القوية للغاية ينتهي بها الأمر في أيدي مجموعة صغيرة نسبيًا من الشركات التجارية (!)، وكلما كانت التكنولوجيا أفضل، كلما زاد عدد الأشخاص الذين سيبدأون في استخدامها، وتصبح التكنولوجيا أكثر فاعلية، وما إلى ذلك، وهذا ما يتيح للشركات الكبرى ميزة أكبر أكثر من أي وقت مضى، وتنطبق هذه القاعدة على فكرة الفائز يأخذ كل شيء في عصر الانترنت أيضًا على البيانات (احتكارات البيانات) والخوارزميات.
أيضًا، أصبح نقل الخوارزميات فيما يسمى “نقل التعلم” أكثر فاعلية، وفي هذه الحالة ستكون هناك حاجة إلى بيانات أقل بشكل متزايد للحصول على نتيجة جيدة، مثلا نظام من “Google”، كان يقدم ترجمات عالية الجودة من الإنجليزية إلى الإسبانية والبرتغالية لفترة من الزمن بمساعدة تقنيات تعلم النقل الجديدة، أصبح هذا النظام قادرًا الآن على الترجمة من الإسبانية إلى البرتغالية والعكس بالعكس مع مدخلات محدودة للغاية، تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى البيانات ونماذج التعلم المنقولة هذه، وتُظهر التجربة أن الهدف التجاري المذكور سابقًا سيهيمن دائمًا، ويبقى أن نرى كيف ستستخدم هذه الشركات التكنولوجيا في المستقبل.
ز- الذكاء الاصطناعي الخارق الذي أصبحت تتمتع به الكثير من البرامج والتطبيقات:
ويبدو هنا أن النقاش حول عيوب الذكاء الاصطناعي يهيمن عليه في كثير من الأحيان النقاش حول الذكاء الخارق، ويشير الأخير إلى الأنظمة التي تتمتع بذكاء يفوق بكثير الذكاء البشري في العديد من النواحي، ونتيجة لذلك، فإن تلك الأنظمة قادرة على اكتساب جميع أنواع المهارات والخبرات دون تدخل بشري، ويمكنها التدرب الذاتي على المواقف غير المعروفة، وقادرة على فهم السياق، وبالتالي يجب أخذ هذا السيناريو على محمل الجد ويجب أن التركيز في المقام الأول على نقل أخلاق الإنسان إلى أنظمة ذكية، بعبارة أخرى، لا ينبغي تعليم هذه الأنظمة القواعد الموضوعية بحذافيرها، ولكن شيئًا من الاعتبارات الإنسانية، وهذا مهم جدا، سيكون من الأفضل توفير “ضمير للآلة”، وإلا فإنها ستصبح معادية للمجتمع وللإنسان، فمن الممكن جدا تدريب الآلة على الوعي.
ح- التأثير على سوق العمل وتهديد العديد من الوظائف والمهن:
سيشكل الذكاء الاصطناعي ضغطًا على سوق العمل في السنوات المقبلة، وستضمن الزيادة السريعة في جودة الذكاء الاصطناعي مهارة أكثر للأنظمة الذكية وفي مهام محددة، ستتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي الذكية التعرف على الأنماط في كميات هائلة من البيانات، وتوفير رؤى محددة وأداء مهام معرفية، يجب على المختصين مراقبة تطور الذكاء الاصطناعي عن كثب لأن الأنظمة أصبحت قادرة بشكل متزايد على النظر والاستماع والتحدث والتحليل والقراءة وإنشاء المحتوى في أي مجال.
ط- أسلحة مستقلة متطورة تعمل بالذكاء الاصطناعي:
مبلغ رمزي بسيط قد يشتري لك طائرة بدون طيار مزودة بكاميرا عالية الجودة، ويمكن لأي شخص بعد ذلك تثبيت برنامج عليها، وستتمكن الطائرة بدون طيار من الطيران بشكل مستقل، يتوفر فيها برنامج التعرف على الوجه بالذكاء الاصطناعي وتتبع شخص معين، وماذا لو بدأ النظام نفسه في اتخاذ قرارات بشأن الحياة والموت، كما هو الحال الآن في مناطق الحروب؟ هل يجب أن تُترك هذا للخوارزميات وهذه الأنظمة؟ إنها مسألة وقت فقط قبل أن تتوفر أول طائرة بدون طيار ذاتية التحكم مع التعرف على الوجه بالإضافة إلى بندقية مطبوعة ثلاثية الأبعاد أو مسدس أو أي سلاح آخر يمكن استخدامه عن طريق تقنية الذكاء الاصطناعي ودون تدخل الإنسان.
ي- في عصر الذكاء الاصطناعي يصبح كل شيء غير موثوق به:
ومثال ذلك، أخبار مزيفة، حيث أصبحت الأنظمة الذكية قادرة بشكل متزايد على إنشاء المحتوى، كما يمكنها إنشاء وجوه، وكتابة نصوص، وإنتاج تغريدات، والتلاعب بالصور، واستنساخ الأصوات، والمشاركة في الإعلانات الذكية، كما يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحويل الشتاء إلى صيف ومن النهار إلى الليل، إنها قادرة على استحداث وجوه واقعية للغاية لأشخاص لم يوجدوا من قبل.
فمثلا، نجد برنامج مفتوح المصدر “Deepfake” قادر على لصق صور الوجوه على لقطات فيديو متحركة، هذا يجعل الأمر يبدو على الفيديو كما لو كنت تفعل شيئًا ما (وهذا غير صحيح ولم يحدث بالفعل)، يتأثر المشاهير بالفعل بهذا لأن أولئك الذين لديهم نوايا خبيثة يمكنهم بسهولة إنشاء مقاطع فيديو إباحية -مثلا- يقوم ببطولتها هؤلاء المشاهير، بمجرد أن تصبح هذه التكنولوجيا أكثر سهولة في الاستخدام إلى حد ما، ستكون لعبة ابتزاز، أو لعب في متناول الأطفال، حيث يمكنك التقاط صورة لأي شخص وتحويلها إلى مواد إباحية فاسدة، إلى جانب أنظمة التحايل على البيانات الشخصية والأموال والحسابات التي تعمل بأنظمة الذكاء الاصطناعي.
كما تنطوي أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تنشئ محتوى مزيفًا أيضًا على مخاطر التلاعب والتكييف من قبل الشركات والحكومات والهيئات، في هذا السياق، يمكن إنتاج المحتوى بسرعة وعلى نطاق يتأثر بالآراء ويتم إرسال الأخبار المزيفة إلى العالم بقوة مطلقة – تستهدف على وجه التحديد الأشخاص المعرضين لها، التلاعب والتأطير والتحكم والتأثير، الدعاية الحاسوبية، حيث أصبحت هذه الممارسات حقيقة الآن، كما رأينا في القضية المتعلقة بـ Cambridge Analytica، الشركة التي تمكنت من الوصول إلى البيانات الشخصية التي تضم أكثر من 87 مليون ملف تعريف على Facebook للأمريكيين، وذلك لاستخدام هذه البيانات في حملة فاسدة (لنشر الخوف) وحصول الرئيس الأسبق “ترامب” على السلطة.
ك- كخوارزميات القرصنة والتجسس:
أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً من أي وقت مضى، وسرعان ما ستتمكن من توزيع البرامج الضارة وبرامج الفدية والابتزاز بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع، بالإضافة إلى ذلك، فقد أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قوية وبارعة بشكل متزايد في اختراق الأنظمة وكسر التشفير والأمان، كما حدث مؤخرًا مع مفتاح Captcha، سيتعين علينا إلقاء نظرة نقدية على أساليب التشفير الحالية لدينا، خاصةً عندما تبدأ قوة الذكاء الاصطناعي في الزيادة أكثر، تتطور برامج الفدية والابتزاز كخدمة باستمرار نتيجة للذكاء الاصطناعي، كما أصبحت فيروسات الكمبيوتر الأخرى أيضًا ذكية بشكل متزايد عن طريق التجربة والخطأ.
ل- فقدان المهارات والإبداع:
يتم فقدان المزيد من المهارات البشرية بسبب استخدام أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، في بعض الأحيان تجعل البرامج الذكية حياتنا أسهل وتؤدي إلى تقليل عدد المهام المملة التي يتعين علينا القيام بها – تشمل الأمثلة التنقل والكتابة باليد والحساب العقلي وتذكر أرقام الهواتف والقدرة على التنبؤ بالمطر من خلال النظر إلى السماء وما إلى ذلك، في نفس الوقت نحن نفقد المهارات في الحياة اليومية ونتركها للتكنولوجيا، هل كان هذا يحدث منذ قرون؟ الآن لا يكاد أحد يعرف كيف يشعل النار باليد، على سبيل المثال.
5. البعد الأخلاقي في استخدام الذكاء الاصطناعي
الإشكاليات الأخلاقية التي يطرحها الذكاء الاصطناعي هي واحدة من أكبر التحديات والمواضيع التي تعرف نقاشا كبيرا وجدلا واسعا في القرن الحادي والعشرين، فرغم ما يُقال عن الفوائد العديدة المحتملة للذكاء الاصطناعي التي تتمثل غالبًا في التحسينات التشغيلية لكثير من الأنظمة المعلوماتية وتوظيف واستخدام البيانات والمعلومات، والحد من الخطأ البشري (Bernd Carsten Stahl; Doris Schroede; Rowena Rodrigues, 2023) -على سبيل المثال- في مجالات عديدة من بينها (المجال الطبي والتشخيص)، واستخدام الروبوتات في المواقف الصعبة والحرجة التي يصعب فيها تدخل الإنسان – مثل حالات الكوارث الطبيعية- وحالات التأمين عن الحياة في كثير من البرامج الأمنية والعسكرية والقومية، واختزال الوقت والجهد في كثير من الأبحاث والأعمال، إلا أن الذكاء الاصطناعي يثير العديد من المخاوف الأخلاقية في ظل الاعتماد الكبير والمتزايد لبرامجه وتطبيقاته لا سيما خلال السنوات الأخيرة.
ويعتمد الذكاء الاصطناعي على التقنيات التي لديها القدرة على تعزيز الإنتاجية بشكل كبير وتسهيل عمليات اتخاذ القرار لصانعي القرار، كما بات الذكاء الاصطناعي يؤثر على كل جوانب حياتنا تقريبًا، ومع ذلك، عندما يتم قبول هذه الإمكانية للذكاء الاصطناعي، فإن العواقب التقنية والأخلاقية أيضًا لا يمكن التملص منها، فغالبا ما تجلب التكنولوجيا الفوائد والمخاطر في آن واحد، وللذكاء الاصطناعي نفس الفوائد والمخاطر.
وتمثل أخلاقيات الآلة جانبًا مبتكرًا وهامًا من جوانب الذكاء الاصطناعي، لأن محاولة إنشاء آلة تلتزم بالمعايير المحددة في إطار أخلاقي مثالي هو الهدف النهائي لأخلاقيات الآلة في حد ذاتها، وهذه الخطوة أو المفهوم الجزئي هو بمثابة دليل للجهد الذي ينبغي أن يبذل في تكريس مبدأ أخلقة الذكاء الاصطناعي خصوصا بعد أن تسبب انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي تم استخدامها في العديد من المجالات، في معضلات أخلاقية ومخاوف عديدة، أفرزت حتمية لا بد منها، فقد بدأت الكثير من الدراسات في إبقاء سلوك الآلات الذكية تحت السيطرة ووضعها في إطار معين.
بات للروبوتات والبرامج الذكية تأثير متزايد على حياتنا اليومية وعلى الآلات التي نبتكرها، والتي يمكن أن تتخذ قرارات يمكن أن تكون لها تأثيرات عميقة على حياتنا، وبعض هذه القرارات لها بعد أخلاقي، لذلك، نحن بحاجة إلى إعادة النظر فيما إذا كنا نريد من هذه الآلات اتخاذ مثل هذه القرارات، وإذا كان الأمر كذلك، كيف نمنح الآلات “حسًا أخلاقيا” أو “القدرة على اتخاذ القرار الذي لا يتنافى مع الجانب الأخلاقي”.

يُقال أننا: نخاف من التخلف عن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ننتجها باستخدامنا الذكاء الطبيعي الخاص، وهذا هو جوهر السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، فعلى الرغم من أن العلماء والباحثين والمخترعين هم من ينتجون أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن هل هذه الأنظمة طبيعية مثل الدماغ البشري الموجود بيولوجيا؟
إن التركيز على الدراسات المنجزة في مجال الذكاء الاصطناعي هو جلب أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعمل من خلالها البرمجة وتطويرها إلى مستوى يحاكي الدماغ البشري، ومن المعروف أن الدماغ البشري يمتلك أعقد بنية معروفة في الكون، تتكون من مليارات الخلايا العصبية، والسمة الأكثر لفتًا للانتباه في الدماغ هي القدرة على تقديم حلول إبداعية بناءً على تمييز كل فرد عن غيره، بناءً على الخبرات المكتسبة، والمعارف القبلية، والتركيبة الجينية، والتنشئة، وعوامل عديدة تتعلق بحياة كل فرد يمتلك ميزة غير قابلة للبرمجة، وغير قابلة للتقليد.
فمقارنة العقل الآلي والذكاء الاصطناعي، بالدماغ البشري والذكاء الطبيعي هي عملية معقدة جدا، فالدماغ البشري -مثلا- قادر على إنتاج صور إبداعية وسريعة وحلول جديدة لمشاكل عديدة، وردود أفعال لا يمكن توقعها، بينما الذكاء الاصطناعي، أو العقل الآلي، يقدم حلولا أفكارا تم تدرسها وتدريبها مسبقا، وأن ما ينتجه الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون محدودا جدا، لكن بالمقابل، فإن التطور السريع والرهيب لأنظمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لا يمكن أتوقع حدوده ومستوياته.
وأمام مواكبة التغيرات التكنولوجية وإمكانية تطوير البرمجة من خلال التعلم الذاتي للعقل الآلي والأنظمة، فإن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يقود الإنسان مستقبلا بالنظر للنتائج التي أصبحت تقدمها التقنيات المستحدثة والمتطور في مجال الذكاء الاصطناعي، وهنا تبرز المخاوف من سيطرة الأنظمة الذكية على البشرية مع مرور الوقت.
هذه المخاوف تدفع نحو تأسيس قواعد أخلاقية يجب تطبيقها على العقل الآلي، حيث ظهرت عدة محاولات غربية، وحتى عربية تحت مسمى مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وربطها باستخدام الروبوتات تحت اسم أخلاقيات الآلة، والهدف من ذلك هو محاولة استحداث وابتكار آلات وروبوتات تلتزم بأخلاقيات معينة، كما تجدر الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي الأخلاق المهنية التي تتعلق أساسا بالإنسان الذي يستخدم الآلة ويستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي.
6. التنظيم القانوني لاستخدام الذكاء الاصطناعي
في العديد من البلدان حول العالم، يُطرح الإشكال حول الحاجة إلى التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي، كما أن هناك أيضًا تعاون علمي ودولي في مجال التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي، حيث عُقد أول مؤتمر دولي حول التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي في عام 1987، وفي عام 1991 تم إنشاء الرابطة الدولية للذكاء الاصطناعي (Olena Yara, Anatoliy Brazheyev, 2021).
والآن، تجري الأمم المتحدة سلسلة من المشاورات مع الخبراء لتطوير مبادئ توجيهية أخلاقية للذكاء الاصطناعي، حيث قدم معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات وثيقة التصميم المتوافق أخلاقيًا، والتي تحتوي على معايير لتطوير وإنتاج الروبوتات والذكاء الاصطناعي (IEEE, 2016).
كما أن الاتحاد الأوروبي هو أحد المبادرين في مجال الدعم القانوني لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ففي 16 فيفري 2017، اعتمد البرلمان الأوروبي القرار 2133/2015 (INL) بشأن قواعد القانون المدني بشأن الروبوتات مع توصيات للمفوضية الأوروبية، على الرغم من أن القرار ليس قانونًا ملزمًا، إلا أنه يحتوي على إرشادات سيتبعها المشرع في المستقبل عند تطوير ووضع معايير إلزامية، وتم استخدام عبارة “الروبوتات والذكاء الاصطناعي” في نص القرار، وهذا يعني أن محرري هذه الوثيقة ليسوا مستعدين لفصل هذه المصطلحات في هذه المرحلة، كما يُقترح تعزيز الأساس القانوني لاستخدام الذكاء الاصطناعي وإدخال نظام لعموم أوروبا لتسجيل الآلات “الذكية”، وفقًا للقرار، كما يجب تعيين رقم تسجيل فردي لفئات معينة من الروبوتات، والتي سيتم إدخالها في سجل خاص، حيث يمكن العثور على معلومات مفصلة حول الروبوت بما في ذلك معلومات حول الشركة المصنعة والمالك وشروط التعويض في حالة من الضرر، يُقترح إدخال نظام تأمين إلزامي لمثل هذه التقنيات، والذي بموجبه سيُطلب من مصنعي ومالكي هذه التقنيات التأمين ضد الأضرار المحتملة من استخدامها، وتم إيلاء اهتمام خاص في القرار لمسألة حماية البيانات الشخصية.
معظم الدول غير مستعدة للاعتراف قانونًا ببرنامج الكمبيوتر كمؤلف للعمل الفني ووضع الذكاء الاصطناعي على قدم المساواة مع الذكاء البشري، على سبيل المثال، في عام 2012، قضت محكمة فيدرالية في أستراليا بأن العمل الذي تم إنشاؤه بواسطة الكمبيوتر لا يمكن حمايته بموجب حقوق الطبع والنشر لأنه لم يتم إنشاؤه بواسطة الإنسان.
لا يُعتبر الذكاء الاصطناعي أيضًا مؤلفًا في الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث ذكرت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أن حقوق الطبع والنشر تنطبق فقط على الأعمال التي يجب أن تعكس أصالة العمل الفكري الخاص بالمؤلف.
ومع ذلك، في اليابان، أثبت المشرعون أنهم أكثر تقدمية مرة أخرى، في عام 2016 في اجتماع لجنة الدولة اليابانية للقانون الفكري، تقرر البدء في تطوير اللوائح المتعلقة بحماية حقوق الطبع والنشر لمنتجات النشاط الإبداعي التي أنشأتها منظمة العفو الدولية، ووفقًا للمسؤولين التنفيذيين بالوكالة، يجب أن تكون هذه الخطوة بمثابة دعم للشركات التي تعمل على إنشاء وتنفيذ الابتكارات، وقد يتغير الوضع مع الوقت، وكمثال على ذلك يناقش المجتمع الدولي بالفعل شركة “Jukedeck” البريطانية الناشئة، التي طورت ذكاءً اصطناعيًا قادرًا على كتابة الموسيقى، وتوقع أنه في غضون 10 إلى 15 سنة قادمة، سينتهي تأليف ما يقرب من نصف الموسيقى الشعبية إلى الذكاء الاصطناعي (Kulynych, V, 2020).
ووفقًا للمادة 9 (3) من قانون حق المؤلف في بريطانيا، يُعتبر مؤلف العمل الأدبي أو الدرامي أو الموسيقي أو الفني الذي تم إنشاؤه بالحاسوب “الشخص الذي اتخذ الاستعدادات اللازمة لإنشاء المصنف”، وبالتالي فإن المادة 9 (3) من قانون حق المؤلف في بريطانيا تحمي الأعمال التي ليس لها مؤلف بشري، أي الأعمال التي ليست نتيجة مباشرة للإبداع البشري.
نقطة أخرى مهمة للغاية يجب مراعاتها الآن هي أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والتي تعد حاليًا في قلب الثورة الصناعية، ستعكس وتديم سياقات وتحيزات أولئك الذين ينشئونها، والصعوبات التي تواجهها البرامج الذكية في معالجة كميات هائلة من البيانات غير ضارة نسبيًا، كما يعد العلماء بتعليم الأنظمة لحل مثل هذه المشاكل، لكن عملية التعلم نفسها قد تعتمد على التحيزات العرقية أو الجنسية أو السياسية أو غيرها من التحيزات للمطورين، لذلك، لا يجب أن تتحكم السلطات الأمنية والمعنية ذات الصلة في التنفيذ فحسب، بل وأيضًا في عملية إنشاء الابتكارات وتطويرها.
هناك قضية مهمة أخرى تتعلق بالتنظيم القانوني لتطوير الذكاء الاصطناعي ترتبط بمدى ملاءمة حظر (تقييد) التطورات العلمية في هذا المجال (Chubatyuk, Y, 2018)، إدراكا لمخاطر التطوير غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، يصر بعض العلماء على حظر الأبحاث ذات الصلة والسيطرة على انتشار التكنولوجيا الصارمة كما هو الحال في الطاقة النووية، ورغم ذلك، مثل يعتقد الكثيرون من الباحثين والمختصين في المجال الأمني، أن حظر الأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يصبح فعالاً من حيث المبدأ، على عكس الأبحاث في مجال الأسلحة النووية، فإن تطوير الذكاء الاصطناعي أرخص بكثير وبالتالي أكثر تكلفة، مع تطور تكنولوجيا المعلومات، سيصبح هذا النشاط أكثر سهولة وخطورة، في مثل هذه الظروف سيؤدي الحظر التشريعي على تطوير الذكاء الاصطناعي إلى وضع تكون فيه أجهزة الأمن وتنفيذ القانون مجهزة بشكل أسوأ بكثير من المجرمين والمنظمات الإرهابية وما إلى ذلك.
وعلى الرغم من عديد المخاطر في هذا السياق، فإن الحظر المطلق على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي مستحيلة، ويجب أن يوفر التنظيم القانوني في هذا المجال حوافز للاستخدام الفعال اجتماعيًا للتكنولوجيا وتقليل مخاطر إساءة استخدام التكنولوجيا.
ما يمكن قوله فيما يتعلق بالتنظيم القانوني، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات يتطلب تنظيمًا قانونيًا فعالاً يحمي الناس من سوء الاستخدام، فضلاً عن تنظيم أنشطة مطوري الذكاء الاصطناعي، وبدون تنظيم قانوني مناسب، لا يمكن لهذه التقنية أن تعرف المنحنى الصحيح، ومع تطور التكنولوجيا يلزم إجراء تغييرات في التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي بحيث تصبح عواقب استخدامه مفيدة للمجتمع بأسره، كما يُعتبر التنظيم القانوني للذكاء الاصطناعي ضروريًا في مجالات عديدة، مثل قضايا الخصوصية وحماية البيانات وأمن البيانات ومعالجة البيانات وحقوق التأليف والنشر للأعمال التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي وتنظيم الأنشطة الاقتصادية لإنتاج البرامج والتقنيات باستخدام الذكاء الاصطناعي وتطوير قواعد استخدام البرامج أو التقنيات أو الخوارزميات للعمل مع الحالات العاطفية والإنسانية باستخدام أدوات التعلم الآلي والذاتي، والذكاء الاصطناعي، والتي تعتبر ضرورية لمنع وتقليل مخاطر إساءة استخدام هذه التكنولوجيا، وتطوير قواعد استخدامات الذكاء الاصطناعي.
7. خاتمة
على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي -حاليًا- يقدم لنا الكثير من الخدمات الجليلة، إلا أن موضوع أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أصبح واحدة من أكثر المواضيع الحيوية المرتبطة بفلسفة التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي لديه الامتداد والقدرة على إعادة تعريف مفاهيمنا الأخلاقية التقليدية، والمناهج الأخلاقية والنظريات الأخلاقية، كما أن ظهور آلات الذكاء الاصطناعي التي قد تطابق القدرات البشرية أو تحل محلها يشكل تحديًا كبيرًا لفهم الذات التقليدي للبشرية باعتبارها الكائنات الوحيدة مع أعلى مكانة أخلاقية في العالم، وبناءً على ذلك، فإن مستقبل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لا يمكن التنبؤ به ولكنه من المحتمل أن يقدم قدرا كبيرا من الإثارة والمفاجأة والجدل.
كيفية الاستشهاد بهذا المقال حسب أسلوب APA:
مزاري نصر الدين (2023). الإشكالية الأخلاقية للذكاء الاصطناعي ومحاولات تقنين استخدامه على خلفية الآثار السلبية التي يتركها، مجلة أنسنة للبحوث والدراسات، المجلد 14 (العدد 2)، الجزائر: جامعة زيان عاشور الجلفة، ص ص 8-21.