يحتكم المسلم خلال مقامه على هذه البسيطة إلى منهج رباني يحدد علاقته بخالقه وبني جنسه، ثم سائر الموجودات. لذا شكلت العبادات والمعاملات والأخلاق منظومة متماسكة، يفضي كل عنصر فيها إلى الآخر في تناغم مذهل، يضمن للجهد الإنساني حرثي الدنيا والآخرة.

 وإذا كان ابن آدم قد كُتب عليه حظه من المعصية والإثم، إلا أن باب التوبة المشرع دوما يستحث كل مسلم على المبادرة لاستعادة توازنه النفسي بالاستغفار والذكر، والإقبال على الطاعات التي تحرره من مغبة الوقوع مجددا في فخ المعصية.

بيد أن هناك نفوسا يلذ لها ترك الحبل على غاربه، ويعز عليها مفارقة الأهواء والميول والنزوات، انقيادا لضوابط الشرع الحكيم، فلا تجد بدا من الاحتكام إلى تأويل فاسد، أو رأي سقيم، أو قياس باطل، يجيز لها التمادي في المعصية والإثم. ومن يستعرض أخبار الضالين وأحوالهم في الخطاب القرآني، سيقف دون شك على شواهد عديدة لما يفضي إليه التمادي من تصرفات ومواقف عجيبة يستنكفها اللبيب!

يحيل التمادي في مدلوله اللغوي على السعي والإصرار لبلوغ الغاية من أمر أو فعل. وفي لسان العرب لابن منظورتمادى فلان في غيه إذا لج فيه وأطال مدى غيه أي غايته، وأبى أن ينصرف عنه “. وبذلك يعكس التمادي مظهرا من مظاهر جنوح النفس إلى التحرر من القيم والقواعد الموجهة للسلوك، والتمرد على الضوابط التي تصون اعتدال النفس وسلامة الكيان. أما منشأ هذا الجنوح فمرده إلى سببين اثنين:

إن الضوابط والحدود التي قررها الدين، ليست مفروضة على النفس من الخارج، بل هي منسجمة مع رغبة الالتزام الفطرية التي تُشعر المرء بأن هناك قوة خالقة ينبغي الانصياع لإرادتها. غير أن في بعض النفوس انحرافا يدفعها للتحلل مما تعده إكراها، بينما هو في الحقيقة تنظيم وترشيد. إن ما تفرضه الديانات السماوية. يقول الأستاذ محمد قطب، ليس هو الدين ولا العقيدة، ولا التزامات العقيدة، ولا القيم المرتبطة بالعقيدة، وإنما هو النهج الصحيح في كل هذا الأمور”(1). وأهم سمات النهج الصحيح في ديننا الحق هو الاعتدال في نشاط الجسم والروح، والانسجام بين متع الدنيا وحرث الآخرة. تلك سمة تطمئن لها النفس السوية، وتضطرب لها النفس المعوجة التي ترى في الاعتدال والتنظيم تضييقا وإكراها.

يرى أبو حامد الغزالي أن التمادي ينشأ فيمن جهل المرء بالدنيا المذمومة، وما ينبغي أن يُجتنب منها. فكل ما كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى، يدخل في نطاق الدنيا المذمومة. يقول رحمه الله: “إن القدر الذي لا بد منه من القوت والملبس والمسكن، إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة. وإن أخذ ذلك لحظ النفس، وعلى قصد التنعم صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها”(2). والمتمادي لا يزعم أن مراده من الاستغراق في اقتراف الآثام أو التنعم بالمباحات زيادة إقبال على الطاعات والعبادات، أو تحقيق متطلبات روحية، بقدر ما يدعي استمتاعه بحظه من الدنيا، حتى وإن جاوزه إلى السرف والظلم والطغيان.

أما عند ابن الجوزي، فإن التمادي وإطلاق النفس في المعاصي تحديدا، ينشأ من التلبيس على المرء فيما يتعلق بإدراك معاني الرحمة والعفو الإلهيين. فيقيم العبد على المعاصي، ويتمادى في ارتكاب الآثام ولسان حاله يقول: الرب كريم والعفو واسع والرجاء من الدين!(3)؛ بينما العاقل ينظر إلى جانب العذاب كما ينظر إلى جانب الرحمة، ويحرص على التوبة لأنها السبيل الحق إلى الرحمة، مصداقا لقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} (طه:82).

من ثمار التمادي سلب حلاوة الطاعة، فلا يكون حظ المتمادي منها سوى تعب الجوارح. وفي أخبار الصالحين أن عابدا رأى في المنام أنه يحدث ربه فقال: أي رب كم أعصيك ولا تعاقبني، فجاء الرد: كم أعاقبك ولا تدري، أليس قد حرمتك لذة مناجاتي!

ومن ثماره كذلك أن يتوهم العقوبة نفعا، فيُسرُّ بالمال الحرام وظلم العباد، ويحسب استدراجَ الحق سبحانه له زيادة تشريف، وحظوة دون سائر الخلق.

أما أبلغ ثماره سوءا فهي ادعاء الربوبية، ليبسط المتمادي كامل نفوذه، فلا يقف حائل دون تحقيق رغباته ونزواته. ولعل في خبر فرعون والنمرود وغيرهما من طغاة التاريخ تجليا لتلك الآفة، وما يمكن أن يفضي إليه الاستغراق في النعم، واتباع الهوى والشهوات من تجريد للإنسان من سمو التكليف الإلهي بالاستخلاف والإعمار.

إن إحدى أبلغ مظاهر التمادي في مجتمعنا المعاصر، جنوح الاستهلاك عن حدوده المعقولة، والانحراف الذي طرأ على سلوك الأفراد في الآونة الأخيرة. فالتعود الفطري الذي يُجسد مغزى الاستهلاك يتعرض اليوم لمتغيرات أهمها ادعاء الصلة بين ثقافة الاستهلاك والسلوك المتحضر. هكذا يصبح التعود إدمانا وانحرافا في الطلب، وبالتالي إثقالا لكاهل الإنتاج وإخلالا بالتوازن الاقتصادي.

ومنها تبجيله المفرط للعلم والتقنية، والادعاء الذي انطوى عليه المفهوم الغربي للتنمية، من حيث سعيه إلى عتق الإنسان من قيود الطبيعة، لينطلق في مسلسل الاستغناء بالأشياء، وما يعنيه ذلك من تجاهل للبعد الأخلاقي والديني، مما يسبب التمادي في ضمان التمتع دون قيود.

ومن صور التمادي كذلك، ما يحدث على مستوى القوانين المنظمة للعلاقة بين الأفراد والمؤسسات، حين تتوسع المؤسسة في مساحة حقوقها على حساب الفرد أو العكس، فتنشأ آثار سلبية خطيرة منها فساد الذمم والسلوكيات، والتهاون الذي يفضي إلى خفض الإنتاج، وقتل الرغبة في الإبداع.

ومن تجلياته في عالم التداول الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، ذلك الولع المتزايد بإثبات الذات، وإفساد العلاقة الفطرية بين الرجل والمرأة. وهو الأمر الذي تولت كبره الحركة النسوية، حين أوعزت إلى المرأة أن تهدم الحافز إلى الرجل في كيانها، وأن تحقق ذاتها بمعزل عن أي رابط مشترك كالزواج والأسرة والأمومة.

يرزح المجتمع المعاصر تحت وطأة اهتزاز قيمي وتفكك اجتماعي، يوشك أن يطمس حقيقة الدنيا في نفوس أبنائها. ولا شيء ينقذ الإنسان من وطأة هذا التيه غير مواجهة سؤال الأخلاق، وتذكيره بمسؤوليته في هذا الكون، تلك المسؤولية القائمة على استخلاف مبدؤه التوسط والاعتدال، ووقوف عند  مرتبة النعم دون انحدار نحو النِقم!