الحضارة في هدي القرآن ليست أبنية شامخة، ولا ثروة متراكمة، ولا قوة تمكّن أصحابها من الغلبة وحدها؛ إنها ثمرة الإنسان حين يعرف ربه، ويدرك غاية وجوده، ويحسن القيام بالأمانة التي حملها. ولهذا لم يترك الله الإنسان لعقله المجرد، ولا لشهواته المتقلبة، وإنما بعث إليه الأنبياء ليهدوه إلى الطريق الذي يجمع صلاح القلب واستقامة السلوك وعمارة الأرض. فدعوة الأنبياء لم تكن منفصلة عن حياة الناس، ولكنها جاءت لتبني الإنسان، وتحفظ الأسرة، وتقيم العدل، وتصون المال والدماء، وتضبط القوة، وتمنع العمران من التحول إلى أداة للاستعلاء والفساد.
وقد جمع الله مقصد الرسالات في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. فالبينات تهدي العقول، والكتاب يبين الطريق، والميزان يحفظ الحقوق، والقسط يقيم حياة الناس على العدل. ومن هنا ارتبطت الحضارة في القرآن بالنبوة؛ لأن الإنسان قد يعرف كيف يبني، لكنه يحتاج إلى الوحي ليعرف لماذا يبني، ولمن يسخّر قوته، وبأي ميزان يدير ما بين يديه من علم ومال وسلطان.
بدأت هذه المسيرة مع آدم عليه السلام حين أعلن الله مهمته قبل خلقه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. فالاستخلاف ليس تشريفاً مجرداً، وإنما عهد يقوم على عبادة الله، وعمارة الأرض، وحفظ الحياة، وإقامة العدل، واستثمار النعم من غير فساد ولا طغيان. والإنسان مستخلف فيما يملك، فلا تتحول قدرته إلى حق مطلق، ولا يصبح العمران غاية منفصلة عن مرضاة الله ومصلحة خلقه.
وهيأ الله آدم لحمل هذه الأمانة، فعلّمه الأسماء كلها، ومنحه القدرة على المعرفة والتعبير ونقل الخبرة، فكان العلم أول أساس للعمران. وخلق جسده من طين، وسوّاه، ونفخ فيه من الروح التي خلقها وأضافها إلى نفسه إضافة تشريف، فاجتمع فيه العقل الذي يتعلم، والروح التي تهتدي، والبدن الذي يعمل. ثم جاء الابتلاء بالشجرة ليبين أن الحرية مقرونة بالمسؤولية. فلما وقعت الزلة لم يصر آدم عليها، وإنما رجع إلى ربه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37].
وبذلك دخلت التوبة في صميم التجربة الإنسانية؛ فالخطأ لا يهدم المستقبل إذا أعقبه اعتراف ومراجعة وإصلاح. والأمة الحية ليست التي تدعي العصمة، وإنما التي تملك شجاعة تصحيح مسارها، وتسمع للناصحين، وتمنع الانحراف من أن يتحول إلى عادة يحميها النفوذ والمصلحة.
وبعد أجيال من ذرية آدم ظهر الشرك في قوم نوح عليه السلام، ولم يبدأ فجأة؛ فقد نشأ من الغلو في الصالحين، ثم تحولت ذكراهم مع مرور الزمن إلى أصنام تعبد من دون الله. بعث الله نوحاً فدعا قومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وبقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، لا ييأس من بطء الاستجابة ولا يساوم على حقيقة التوحيد. وقد واجه ملأً متكبرين احتقروا المؤمنين الفقراء، فقالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: 111]، فرفض نوح أن يطردهم إرضاء لأصحاب النفوذ، لأن قيمة الإنسان في ميزان النبوة تقوم على الإيمان والعمل، لا على المال والمكانة.
ولما استنفد نوح وسائل البلاغ، أمره الله بصناعة السفينة: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: 37]. وفي السفينة التقى التوكل بالعمل؛ فالنجاة من الله، لكنها احتاجت إلى إعداد وصبر وإتقان. وحين جاء الطوفان لم تنفع القرابة من اختار الكفر، ثم بدأت بعده مرحلة جديدة حملها المؤمنون على أساس التوحيد وحفظ الخبرة والعمل المشترك.
وجاءت عاد من بعد قوم نوح، وأوتيت قوة في الأجساد وقدرة على البناء، لكنها جعلت النعمة سبباً للغرور، وقالت: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فأجابها القرآن: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]. لم تكن القوة موضع الذم، وإنما كان الخلل في انفصالها عن الشكر والعدل؛ فقد بطشوا جبارين، وظنوا أن قدرتهم تحميهم من عاقبة الظلم، حتى جاءهم العذاب من حيث انتظروا الغيث.
ثم ظهرت ثمود بما بلغته من مهارة في نحت الجبال وبناء البيوت الآمنة. وذكّرهم صالح عليه السلام بأن عمارة الأرض تكليف قبل أن تكون امتيازاً: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 61]. وجعل الله الناقة آية واختباراً لاحترام العهد والحق العام، لكن تسعة رهط أفسدوا في المدينة، فعقروا الناقة وتآمروا على قتل صالح وأهله، وسكت المجتمع عن فسادهم حتى نزل به العذاب. ولم تحمهم بيوتهم المنحوتة؛ لأن الحصون لا تحفظ مجتمعاً استباح الحقوق وترك المفسدين يقودون مصيره.
وهكذا تبين قصص آدم ونوح وهود وصالح عليهم السلام أن قيام الحضارة يبدأ من الإنسان، وأن سقوطها يبدأ من داخله أيضاً. فالعلم يحتاج إلى هداية، والقوة إلى شكر، والعمران إلى عدل، والحرية إلى مسؤولية. فإذا انفصلت الوسائل عن غاياتها الأخلاقية، تحولت النعم إلى أسباب للهلاك. ويبقى الإصلاح باب النجاة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. وهذه سنن لا تخص أمماً مضت، وإنما يخاطب الله بها كل جيل حتى يراجع نفسه، ويحفظ أمانة الاستخلاف، ويقيم عمرانه على الإيمان والعدل والرحمة.
من تحرير العقل إلى بناء الأمة؛ دعوة إبراهيم عليه السلام وذريته
إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية إلى مشروع متكامل يحرر العقل، ويبني الأسرة، ويقيم البيت، ويصل أجيال النبوة بعضها ببعض. فالحضارة في هدي الأنبياء عليهم السلام لا تنشأ من كثرة المال وحدها، وإنما تبدأ حين يتحرر الإنسان من عبودية الوهم، ويعرف ربه، ثم تتحول معرفته إلى تربية وعمل ومؤسسات تحفظ الإيمان والعدل وكرامة الإنسان.
نشأ إبراهيم عليه السلام في مجتمع استقرت فيه عبادة الأصنام حتى صارت جزءاً من موروثه، ولم يكن للقوم حجة سوى قولهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 53]. فرد عليهم إبراهيم عليه السلام: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: 54]. ولم يكن مقصوده إسقاط مكانة الآباء، وإنما تحرير الحقيقة من سلطان الزمن؛ فالفكرة لا تصبح حقاً لأنها قديمة أو شائعة، والموروث يُحترم بقدر موافقته للوحي والبرهان.
وأراه الله ملكوت السماوات والأرض، فناظر قومه فيما عبدوه من الكواكب والقمر والشمس، وأبطل ألوهيتها بأفولها، ثم أعلن وجهته: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]. وفي هذا الحوار ظهر منهج دعوي يخاطب الناس بما يفهمون، ويقودهم بالتدرج إلى رؤية التناقض في معتقداتهم، حتى يصل العقل بنفسه إلى الحق.
وجمع إبراهيم في دعوته بين قوة الحجة ورحمة الخطاب. فقد خاطب أباه بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾، وعرض عليه ما جاءه من العلم من غير تعالٍ، فلما هدده أبوه أجابه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]. وحين حطم الأصنام أراد أن يعيد قومه إلى سؤال الفطرة: كيف يعبد الإنسان ما لا يسمع ولا ينفع ولا يدفع عن نفسه الضرر؟ ولما عجزوا عن رد حجته انتقلوا إلى القوة، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: 68]، فجاء أمر الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].
ثم هاجر إبراهيم بدينه، وانتقل من مقاومة الباطل إلى بناء البديل. ورزقه الله إسماعيل، فلما بلغ معه السعي ابتلاه بذبحه، فوجد في ابنه ثمرة التربية المؤمنة: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. وهكذا لم تبق العقيدة فكرة يحملها الأب، وإنما أصبحت يقيناً يتوارثه الأبناء، واستعداداً مشتركاً للطاعة والتضحية.
وبلغ المشروع الإبراهيمي مرحلة التأسيس حين رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت الحرام وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]. جمعا بين العمل والدعاء، ولم يقفا عند بناء الحجر، بل دعوا بقيام أمة مسلمة وبعثة رسول يتلو على الناس آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم. فاجتمع حول البيت الأمن والعبادة والتعليم والتزكية، وصار بناء الكعبة بداية مركز يحمل التوحيد إلى العالم، حتى استجاب الله دعاءهما ببعثة محمد ﷺ من ذرية إسماعيل.
وكان إسماعيل صادق الوعد، يأمر أهله بالصلاة والزكاة، فدلّت سيرته على أن بناء الأمة يبدأ من البيت؛ من أب يحمل مسؤوليته، وأسرة تقيم الصلاة، ووفاء يحفظ الثقة بين الناس. وامتد عهد النبوة في إسحاق ويعقوب عليهما السلام، وكان أعظم ما شغل يعقوب عند موته بقاء التوحيد في ذريته، فسأل أبناءه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾، فقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133].
وفي المسار نفسه جاءت دعوة لوط عليه السلام لحماية الفطرة والأسرة والأمن العام. فقد انتشر في قومه الفساد، واقترن بقطع الطريق والمجاهرة بالمنكر، ثم انقلب ميزانهم حتى قالوا عن أهل الطهارة: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]. وتبلغ المجتمعات مرحلة خطيرة حين يصبح الفساد مقبولاً في مجالسها، ويعامل الإصلاح بوصفه تهديداً؛ لأن العمران لا يستقر مع انهيار الأسرة، واضطراب الأمن، وإقصاء من يدعو إلى الطهارة.
وتكتمل هذه المرحلة بقصة يوسف عليه السلام، الذي انتقل من الجب والرق والسجن إلى إدارة خزائن مصر. حفظ عفته في الخفاء، ودعا إلى الله في السجن، ورفض الخروج حتى تثبت براءته، ثم وضع خطة لمواجهة المجاعة تقوم على زيادة الإنتاج، وحفظ الحبوب، وترشيد الاستهلاك. وحين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]، جمع أساس الولاية الصالحة: أمانة تصون الموارد، وعلم يحسن إدارتها.
ولما تمكن يوسف لم يجعل السلطة طريقاً للانتقام، بل قال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: 92]، فأعاد أسرته من غير إذلال، وجمع بين الأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي. وهكذا تتضح وحدة المشروع الإبراهيمي: تحرير للعقل من التقليد، ورحمة في الدعوة، وأسرة تنقل الإيمان، وبيت يجمع العبادة بالأمن، وحماية للفطرة، وقيادة تجمع النزاهة والكفاءة والعفو. وبهذه الأصول يتحول التوحيد من عقيدة في القلب إلى قوة تبني الإنسان والأسرة والأمة.
من التحرر إلى الرسالة الخاتمة؛ اكتمال المشروع الحضاري في دعوة الأنبياء
تمضي دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) في القرآن الكريم مسيرة واحدة، تتجدد فيها حقيقة التوحيد، وتتسع معها ميادين الإصلاح؛ فمن بناء الإنسان والأسرة تنتقل إلى تحرير الشعوب، وإقامة العدل، وضبط السلطة، وإدارة القوة، حتى تكتمل في الرسالة المحمدية التي جعلها الله هداية للناس كافة. ولم يكن الأنبياء أصحاب دعوات روحية منعزلة عن واقع أقوامهم؛ فقد واجهوا الاستبداد، وصححوا موازين القيادة، وأقاموا الحق في الحكم، وربطوا العلم بالأمانة، والقوة بالرحمة، والتمكين بالشكر. وبذلك غدت النبوة منبعاً للمشروع الحضاري الذي يحرر الإنسان من عبودية الخلق، ويعيد بناء حياته على العبودية لله والعدل بين الناس.
بلغ الاستبداد ذروته في عهد فرعون؛ فقد علا في الأرض، وقسم أهلها جماعات متفرقة، واستضعف بني إسرائيل، وقتل أبناءهم واستحيا نساءهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: 4]. وفي قلب هذا النظام نشأ موسى عليه السلام بعناية الله، ثم أرسله ربه إلى فرعون، وأمره مع هارون أن يبدآ بالقول اللين: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44]. فاللين هنا أدب في الخطاب، لا تنازل عن الحق؛ إذ واجه موسى ادعاء الربوبية، وطالب بإطلاق بني إسرائيل، وأقام الحجة من غير خوف ولا فظاظة.
وجمع فرعون السحرة ليهزم رسالة موسى أمام الناس، فلما رأوا العصا تبتلع ما صنعوا أدركوا، بحكم خبرتهم، أن ما شاهدوه ليس سحراً، فخروا سجداً وآمنوا برب موسى وهارون. ولم يردهم تهديد فرعون بالقتل والصلب؛ لأن المعرفة حين تتحرر من الخوف تقود صاحبها إلى الحق. ثم توالت الآيات على فرعون وقومه، فكانوا ينكثون كلما كشف الله عنهم العذاب، حتى أُمر موسى بالخروج ببني إسرائيل. ولما صار البحر أمامهم وفرعون وراءهم قال موسى بيقين المؤمن: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، فانفلق البحر ونجا المؤمنون وغرق فرعون وجنده.
غير أن سقوط الطاغية لم يكن كافياً لبناء الأمة؛ فقد حمل بنو إسرائيل في نفوسهم آثار الاستعباد، واحتاجوا إلى شريعة وتربية طويلة تعلمهم معنى الحرية والمسؤولية. وهذا من أعمق دروس قصة موسى: إزالة المستبد قد تقع في لحظة، أما إزالة آثاره من النفوس فتحتاج إلى إيمان وتعليم وصبر؛ لأن الإنسان الذي اعتاد الخضوع قد يعيد إنتاج الطغيان بعد رحيل صاحبه إذا لم تتغير قيمه.
وبعد مرحلة الضعف طلب بنو إسرائيل قائداً يجمعهم، فاختار الله طالوت، واعترضوا لقلة ماله، فجاء الميزان القرآني: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: 247]. فالقيادة لا تستحق بالنسب والثراء، وإنما بالكفاءة العلمية والقدرة على تحمل المسؤولية. ثم اختبر طالوت جنوده بالنهر، فتراجع الأكثرون وثبتت القلة، لتظهر سنة التمحيص التي تميز أصحاب اليقين من أسرى الحماسة العابرة.
وبرز داود عليه السلام في جيش طالوت، وقتل جالوت، ثم آتاه الله الملك والحكمة، وأمره أن يجعل العدل غاية سلطانه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: 26]. فالسلطة في هدي النبوة أمانة، والهوى يفسد الحكم حين يجعل رغبة الحاكم فوق حقوق الناس. وألان الله لداود الحديد، فجمع في دولته بين العبادة والعدل والصناعة والقوة الحامية للمجتمع.
وورث سليمان أباه في النبوة والعلم والملك، فأقام دولته على التنظيم والتثبت والشكر. وحين جاءه الهدهد بخبر مملكة سبأ لم يتعجل تصديقه أو عقابه، وقال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27]. ثم دعا ملكة سبأ بالحكمة، وانتهى اللقاء بإسلامها لا بتدمير مملكتها. ومع ما سخره الله له من أسباب القوة بقي واعياً بأن التمكين امتحان، فقال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. فالشكر يحفظ القوة من الغرور، ويوجهها إلى خدمة الحق.
وجاء عيسى ابن مريم عليه السلام مجدداً للإيمان والرحمة، معلناً منذ مهده عبوديته لله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]. دعا إلى التوحيد، وأحيا معاني البر والتزكية، وكوّن الحواريين لحمل الرسالة، ثم بشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فكانت دعوته حلقة تصل رسالات بني إسرائيل بالرسالة الخاتمة.
وجاء محمد ﷺ خاتم النبيين، مصدقاً لإخوانه من الرسل، فبدأ في مكة ببناء الإنسان المؤمن، وزكى أصحابه ورباهم على الصبر والثبات. ثم كانت الهجرة انتقالاً من الاستضعاف إلى بناء الأمة؛ فأقام المسجد، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ونظم شؤون المجتمع، وجعل الشورى والعدل والأمانة أصولاً للحكم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159].
وظهرت أخلاق الرسالة في السلم والحرب؛ أخذ النبي ﷺ بالأسباب، واستفاد من الخبرات، ووفى بالعهود، وقبل صلح الحديبية وهو ينظر إلى المآلات، ثم دخل مكة منتصراً من غير أن يجعل النصر باباً للثأر. واكتمل الدين، وانتقلت أمانة البلاغ والشهادة إلى الأمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].
وهكذا اكتمل المشروع الحضاري للأنبياء: تحرير من الطغيان، وقيادة بالكفاءة، وحكم بالعدل، وقوة يضبطها الشكر، وتربية تبني الإنسان قبل المؤسسة. وبعد ختم النبوة بقيت هذه الأمانة في عنق الأمة، تحملها بالعلم النافع والعمل الصالح والرحمة والعدل، حتى تكون شهادتها على الناس هداية وإصلاحاً، لا استعلاءً ولا ادعاء.
المصادر: القرآن الكريم؛ الطبري، جامع البيان؛ ابن كثير، تفسير القرآن العظيم؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير؛ علي محمد الصلابي، الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين.
