هل الدعاء طلب حاجة يطلبها العبد من الله وينتظر أن يقضيها سبحانه وتعالى وكفى ليس له معنى آخر ولا دلالة ثانية؟، هل هو مجرد أياد تمتد في الأرض منتظرة أن ينزل إليها الخير من السماء؟؟،  عندما وصف النبي الدعاء قال : ” إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ “[1].،فإذا أردت أن تحقق عبوديتك لله تعالى فالدعاء أحد أهم الأبواب التي تدخل منها للعبودية لأنه تعبير عن الافتقار إلى الله تعالى . وبالإضافة إلى ذلك فإن الدعاء يرسم للعبد مسار حياته ويمده بزاد يعينه على أن يسلك هذا المسار ومن المسارات التي يرسمها الدعاء.

مسار الطمأنينة

في الدنيا زوابع كثيرة ومخاوف تهدد الإنسان ولذلك يحتاج لمن يدله على طريقة يطمئن بها نفسه، وقد علمنا النبي أدعية نقولها قبل الخلود إلى النوم تجلب الطمأنينة للنفس وتطرد المخاوف عنها منها ما جاء في صحيح البخاري«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : (يَا فُلَانُ، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ ‌أَسْلَمْتُ ‌نَفْسِي ‌إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ. وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ.» فإذا أسلمت نفسك حقا لله تعالى فمن يستطيع أن ينزعها منك؟، وإذا فوضت أمرك لله حقيقة فمن يستطيع أن يفسد أمرك؟ وإذا ألجأت ظهرك لله تعالى فمن يستطيع أن يكسر ظهرك؟ وإذا قلت مع النبي «بِاسْمِكَ ربي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا ‌بِمَا ‌تَحْفَظُ ‌بِهِ ‌عِبَادَكَ ‌الصَّالِحِينَ.»[2] فأيقنت أن نفسك بيد الله تعالى إن شاء أمسكها وبذلك تطلب منه سبحانه وتعالى أن يرحمها ورحمة ربك وسعت كل شيء، وإن كان في العمر بقية تطلب منه سبحانه وتعالى أن يحفظها بما يحفظ به عباده الصالحين؛ يحفظها من شر النفس وشر الشيطان وشر أصحاب السوء وشر الفتن ما ظهر منها وما بطن، هذا اليقين الذي تغرسه هذه الكلمات التي يرددها المسلم كل ليلة عندما يستعد للنوم، تأخذ بيده إلى الطمأنينة الكاملة فنفسه بيد الله تعالى وحده لا شريك له لا يستطيع مخلوق ولا قوة أن تنتزعها منه. 

وأوصى النبي أن نقول عند الاستيقاظ :”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي ‌وَأَذِنَ ‌لِي ‌بِذِكْرِهِ “[3] إن الروح عنده سبحانه وتعالى يردها لمن يشاء من خلقه النائمين ويسلبها ممن يشاء ،كم يكون المسلم قويا حينما يفتتح يومه بمثل هذه الكلمات ويستشعر فضل الله تعالى الذي أعطاه فرصة لعمل صالح يتقرب به إلى الله وفرصة لإصلاح ما أفسد وفرصة لزيادة الحسنات.

مسار الفرص

يفتح لنا الدعاء مسار الفرص المتعددة التي يتيحها الله تعالى للخلق وهي فرص على مدار اليوم والليلة للدعاء المستجاب؛ في الثلث الأخير فرصة ،وبين الأذان والإقامة فرصة، وفي سجود العبد فرصة ،وفي وقت الخلوة حين يذكر الإنسان ربه ويفتح الله تعالى له بابا للدعاء حين تتهيء نفسه ويقبل قلبه على الله تعالى، هذه بعض الفرص المتاحة فمن يتعلم اقتناص الفرص؟، ومن يستفيد من يقظة قلبه؟ ومن يأخذ من دينه لدنياه فلا يدع فرصة لعمل الخير وتعمير الأرض ونفع الناس إلا انتفع بها لكي يجدها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ؟؟

مسار التخلص من العجز

يدخل الإنسان إلى الدنيا في سباق يومي فيصارعها وتصارعه ؛ساعة يغلبها وساعة تغلبه بهمومها ومشاكلها ومشاغلها ،يفتح لنا الدعاء فرصة لكي نتخلص من القيود التي تقيدنا ،ونخرج من سجن الدنيا والعجز عن التفكير والعمل ،وأخذ زمام المبادرة والانتقال من رد الفعل إلى الفعل المنضبط بالحكمة ،«دخل رسولُ الله ذاتَ يَوم المسجدَ، فإذا هو برجلٍ من الأنصار – يقال له: أبو أُمامة – جالساً فيه، فقال: يا أبا أُمامةَ، ‌مالي ‌أراك ‌جالساً ‌في ‌المسجد ‌في غَير وقتِ صلاة؟ قال: هُمُومٌ لَزِمَتْني ودُيُونٌ يا رسولَ الله، قال: ألا  أُعَلِّمُك كلاماً إذا قلتَه أذْهَبَ الله عز وجل هَمّكَ، وقضى عنك دَيْنك؟ فقال: بلى يا رسول الله، قال: قل – إذا أصبَحتَ وإذا أمسَيْتَ : اللَّهمَّ إني أعوذ بك من الهَمِّ والحَزَنِ، وأعوذُ بك من العجْزِ والكَسَلِ، وأَعوذُ بك من البخْلِ والجُبْنِ، وأعوذ بك من غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقَهرِ الرجال، فقلت ذلك، فأَذهَبَ الله همِّي، وقضى عني دَينْي»[4] رأى النبي أبا أمامة ذلك الرجل المقيد بهمّ الدين وغيره من هموم الدنيا معتزلا ميدان الحياة فرده إليها ومعه زاد من اللجوء إلى الله تعالى يفك به القيود التي قيدت جسده وإرادته.

 مسار العودة إلى الله

يوفر الدعاء مسارا لعودة أولئك الذين شردوا عن صراط الله المستقيم ،أولئك الذين انغمسوا في الدنيا وظنوا أن ما فيها من نعم لن تفارقهم أبدا، يُنزل الله تعالى عليهم شيئا من الابتلاء لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا لعلهم يسارعون بالتضرع إلى الله تعالى ولكنهم لا يفعلون { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الأنعام: 42-43] ومنهم من يكون نزول البلاء به سبب لعودته إلى الله ” ذكر محمد بن إسحاق، عن عكرمة بن أبي جهل: أنه لما فتح رسول اللَّه مكة ذهب فارًّا منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم؛ أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا يُنجِّي هاهنا إلا هو. فقال عكرمة: واللَّه ‌إن ‌كان ‌لا ‌ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي أيضًا غيره في البر، اللهم؛ لك علي عهد لئن خرجتُ لأذهبن فلأضعنّ يدي في يد محمد فلأجدنه رءوفًا رحيمًا. وكان كذلك.»[5] هذا الخطر المحدق جعل أولئك الذين أوشكوا على الغرق يتضرعون إلى الله تعالى فكان الخطر طريقهم إلى العودة إلى الله تعالى.

مسار اللجوء إلى الله في كل شؤوننا

يفتح لنا الدعاء مسار اللجوء إلى الله تعالى في كل شأن من شؤون حياتنا مهما رأيناه صغيرا أو بديهيا أو في مقدورنا ،فهذا إبراهيم عليه السلام ليس نبيا فحسب بل أبا للأنبياء وخليلا للرحمن سبحانه يناجي ربه جل جلاله  ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40]  وهل يتصور أن الصلاة عند خليل الرحمن سبحانه شيء يحتاج إلى دعاء أو طلب للمعونة؟؟ الصلاة بالنسبة للصالحين غذاء لأرواحهم ووقود لقلوبهم فكيف تكون بالنسبة لخليل الرحمن؟؟ إن المسلم الحق هو الذي يعلم علم اليقين أنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأنه لا يستطيع أن يرفع قدم أو يغمض جفن أو يدق قلب أو يسجد سجدة إلا بمعونة الله تعالى،خليل الرحمن يطلب من الله تعالى أن يجعله ممن يقيم الصلاة بالطمأنينة والخشوع حتى يتجاوب فيها العقل والقلب والروح والبدن وتتصل فيها الأرض بالسماء ويخرج منها الإنسان وقد ارتاح قلبه ونشط بدنه ،وأن تكون إقامة الصلاة تركة ترثها ذريته وأن يكونوا دوما في الصف الأول ،ولعلنا ونحن ندعو بهذا الدعاء نصطحب أولادنا إلى المساجد لنجمع بين أكثر من سبب لهدايتهم.

الافتقار إلى الله تعالى في كل شؤوننا هدي الأنبياء، “وفي الإسرائيليات: أنَّ موسى عليه السلام قال: يا ربِّ إنَّه لتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا، فأستحيي أنْ أسألك، قال: سلني حتى ‌ملح ‌عجينك وعلف حمارك”[6]. الافتقار ينجي العبد من الغرور والمغرور لا يتقدم خطوة في حياته ولا في دينه؛ لأنه يرى نفسه أفضل الناس ،كما أنه لا يرى الخطر المحيط به مهما كان قريبا لثقته في نفسه وهي ثقة في غير محلها.

مسار القوة

يرشدنا الذكر إلى أحد مسارات القوة قوة البدن وقوة الروح ،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ « أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، وَشَكَتِ الْعَمَلَ فَقَالَ: مَا أَلْفَيْتِيهِ عِنْدَنَا؟[7] قَالَ: أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ ‌خَيْرٌ ‌لَكِ ‌مِنْ ‌خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ حِينَ تَأْخُذِينَ مَضْجَعَكِ.[8] وإذا قويت الروح قوي البدن.

هذه الأدعية النبوية تمثل زادا وطاقة يتحرك بها المسلم في حياته تاركا أولئك الذين استكانوا للضعف واستسلموا للهموم، إنها طلب من الله تعالى أن يعين عباده على العمل لكي يفروا من قدر الله إلى قدر الله.  ليكن الدعاء في حياتنا زادا لأرواحنا نقوي به قلوبنا ونزيد من بصيرتنا في الحياة، ليكن دعاؤنا تحقيقا للعبودية وبيانا لمسارات الخير .