يُعدّ كتاب “السيكولوجيا الرقمية في عصر حروب الجيل الخامس” للمؤلف عبد المطلب عبد القادر حجّاج (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026، 624 صفحة) إضافةً نوعيةً إلى المكتبة العربية التي تفتقر إلى دراسات معمّقة تجمع بين علم النفس السياسي والاجتماعي والتحولات الرقمية المعاصرة. يأتي الكتاب في لحظة تاريخية دقيقة تتسارع فيها التحولات التكنولوجية، وتتعاظم فيها أدوار الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تشكيل الوعي الجمعي والسلوك السياسي.
مؤلف الكتاب هو عبد المطلب عبد القادر حجّاج، أستاذ جامعي. صدر له عدد من البحوث والكتب في علم النفس، بما في ذلك علم النفس السياسي، وعلم النفس عبر-الثقافي، والصحة النفسية، وعلم النفس التربوي. وهو حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة عين شمس (2006). عمل أستاذًا مساعدًا منتدبًا في جامعة الكويت، وكلية التربية الأساسية، وكلية الدراسات التكنولوجية بالهيئة العامة للتعليم التطبيقي، إضافة إلى عمله باحثًا أوّل نفسيًّا في وزارة التربية الكويتية (2008-2018).
في كتاب “السيكولوجيا الرقمية في عصر حروب الجيل الخامس” يُعلن المؤلف صراحةً أنّ هدفه ليس مجرد تقديم دراسة أكاديمية تقليدية، بل سدّ فجوة معرفية حقيقية؛ فبينما تتكاثر الكتابات حول الأمن السيبراني أو التضليل الإعلامي كلٌّ على حدة، يندر أن نجد عملًا عربيًا متكاملًا يستكشف البنية النفسية الكامنة وراء الحروب الرقمية المعاصرة. وهذا ما يجعل الكتاب مرجعًا مهمًّا لصنّاع القرار والباحثين والإعلاميين، ولكل من يسعى إلى فهم آليات التأثير في الرأي العام في عصر الخوارزميات.
الإطار النظري والمفاهيمي: السيكولوجيا الرقمية والهندسة النفسية للوعي
تتمحور الأطروحة المركزية للكتاب حول فكرة أنّ حروب الجيل الخامس تمثّل نقلة نوعية في استراتيجيات النفوذ؛ إذ لم تعد السيطرة تُمارَس عبر القوة العسكرية المباشرة، بل من خلال أدوات التأثير النفسي الخفيّ التي تعمل بوساطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، يصوغ المؤلف مفهومًا جديدًا هو “السيكولوجيا الرقمية”، بوصفه إطارًا نظريًّا لدراسة التفاعل بين التكنولوجيا الرقمية والسلوك البشري في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية.
كما يقدّم مفهوم “الهندسة النفسية للوعي” أداةً تحليليةً لفهم الكيفية التي يُعاد بها تشكيل الإدراك الجمعي عبر التقنيات الرقمية المتطورة. وتستند مقاربة الكتاب إلى تكامل معرفي بين علم النفس السياسي والاجتماعي، ونظريات الأمن السيبراني، ودراسات الإعلام والاتصال، وعلوم البيانات، وهو ما يضفي عليها طابعًا بينيًّا نادرًا في معالجة هذا الموضوع.
محاور الكتاب الرئيسية
يقع الكتاب في أحد عشر فصلًا مترابطًا، يمكن تجميعها في أربعة محاور كبرى:
المحور الأول: تأسيس النظرية السيبرانية-النفسية (الفصول 1-3)
يفتتح الكتاب بفصل تمهيدي يرصد التطور التاريخي للحرب النفسية وامتداداتها في الفضاء الرقمي، مقدّمًا نموذجًا تفسيريًّا يوضح آليات التدخل في الحروب الرقمية. ثم ينتقل إلى تحليل سيكولوجية الشائعات وآليات انتشارها في المجتمعات الرقمية، مقدّمًا نماذج انتشار متعددة المستويات، ومفسّرًا الأسباب الاجتماعية والرقمية وراء انتشارها. ويخصص الفصل الثالث للتهديدات الهجينة والعمليات السيبرانية، كاشفًا عن كيف تُعدّ التهديدات السيبرانية المعاصرة أداةً مباشرةً للحرب النفسية، وكيف تستخدم تقنيات التضليل المعرفي والإعلامي لاستهداف استقرار المجتمعات وزعزعة الثقة في المؤسسات والتكنولوجيا.
المحور الثاني: آليات التأثير السلوكي والسياسي (الفصول 4-6)
ينتقل الكتاب في هذا المحور إلى تحليل أعمق لآليات التأثير، حيث يناقش الفصل الرابع “استهداف السلوك الاختياري”، موضحًا كيف توظف الحروب الرقمية تقنيات البيانات الضخمة لاستهداف السلوك الاختياري للأفراد، وكيف تُستخدم استراتيجيات الهندسة الاجتماعية والتفكير الخوارزمي لإعادة تشكيل الإدراك الاجتماعي. أما الفصل الخامس فيتناول ديناميات الاستقطاب والتفريط، موضحًا كيف تُستخدم خوارزميات متطورة لتعميق الانقسامات الاجتماعية وتكريس التفريط بين المجتمعات. وفي الفصل السادس، يناقش الكتاب تطور الدعاية الرقمية في عصر الخوارزميات التنبؤية، محللًا كيف تطورت الدعاية من مركز الثقل إلى التخصيص الرقمي، وكيف تُستخدم الخوارزميات التنبؤية في تشكيل الرأي العام والتأثير في القرارات السياسية.

المحور الثالث: الحروب الثقافية والذكاء الاصطناعي (الفصول 7-9)
يخصص المحور الثالث حيّزًا واسعًا للحروب الثقافية وإعادة تشكيل الهوية، حيث يناقش الفصل السابع كيف تُستخدم الأدوات الرقمية لإعادة تشكيل الهويات الجمعية، من خلال توظيف الرموز الثقافية والتاريخية لأغراض التضليل النفسي. كما يتناول ظاهرة التزييف العميق (Deepfake) وآليات التلاعب بالذاكرة الجمعية. وينتقل الكتاب في الفصل التاسع إلى تحليل دور الذكاء الاصطناعي في الحرب النفسية المعاصرة، موضحًا كيف يُعدّ الذكاء الاصطناعي محركًا لاستهداف التأثير النفسي، وكيف يُستخدم في تشكيل الرأي العام والتأثير في القرارات السياسية، مع مناقشة الأخلاقيات المرتبطة بذلك.
المحور الرابع: الدفاع المعرفي والتطبيقات العملية (الفصول 8، 10-11)
يُعدّ هذا المحور الجانب التطبيقي والأكثر عملية في الكتاب. ففي الفصل الثامن، يناقش المؤلف استراتيجيات بناء المرونة النفسية والدفع المعرفي، مقدّمًا استراتيجيات شاملة لبناء الدفاعات النفسية في مواجهة التأثيرات الرقمية، بما في ذلك بناء الدفاعات الفردية والجماعية، والتعلم النقدي في العصر الرقمي، وبناء المرونة المجتمعية ضد الحرب النفسية.
أما الفصل العاشر فيقدّم تطبيقات تحليلية معاصرة، محللًا حالات واقعية في السياقين السياسي والانتخابي، والشائعات والبطاقات المحركة في الفضاء العام، والمعرفة النفسية في السياسات العامة، والتدريب النفسي للمبتدئين والخبراء. ويختتم الكتاب بالفصل الحادي عشر الذي يعرض استراتيجيات الأمن النفسي والمعرفي، مؤكدًا على أهمية دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في الدفع المعرفي، ومقترحًا إنشاء مراكز متخصصة لمواجهة التهديدات المعرفية وتطوير استراتيجيات فعّالة للمواجهة والوقاية.
الخلاصات والتوصيات الرئيسية
يخلص الكتاب إلى جملة من النتائج الجوهرية، أبرزها:
أولًا: التحول الجوهري في طبيعة الصراعات
يشير المؤلف إلى أنّ الحروب تشهد تحولًا جوهريًّا من الساحات العسكرية التقليدية إلى ميادين الوعي والتأثير، حيث تُستخدم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في تضييق الخناق على الإدراك البشري. وهذا التحول يتطلب تطوير استراتيجيات شاملة تجمع بين الأبعاد التقنية والنفسية والثقافية.
ثانيًا: خطورة النماذج الديناميكية
ينبّه المؤلف إلى أنّ النظام الديناميكي المعقد يمثل تهديدًا وجوديًّا حقيقيًّا، إذ يمكن لتقنيات التزييف العميق أن تقوّض قدرة الأفراد على التمييز بين الحقيقة والزيوف، مما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الوطني والأمني.
ثالثًا: ضرورة التدخل المبكر
يؤكد الكتاب على ضرورة اعتماد استراتيجيات وقائية مبكرة قبل وقوع الأضرار، بدلاً من الاقتصار على ردود الفعل بعد حدوثها، معتبرًا أنّ تعزيز التعليم النقدي والوعي الرقمي يمثلان أولوية حيوية، لا مصدرًا ثانيًا للتعليم.
رابعًا: أهمية التعاون الدولي
يشير المؤلف إلى أنّ التهديدات الرقمية العابرة للحدود تستدعي وضع معايير أخلاقية وقانونية لتنظيم استخدام التكنولوجيا في المجال السياسي، وتطوير أدوات دفاعية مشتركة بين الدول للحد من الاستغلال السلبي لهذه التقنيات في الحروب النفسية.
تقييم نقدي
يُعدّ الكتاب إضافةً مهمةً للمكتبة العربية، ويتميز بعدة نقاط قوة، أبرزها: الطابع البيني النادر الذي يجمع بين علم النفس السياسي والاجتماعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني؛ تقديم مفاهيم نظرية جديدة مثل “السيكولوجيا الرقمية” و”الهندسة النفسية للوعي”؛ والجمع بين التحليل النظري العميق والتطبيقات العملية المعاصرة. كما يتميز الكتاب بغناه بالنماذج التفسيرية والأشكال البيانية التي توضح الآليات النفسية المعقدة.
غير أنّ الكتاب قد يواجه بعض التحديات، مثل صعوبة المواكبة السريعة للتطورات التكنولوجية المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والحاجة إلى تحديث مستمر للنماذج التحليلية. كما أنّ الطابع الأكاديمي العميق قد يجعله صعب القراءة لغير المتخصصين، رغم أهميته البالغة لهم.
خاتمة
في النهاية، يقدّم كتاب “السيكولوجيا الرقمية في عصر حروب الجيل الخامس” رؤيةً شاملةً ومتكاملةً لفهم التحديات النفسية والمعرفية في العصر الرقمي، ويضع أمام صانعي القرار والباحثين خارطة طريق واضحة لمواجهة هذه التحديات. إنّه كتابٌ ضروريٌّ لكل من يسعى إلى فهم التحولات العميقة التي تشهدها ساحات الصراع المعاصرة، والمساهمة في بناء مجتمعات أكثر مرونةً وقدرةً على مواجهة حروب الجيل الخامس.