حين الحديث عن القيادة ومعاييرها، تطرح عدة أسئلة نفسها على طاولة النقاش، منها:
أولاً: هل الكفاءة وحدها في مجال ما كافية لتولي المناصب القيادية؟
منكم من يقول نعم كافية، ومنكم من يرى خلاف ذلك. ومحدثكم مع الرأي الثاني؛ فليس شرطًا أن تتولى منصبًا أعلى لأنك أكفأ من غيرك في مهام معينة، وأنه لولاك ما نجح الآخرون!
أنت باختصار شديد أشبه بترس واحد ضمن مجموعة كبيرة من التروس، التي تتعاون معا لتحرك آلة ضخمة تسمى دولة، أو وزارة، أو شركة، أو غيرها من كيانات. ومهما كانت أهمية وحجم وموقع هذا الترس إلا أنه لن يتحرك من تلقاء نفسه، ولن تستطيع تحريك المنظومة إن لم تتحرك بقية التروس معك وفق آلية متناغمة للعمل.
واقرأ إن شئت قصة عزل الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لأحد أكفأ القادة عسكرياً في التاريخ، سيف الله المسلول خالد بن الوليد -رضي الله عنه- لتدرك أن الكفاءة الفنية المحضة ليست المسوّغ الوحيد للقيادة أو البقاء عليها [1].
ثانياً: هل العمر أو السن سبب لتولي القيادة؟ هل الأقدمية الوظيفية معيار الاستحقاق القيادي ؟
في مجال القيادة، العمر ليس مقياسًا ولا يجب أن يكون كذلك؛ فالأقدمية لا تعني الأفضلية، والحياة المدنية والمؤسسية بشكل عام لا تنطبق عليها الصرامة الحرفية للمؤسسات العسكرية في الرتب.
وتأمل قصة أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- حين طلب الإمارة، وهو من أقدم الصحابة دخولاً في الإسلام ومن أوتاد الأمة صيانة وورعاً، ورفض النبي -ﷺ- ذلك (صحيح مسلم، حديث: 1825)؛ مبيناً له علّة ذلك: “يا أبا ذر، إنك ضعيف”، في حين أنه -عليه الصلاة والسلام- أعطى القيادة لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد، وهما أحدث تاريخًا من أبي ذر في الإسلام [2].
ثالثاً: هل الأتقى والأورع والأقوى إيمانا يصلح للقيادة؟
رأيي الشخصي أنها صفات طيبة ومباركة، لكنها ليست كافية وحدها ولا مؤهلة بذاتها للقيادة. إن توفرت مع شروط أخرى من شروط القيادة الناجحة فَنِعِمَّا هي، لكن أن نُوَلّي أحدهم القيادة فقط لأنه تقي ورع، فهذا أمر لا استقامة له في فقه الإدارة؛ لأن تقواه وورعه إنما هما لنفسه ونفعها قاصر عليه، بينما القيادة هي القدرة على توجيه الناس وحشد طاقاتهم نحو تحقيق هدف مشترك، فإن كان المرء تقيًا ولا يملك مهارات التوجيه والذكاء القيادي، فما نفع تقواه الفردية للمجموع؟
هذا الأمر ينطبق حتى في سياق المؤسسات ذات الطابع الديني. وقد صاغ الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- هذه الموازنة المقاصدية بعبقرية فذّة حين سُئل عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟ فقال: “أَمَّا الْفَاجِرُ الْقَوِيُّ: فَقُوَّتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ وَأَمَّا الصَّالِحُ الضَّعِيفُ: فَصَلَاحُهُ لِنَفْسِهِ، وَضَعْفُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَيُغْزَى مَعَ الْقَوِيِّ الْفَاجِرِ [3].
تلكم كانت خواطر سريعة حول مسألة تولي المناصب القيادية، وكيفية اختيار الأفضل. والموضوع واسع متشعب، لكنه يتحمل كثيرًا من النقاش والخوض فيه وحوله.
