يشهد العالم تغيرات متسارعة على الصعيدين المحلي والعالمي تفرض إعادة التفكير جذريا في المفاهيم العامة للحياة والتعلم، سعيا لتأمين بيئات صحية وآمنة ومزدهرة في الحاضر والمستقبل. وفي ظل هذه التحديات، برزت الحاجة الملحة لإعادة تقييم النماذج السائدة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما تبلور من خلال رؤية خطة التنمية المستدامة لعام 2030، التي تسعى إلى عالم خال من الفقر والجوع والعنف، وينعم فيه الجميع بالإنصاف والبيئة السليمة.

وقد أخذ معهد اليونسكو للتعلم مدى الحياة على عاتقه تحويل هذه الأهداف العالمية إلى واقع ملموس عبر شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم، جاعلا من التعلم مدى الحياة المحرك الرئيسي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، وبشكل خاص الهدف الرابع المعني بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل، والهدف الحادي عشر الرامي إلى جعل المدن آمنة وقادرة على الصمود ومستدامة.

الأسس والالتزامات لاحتضان التعلم

أسس النهج العالمي لمدن التعلم بشكل فعلي إبان المؤتمر الدولي الأول الذي عقد في بيجين عام 2013، حيث عرف “إعلان بيجين” مفهوم مدينة التعلم وأرسى التزامات حاسمة لتحويل المدن. وقد أقر الإعلان بأن التعلم مدى الحياة يمثل ركيزة أساسية للتنمية المستدامة، محددا اثني عشر التزاما تدفع عجلة التحول الحضري.

وشملت هذه الالتزامات تمكين الأفراد وتعزيز التماسك الاجتماعي كضرورة لرفاهية المواطنين والمشاركة المدنية، وضمان المساواة بين الجنسين. كما ركزت على تعزيز التنمية الاقتصادية والازدهار الثقافي عبر تحفيز النمو الشامل، والحد من الفقر، وخلق فرص عمل، ودعم العلوم والابتكار. وفي محور التنمية المستدامة، التزمت المدن بالحد من الآثار السلبية للأنشطة البشرية على البيئة وتعزيز التعلم النشط لحمايتها.

وامتدت الالتزامات لتشمل تعزيز التعلم الشامل في النظام التعليمي بدءا من رعاية الطفولة المبكرة وحتى التعليم العالي والمهني، مع توفير الدعم للفئات المهمشة. وتضمنت أيضا تنشيط التعلم في الأسر والمجتمعات المحلية من خلال إنشاء مساحات تعلم مجتمعية، وتسهيل التعلم في أماكن العمل عبر تحفيز المؤسسات لتصبح منظمات متعلمة. وأكد الإعلان على أهمية توسيع استخدام تقنيات التعلم الحديثة، والارتقاء بجودة التعلم، وتعزيز ثقافة حيوية للتعلم مدى الحياة تعترف بجميع أشكاله وتكافئها.

ولضمان التنفيذ، نصت الالتزامات الختامية على تقوية الإرادة السياسية، وتحسين الحوكمة بمشاركة جميع أصحاب المصلحة، وتعزيز تعبئة الموارد واستخدامها بفعالية.

الملامح الرئيسية

وضعت اليونسكو وثيقة “الملامح الرئيسية لمدن التعلم”، وهي بمثابة أداة معيارية لتقييم التقدم. وصمم إطار هذه الملامح ليحاكي بناء معماريا يرتكز على أساس متين يتمثل في “الخطوات التأسيسية” التي تشمل الإرادة السياسية القوية، والإدارة التشاركية، وتعبئة الموارد.

وترتفع فوق هذا الأساس ستة أعمدة تمثل اللبنات الكبرى لمدينة التعلم، وهي: التعلم الشامل في النظام التعليمي، وتنشيط التعلم المجتمعي والأسري، والتعلم الفعال في مكان العمل، وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة، وتعزيز الجودة والتميز، وبناء ثقافة التعلم مدى الحياة. ويتوج هذا البناء بواجهة علوية تعكس الفوائد الأوسع نطاقا، والمتمثلة في تمكين الأفراد، والازدهار الاقتصادي والثقافي، والتنمية المستدامة. ويضم هذا الإطار 42 مؤشرا قابلا للقياس، تغطي جوانب متعددة مثل معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، ونسب مشاركة النساء في المجالس الإدارية، وإدارة النفايات، لتمكين المدن من رصد تطورها مقارنة بظروفها المحلية.

ونظرا لضرورة التحرك السريع لضمان استدامة العالم، جاء “نداء كورك” الصادر عن المؤتمر الدولي الثالث لمدن التعلم في أيرلندا في 2017، والذي ضم ممثلين عن 180 مدينة من 80 بلدا، من أجل التأكيد على الانتقال الفعلي من الخطاب العالمي إلى التطبيق المحلي. وشدد النداء على أن الحكومات المحلية هي الأجدر بالربط بين الأهداف العالمية والمجتمعات، متوخيا تعميم التعلم مدى الحياة بوصفه محركا رئيسيا للتحول.

وقد تبلور دليل العمل المنبثق عن المؤتمر في ثلاثة محاور رئيسية، تمثل الركائز العملية لمدن التعلم:

1- المدن السليمة بيئيا وصحيا: تعتبر مدن التعلم توفير بيئة معيشية صحية شرطا أساسيا للتنمية. وتتخذ هذه المدن تدابير ملموسة تشمل تعزيز التربية الصحية في المدارس وللعائلات المحرومة، وتسيير عيادات متنقلة لتقديم الرعاية الصحية الأولية مجانا في المناطق النائية. وعلى الصعيد البيئي، تدمج هذه المدن مفاهيم إعادة التدوير في فعالياتها، وتنشئ مدارس لركوب الدراجات لتشجيع وسائل النقل البديلة وتقليل تلوث الهواء، فضلا عن إقامة حدائق عامة مستدامة مجهزة بمسارات تعليمية تفاعلية لتوعية المواطنين سبل العيش المستدامة.

2- المدن المنصفة والشاملة للجميع: يعد الإنصاف حجر الزاوية في مدن التعلم، حيث تلتزم بتوفير فرص التعلم لجميع الأجيال والفئات، وخاصة الفئات المهمشة مثل اللاجئين، والمهاجرين، وذوي الإعاقة، والمتسربين من المدارس. وتتضمن الممارسات الجيدة توفير فصول دراسية مجانية عبر الإنترنت، وإنشاء مكتبات متنقلة، وتأسيس مؤسسات تعليمية متخصصة لمساعدة العمال المهاجرين على الاندماج المهني والاجتمعي. كما تركز هذه المدن على تعزيز التعلم المشترك بين الأجيال، وإنشاء شبكات للمشاركة المدنية باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتطبيق برامج تعنى ب “ثقافة السلام” للحد من العنف والممارسات التمييزية.

3- توفير العمل اللائق وريادة الأعمال: تدرك مدن التعلم أن الاقتصادات القائمة على المعرفة يجب ألا تفاقم اللامساواة، بل يجب أن تستحدث فرص عمل لائق لجميع السكان. ولتحقيق ذلك، توفر المدن برامج تدريب مهني تتوائم مع احتياجات القطاعات الاقتصادية المحلية، وتنشئ قواعد بيانات للوظائف الشاغرة لتيسير وصول الباحثين عن عمل إليها. كما تدعم المشروعات الاجتماعية الموجهة للشباب، وتقدم برامج إرشادية لتعزيز ريادة الأعمال لدى النساء والفئات الضعيفة، مع تشجيع إنتاج وتسويق المنتجات المحلية في المناطق المنخفضة الدخل.

4- تكامل المؤشرات لضمان الاستدامة : لتأطير هذه الجهود، دعت اليونسكو الحكومات المحلية إلى دمج أهداف التنمية المستدامة في سياساتها الحالية، واستخدام مجموعة مؤشرات قابلة للتدبير تجمع بين الملامح الرئيسية لمدن التعلم والغايات العالمية. وقد أظهرت الوثائق ترابطا وثيقا بين الملامح والأهداف؛ فعلى سبيل المثال، يرتبط الملمح الخاص بتمكين الأفراد بالغاية المتعلقة بضمان إلمام الشباب والكبار بالقراءة والكتابة، والغاية الخاصة بضمان اتخاذ قرارات تشاركية، كما يرتبط الملمح الخاص بالحد من الآثار السلبية على البيئة بالغايات المتعلقة بإدارة نفايات البلديات وتخفيض إنتاج النفايات من خلال إعادة التدوير.