لقد غرقت البشرية في محيط المعلومات حتى باتت غير قادرة على مواكبة هذه الأمواج الهائلة. وفي ظل هذا “التسونامي” الرقمي، لم يعد السؤال التربوي الجوهري: كم حجم ما يتعلمه الطالب؟ أو كم يحفظ من حقائق وقوانين ونصوص؟ بل غدا السؤال الأكثر إلحاحًا وعمقًا: كيف يتشكل وعيه؟ وأيُّ بناء داخلي يتكون في وجدانه وهو يواجه هذا السيل الجارف من المعطيات؟ وهل يخرج من منظومة التعليم محملاً بالأرقام والتواريخ والتعاريف فقط، أم يخرج محصنا بأدوات التفكير، وقادرا على النظر والتحليل والاعتراض، وبناء موقف إنساني أخلاقي من العالم؟

إن المجتمعات المعاصرة لا تعاني اليوم من فقر في المعلومات؛ فالمعلومة باتت ملقاة على قارعة الطريق الرقمي، لكنها تعاني بشدة من “هشاشة في الفهم”، واضطراب في المعنى، وضعف القدرة على التأمل والنقد. لقد صار الوصول إلى المعرفة متاحًا للجميع بضغطة زر، لكن امتلاك الوعي القادر على غربلة هذه المعرفة وتحليلها، بات عملةً نادرة.

وقد نتج عن ذلك أن أفرزت المدرسة الحديثة أجيالا تجيد الإجابة لكنها تخشى السؤال، وتحفظ المعلومة دون أن تمتلك القدرة على توظيفها في فهم الواقع أو نقده. ومن هنا، يصبح بناء الجيل المثقف مشروعا تربويا يتجاوز أسوار المدرسة، ليشمل الأسرة، والمعلم، والبيئة الثقافية التي يعيش فيها الطالب.

وهنا، يتجلى الفارق الجوهري والحاسم بين التعليم وبين التربية، وهو الفارق الذي أشار إليه المفكر التربوي جيروم برونر حين أكد أن التعليم الحقيقي لا يقوم على تكديس المعرفة في رأس المتعلم، بل على “إدخال الفرد في ثقافة مجتمع ما”، وبناء الفهم داخل سياق ثقافي يمنح التعلم معناه الإنساني (1).

الأسرة مختبر الوعي الثقافي

قبل أن تطأ قدم الطفل بوابة المدرسة، وربما قبل أن يمسك قلمه الأول، يكون وعيه قد بدأ بالتبلور داخل الأسرة بوصفها المعمل الأول لغرس بذور الوعي الثقافي، حيث تنمو اللغة، وتتحدد زاوية النظر إلى العالم، ويُبنى الموقف الأولي من المعرفة.

أيضا في هذا الفضاء الصغير ترسم الخطوط العريضة لشخصية الطفل الفكرية. ففي البيوت التي يمارس فيها الحوار، وتحترم فيها الأسئلة مهما بدت ساذجة أو مربكة، وتتداول فيها الأفكار على مائدة الطعام كما يتداول الخبز، ينشأ الطفل وهو يرى المعرفة جزءا طبيعيا من الحياة اليومية. يرى الكتب على الرفوف كجزء من أثاث المنزل الضروري، ويسمع النقاش حول القضايا العامة، فيدرك مبكراً أن الثقافة ليست حلية للتفاخر، بل طريقة عيش، وأن الكلمة أداة للمشاركة لا وسيلة للعقاب.

أما في البيوت التي تختزل التربية في “ثقافة الصمت”، حيث تسود الأوامر والنواهي، ويطلب من الطفل أن يصمت أكثر مما يطلب منه أن يفكر؛ فإن الطفل قد يتعلم الانضباط الظاهري، لكنه يخسر في المقابل الجرأة الفكرية، والفضول المعرفي، واستقلال التفكير. إنه يتعلم درسا خطيرا مفاده أن الأمان في الصمت وأن السؤال قد يجر عليه المتاعب.

ومن خلال تجربة تربوية ميدانية في العديد من المدارس، يمكن بوضوح ملاحظة أن الطلاب الذين ينحدرون من بيئات أسرية تحفز القراءة والحوار يظهرون قدرة أعلى على التحليل والمناقشة داخل الصف، ويمتلكون شجاعة أدبية لطرح الأسئلة؛ بينما يواجه غيرهم صعوبة في التعبير عن الرأي، وخشية من الوقوع في الخطأ أمام المعلم والزملاء. فالأسرة لا تصنع طفلاً مثقفاً بكمّ المعلومات التي تلقنه إياها، بل بالمناخ الحواري، وبالقدوة اليومية، وبجعل السؤال فعلاً مشروعاً لا خطيئة تربوية، وهو ما ينسجم مع الطرح النقدي لـ باولو فريري الذي ربط تشكّل الوعي بالسياق الإنساني المباشر والتفاعل مع الواقع (2).

مفهوم الثقافة في السياق التربوي

يختلط على كثيرين مفهوم الثقافة، فغالبا ما تختزل في تراكم المعلومات العامة، أو في معرفة أسماء الكتب والمفكرين والمدارس الفكرية. غير أن الثقافة في معناها التربوي والعميق أبعد من ذلك بكثير. الثقافة ليست مجرد “ماذا نعرف”، بل “كيف نفكّر فيما نعرف”، وكيف نفهم العالم، وكيف نبني موقفنا منه، مرحلة تتعدى حفظ المعلومات لتصل إلى وعي سياقاتها ومعناها وأثرها.

لنتأمل المثال التالي: الطالب الذي يحفظ تعريف الحرية عن ظهر قلب، لكنه لا يُسأل عن حدودها ومسؤولياتها، أو يردد تواريخ المعارك ودروس التاريخ دون أن يربطها بأسئلة الحاضر وتحديات الواقع، لا يعد مثقفا مهما كانت درجاته عالية؛ لأنه لا يزال خارج دائرة  فهم المعنى وسياقاته.

 ولهذا، فإن المدرسة التي تركز على الحفظ دون الفهم، وعلى الإجابة النموذجية الموحدة دون التفكير النقدي، قد تخرج طلابا متفوقين دراسيا أو ناجحين ورقيا، لكنها نادرا ما تُخرّج مثقفين أو فاعلين حقيقيين في المجتمع. وقد تنبهت تقارير منظمة اليونسكو الحديثة لهذه الفجوة، محذرة من الأنظمة التعليمية التي تختزل الإنسان في بعد واحد هو البعد المعرفي التحصيلي (3).

الثقافة الحقيقية تظهر في اللحظات الحرجة، في الكيفية التي يتعامل بها الطالب مع الرأي المخالف، وقراءة نص ينتمي إلى خلفية مغايرة لقناعاته، وكيف يوازن بين انتمائه لهويته وانفتاحه على الآخر، هنا تتجلى الثقافة بوصفها تربية للذوق العقلي والوجداني معا.

التربية بوصفها مشروعا لبناء الإنسان

ليست التربية عملية محايدة أو تقنية صرفة؛ فكل نظام تربوي يجيب -صامتًا أو مصرحًا- عن سؤال وجودي: أي إنسان نريد؟هل نريد إنسانا واعيا يشارك بفعالية لإثراء مجتمعه؟ هل نريد طالبا سلبيا يكتفي بالتلقي أم شريكا في صناعة المعرفة؟

حين تتحوّل المدرسة إلى مؤسسة لقياس الدرجات فقط، أو ماكينة لفرز الطلاب، فإنها تفقد بعدها الإنساني، وتختزل الطالب في رقمأو نتيجة. أما حين تدرك أن دورها يتجاوز التعليم إلى تشكيل العقل والوجدان، فإنها تصبح فضاء لبناء الإنسان القادر على التفكير، وتحمل المسؤولية. هذا التحول يتطلب الانتقال من “النموذج البنكي”في التعليم (حيث المعلم يودع المعلومات في رأس الطالب السلبي) الذي انتقده باولو فريري بشدة، إلى “نموذج المشكلة”(Problem-Posing) حيث المعلم والطالب شريكان في البحث عن الحقيقة.

تحديات الواقع العربي في بناء الوعي الثقافي

رغم النوايا الحسنة والجهود المبذولة، تواجه مدارسنا العربية جملة من التحديات الهيكلية والثقافية التي تعيق أداء دورها التنويري، ولعل أبرزها:

  1.    هيمنة ثقافة الامتحان: لقد أصبح الامتحان غولا يلتهم وقت التعلم الحقيقي. تحول العام الدراسي إلى سباق محموم نحو ورقة الاختبار، مما جعل التركيز ينصب على “ماذا سيأتي في الامتحان؟”بدلاً من “ماذا سنستفيد في الحياة؟”.
  2. ازدحام المناهج وضيق الوقت: تتزاحم الدروس في الجداول الدراسية، حتى لا يبقى للحوار الحر إلا دقائق عابرة ومسروقة، ولا يتاح للنقاش العميق إلا مساحات ضيقة مهددة دائمًا بتهمة “إضاعة وقت الحصة”.
  3. الخوف من الأسئلة المفتوحة: يخشى بعض المعلمين الأسئلة التي لا توجد لها إجابة نموذجية في الكتاب، لأنها قد تفتح بابًا لسجال فكري يخشون عدم القدرة على إدارته، أو الخروج عن النص المقرر.
  4.    تراجع القراءة الحرة: ضعفت مكانة المكتبة المدرسية لصالح المذكرة المختصرة والملخصات الجاهزة، مما كسر الجسر الحيوي بين الطالب وبين عالم الكتب الواسع.

وغالبا ما يطرح المنهج المزدحم بوصفه العائق الأكبر، غير أن الحقيقة التربوية الأعمق هي أن بناء الوعي الثقافي ليس وحدة دراسية تضاف إلى المنهج، ولا نشاطا يقام مرة في السنة، إنما تحول في جوهر منهجية التدريس ذاتها، ومنهج تفكير يتسرب إلى كل درس وحصة، وكل سؤال، وكل حوار، مهما كانت المادة الدراسية.

دور المعلم الأساسي

وسط كل هذه العوامل، يظل المعلم حجر الزاوية في أي مشروع تربوي ثقافي. فالمعلم لا ينقل المعرفة فقط، بل ينقل “موقفًا من المعرفة”. لغته، أسلوبه، نبرة صوته حين يصحح خطأً، لغة جسده حين يستمع لرأي مخالف، طريقته في الاعتراف بعدم المعرفة أحيانًا.. كل هذه العناصر تشكّل ما يسمى “المنهج الخفي”الذي يتسرب إلى وعي الطالب دون أن يشعر.

المعلم المثقف يفتح أفق التفكير ويعلم طلابه آلية السؤال قبل طرق الإجابة، لأن الطلاب يتأثرون بما يمثّله من نموذج إنساني وفكري وأخلاقي، وهو ما أكد عليه باركر بالمر حين ربط جودة التعليم بصدق المعلم ونزاهته (Integrity) لا بمحتوى الدرس وتقنياته وحده (4).

إذن المعلم الحقيقي هو الذي يجعل من غرف الصف مساحة آمنة للخطأ والمحاولة، لا محكمة لإصدار الأحكام.

دور الفنون في بناء الذائقة وتوسيع أفق الوجدان

غالبًا ما تستبعد الفنون من دائرة الجد في مدارسنا، فتعامل كأنها استراحة أو ترف هامشي. والحقيقة أن الثقافة في جوهرها ليست عمليات عقلية فقط، بل تذوقا للجمال، وتربية للحس. ولهذا، فإن إدماج الفنون في البيئة المدرسية يعد أداة أساسية لبناء الوعي، فهي تسهم في:

  1. تنمية القدرة على التأويل: قراءة الرموز، وفهم الإشارات، والبحث عن المعاني الكامنة خلف الصور والنصوص.
  2.     تحرير التفكير الإبداعي: تدريب الخيال على التحليق خارج قيد الإجابة الواحدة الصحيحةالتي تسيطر على المواد العلمية.
  3. بناء الذائقة الثقافية: تمكين الطالب من التمييز بين الفن الراقي والفن الهابط، وبين الفكرة العميقة والفكرة السطحية، بدلاً من الاستهلاك السلبي لكل ما يُعرض عليه.

نموذج مدرسة مثقفة في خطوات بسيطة

لا يحتاج تحويل المدرسة إلى بيئة ثقافية إلى ميزانيات ضخمة أو قرارات وزارية كبرى بقدر ما يحتاج إلى إرادة ووعي، ويمكن للمدرسة أن تبدأ بخطوات بسيطة لكنها عميقة الأثر:

  1. تخصيص وقت للحوار الفكري: ساعة أسبوعية للنقاش الحر حول قضايا تهم الطلاب، بعيدًا عن سطوة المنهج والدرجات.
  2. تفعيل القراءة النقدية: الانتقال من “تلخيص الكتب”إلى “مناقشة أفكار الكتب”، ونقدها، والاشتباك معها.
  3. ربط الدروس بالحياة: تحويل السؤال من “عرف ما يلي”إلى “أين ترى هذا المفهوم في حياتك اليومية؟”.
  4.     إدماج الفنون في المشاريع: تشجيع الطلاب على التعبير عن فهمهم للمواد العلمية والأدبية عبر وسائط فنية (رسم، مسرحية، مناهج، تصميم، …  الخ).
  5.     تدريب المعلمين: ليس فقط على طرق التدريس، بل على مهارات التفكير النقدي، وإدارة الحوار، وتقبل الاختلاف.

البيئة المدرسية والثقافة الممارسة

عملية بناء الثقافة غير مقتصرة على داخل الصف وحده، وإنما تشمل تفاصيل الحياة المدرسية اليومية، من  لغة الإدارة مع الطلاب، وطبيعة الأنشطة،  واحترام الرأي المختلف في ساحة المدرسة، إلى المساحة الممنوحة للطالب ليكون فاعلًا ومسؤولاً لا مجرد متلقٍ للتعليمات. المدرسة المثقفة هي التي تُشعر الطالب بأنه جزء من مجتمع صغير يتعلّم فيه قيم الحوار، والمسؤولية، والانتماء، والمواطنة، وهو ما تؤكده الرؤى التربوية العالمية المعاصرة (5).

خاتمة.. أي زرع نحصد؟

يبقى السؤال معلقا فوق أسوار مدارسنا: ماذا نزرع في قلوب وعقول أبنائنا؟ أهي سنابل معلومات جاهزة تُقطف على عجل في موسم الامتحان ثم تجفّ مع أول ريح نسيان؟ أم هي بذور تفكيرٍ نقديّ تمتد جذورها في التربة العميقة للوعي، وتستمر في النمو كلما واجه صاحبها تجربة جديدة أو سؤالًا مغايرًا؟

الجواب عن هذا السؤال سيرسم ملامح الإنسان القادم، ويحدد نوع الحضارة التي نريد أن نسهم في بنائها.