يروي الاقتصادي الفرنسي جان مارك دانيال، أستاذ الاقتصاد في المدرسة الأوروبية لإدارة الأعمال (ESCP)، تاريخ الاقتصاد على شكل دراما بشرية تبدأ من العصر الحجري وتصل إلى عصر الذكاء الاصطناعي. صدرت النسخة العربية من الكتاب عن دار الساقي عام 2023 م بترجمة جلال بدلة، وطرح المؤلف رحلة تاريخية تربط الابتكار بالسياسة، موضحا بناء المنتجين للثروة مقابل استحواذ الريعيين عليها، وحلل دانيال الازدهار الحضاري نتيجة لانتصار المنتجين، كما فسر الركود بأنه عاقبة لسيطرة الطبقات الريعية على القرارات الاقتصادية.
منتجون أم ريعيون؟
يبني دانيال سرديته على صراع تاريخي أزلي يجمع المنتجين والريعيين. المنتجون هم أصحاب المحراث، وتضم شريحة الفلاحين والعمال والمخترعين ورواد الأعمال الذين يحولون المواد الخام والأفكار قيمة مضافة، وهؤلاء يدفعون عجلة التاريخ إلى الأمام عبر عملهم الإبداعي المنتج.
أما فئة الريعيين تتمثل في البيروقراطيين والجماعات الاحتكارية المستحوذة على الثروة دون إنتاج حقيقي، وهؤلاء يغرقون الأسواق بالضرائب الثقيلة، ويفرضون قوانين تحمي مصالحهم الضيقة، ويعيقون حركة النمو.
وأكد المؤلف دانيال على فكرة ارتهان ازدهار الحضارات تاريخيا بهيمنة المنتجين، وفي الصورة المقابلة وجد تغول الريعيين يؤدي إلى الركود الاقتصادي والانهيار.
التقدم والهروب الكبير
تناول المؤلف في مقدمته لغز الثورة الصناعية المنطلقة من أوروبا رغم تفوق الصين القديم في اختراعات كبرى شملت البوصلة والبارود والورق، وعزاها إلى الحرية الاقتصادية في أوروبا، حيث سمح ضعف السلطة المركزية وتنافس المدن بترك مساحة للمنتجين للابتكار، مما أدى هذا المناخ إلى تسميته بـ “الهروب الكبير” ، من فقر العصور الوسطى إلى وفرة العصر الحديث. وأبرز دانيال التباين مع الصين القديمة من باب التدليل على أهمية الحرية في دفع التقدم الاقتصادي، لأن الابتكار يزدهر في ظل بيئات التنافس غير المقيدة.
تطور النقود
يبرز الكتاب دور النقود الأساسي في عملية النمو الاقتصادي، وشرح دانيال دور استقرار العملة ضاربا المثال بعملة “سولدوس” في عهد الإمبراطور الروماني قسطنطين، وكان ذلك حجر الأساس لاستقرار الإمبراطوريات. نقل اختراع النقود الورقية الاقتصاد من قيود المعادن المحدودة إلى آفاق الثقة اللامحدودة، ومكن أيضا من تمويل المشاريع الضخمة.
وذكر المؤلف بأن النقود فتحت أبواب التضخم والديون في حال سوء الإدارة، واعتبر عامل الثقة الحاسم في الاستقرار الاقتصادي المعاصر.
قوانين تفسر الواقع المعاصر
بسط دانيال بعض المفاهيم الاقتصادية المعقدة عبر استعراض قوانين اقتصادية رئيسة؛ مثلا “قانون فاغنر” الذي يعود للاقتصادي الألماني أدولف فاغنر عام 1893 م، ويشير إلى وجود علاقة طردية موجبة بين التطور الاقتصادي وحجم الإنفاق العام، حيث يرى أن زيادة نصيب الفرد من الدخل تدفع الدولة لتوسيع أنشطتها والخدمات الاجتماعية. هذا يعني أن النمو الاقتصادي يحتم زيادة الإنفاق الحكومي لتلبية الاحتياجات المتنامية للمجتمع، ويؤدي ذلك لتضخم الجهاز الإداري وإثقال كاهل المنتجين بالضرائب.
كما استعرض “مثلث مونديل” (المثلث المستحيل) المعني باستحالة الجمع بين حرية حركة رأس المال، ثبات سعر الصرف، واستقلال السياسة النقدية في آن واحد. تضطر الدول دائما لاختيار ضلعين والتضحية بالثالث، وفسر المؤلف الكثير من تقلبات الأسواق العالمية الحالية وصراعات العملات.
الرقمنة والمستقبل
شخص المؤلف دانيال التكنولوجيا بوصفها «محراث القرن الحادي والعشرين»؛ فبينما يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تحرير الإنسان من عناء الأعمال الشاقة، فإنه قد يُفرز في المقابل «ريعاً رقمياً» جديداً تسيطر من خلاله شركات عملاقة وخوارزميات بيروقراطية على مسارات الثروة، ليعود الصراع بذلك إلى نقطته الأصلية بين المنتجين الحقيقيين والمستحوذين الجانين للأرباح بلا جهد إنتاجي
يؤكد دانيال أن الاقتصاد في جوهره ملحمة تقوم على الحرية والابتكار، وما تكوين الثروات إلا نتاج طاقات العقل البشري وخوضه غمار التجربة والمخاطرة. وعلى هذا الأساس، جاء الكتاب ليفسر الأزمات الاقتصادية الراهنة بوصفها نتاجا لخيارات انحازت لفئة الريعيين على حساب المنتجين مما يفرض ضرورة استعادة عنصر التوازن الكفيل بحماية الابداع الإنساني من الاندثار.
