دفع الزكاة في مشروعات للفقراء هو مما حدد الشرع فيه الأصناف التي تصرف إليها أموال الزكاة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة: 60] الآية..
وهو تحديد لا يجوز الخروج عنه، فلا يجوز زيادة أصناف تدفع إليها مال الزكاة غير المذكورة في الآية، أما وجوه إنفاق مال الزكاة على هذه الأصناف فمحل اجتهاد وليس قطعيا كما في تحديد المستحقين للزكاة، ولهذا اختلف الفقهاء في تفسير قوله تعالى: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين”، هل اللام للتمليك، أم للمصرف و الاختصاص؟ فذهب الحنفية والمالكية إلى أنها للمصرف والاختصاص وليس للتمليك، قال الشلبي:
“فلا يلزم أن تكون مملوكة لهم، فتكون اللام لبيان محل صرفها”.
وقال ابن الهمام: “حقيقة اللام الاختصاص”،
وقال أبو الطاهر التنوخي: “وهذه اللام عندنا لام الصرف، لا لام التمليك”،
وفي حاشية الصاوي: “لأن اللام في قوله تعالى:” إنما الصدقات للفقراء”، الآية لبيان المصرف، لا الملك”.
كما نصوا على أن الزكاة حق لله وليس للفقراء، لكنه – سبحانه- أرشد إلى إنفاقها عليهم. ومذهب الشافعية أن اللام للتمليك، قال الشيرازي:
“فأضاف جميع الصدقات إليهم بلام التمليك”،
وقال الغزالي: “أضاف المال إليهم بلام التمليك”.
وعليه، فإن تمليك مال الزكاة لمستحقيها من الأصناف الثمانية محل اتفاق، وإنفاقها عليهم بأي وجه من الوجوه المشروعة التي تسد حاجاتهم مشروع – أيضا- على مذهب من يرى الاختصاص لا التمليك، وكأن المعنى من الآية: أنفقوا مال الزكاة على هذه الأصناف لا غيرها. ويرى بعض الفقهاء أن التمليك هو إعطاء مال الزكاة أو قيمتها للفقراء، فقد نص الحنيفة على أن الإطعام من مال الزكاة لا يجوز، بخلاف تمليكه الطعام، قال ابن نجيم:
“.. لو أطعم يتيما بنيتها لا يجزئه لعدم التمليك إلا إذا دفع له الطعام كالكسوة إذا كان يعقل».
وتخريجا على القول باختصاص مال الزكاة لمستحقيها من الأصناف وعدم اشتراط التمليك – عند من يقول به-، فيجوز إقامة المشروعات التي يعود نفعها المباشر على الفقراء والمساكين مما يختص بالضرورات والحاجات، من الطعام والشراب والتداوي، وكذا ما يحتاجه لمهنته وحرفته من الآلات ونحوها. وعليه، فإن صرف المال الزكاة يجوز في حق الأرامل والنساء المعيلات والأطفال السوريين المهجرين ممن ينطبق عليهم أوصاف الفقراء والمساكين، ويعانون من ضعف الموارد وغياب مصادر الدخل والاستقرار؛ لأنهم يندرجون تحت مصرف (الفقراء والمساكين)
أما فيما يخص المشروعات المقترحة: فيجوز صرف مال الزكاة في برامج التدخل المبكر والعلاج الطبيعي والتكامل الحسي للأطفال من ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة؛ لأنه يجوز إخراج الزكاة على مداواة المرضى الفقراء؛ إذ التداوي إما أن يكون من الضرورات أو الحاجات، وهو مندرج تحت حفظ النفس التي هي من مقاصد الشريعة. كما يجوز إخراج مال الزكاة على التدريب المهني للنساء المعيلات كالخياطة والتطريز والأشغال اليدوية والطبخ بما يعزز فرص حصولهن على مصدر دخل كريم، وقد نص الفقهاء على مثل هذا، حيث قال النووي – رحمه الله-:
“ومن كان تاجرًا أو خبازًا أو عطارًا أو صرافًا أُعطي بنسبة ذلك، ومن كان خياطًا أو نجارًا أو قصارًا أو قصابًا أو غيرهم من أهل الصنائع أُعطي ما يشتري به الآلات التي تصلح لمثله، وإن كان من أهل الضياع يعطى ما يشتري به ضيعة أو حصة في ضيعة تكفيه غلتها على الدوام”.
ولما كان عطاؤه على قدر حاجته لمهنته لا لطعام وشرابه؛ تخرج عليها جواز الصرف على التأهيل المهني؛ لأن لازمه الكفاية والاغتناء للفقراء.
أما صرف الزكاة في برامج تعليمية كالحاسب الآلي واللغة العربية واللغة التركية، وكذلك تعليم وتحفيظ القرآن الكريم، والاستشارات النفسية والتربوية والأسرية، فلا يجوز فيه صرف مال الزكاة؛ لأنه قد اتفقت كلمة الفقهاء على عدم جواز إخراج الزكاة في تعليم وتحفيظ القرآن، كما أن التوسع في تعليم البرامج وكذلك الاستشارات النفسية والتربوية لا يندرج تحت حاجة الفقير الضرورية؛ لأنها أمور لا تنضبط، بخلاف التأهيل المهني؛ لأن مآله تحويل الفقير إلى غني مكتسب. وضبط السماح بإقامة المشروعات من مال الزكاة يجب أن يكون بموافقة الجهات المختصة وإشراف الدولة، حتى لا يتوسع في إنفاق الزكاة في غير وجهها المشروع.
