لطالما شُغلت الساحة الفكرية في التراث العربي الإسلامي بجدلية العلاقة بين “الحكمة” و”الشريعة”، أو بعبارة أدق، بين آليات التفكير العقلاني اليوناني (المنطق) وبين آليات الاستنباط الفقهي (أصول الفقه). وفي قلب هذه المعمعة المعرفية، يقف أبو حامد الغزالي (ت 1111م) كشخصية مفصلية أحدثت “انقلاباً معرفياً” عندما أضفى الشرعية على المنطق الأرسطي، جاعلاً منه مقدمة واجبة لكل العلوم، بما فيها العلوم الشرعية، بعد أن كان يُنظر إليه بعين الريبة كمدخل للزندقة.
يأتي كتاب “منطق الغزالي وحضوره لدى مفكري الغرب الإسلامي خلال القرن الثالث عشر الميلادي” للباحث الدكتور محمد بن يعيش، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2025) ، ليفتح ملفاً شائكاً ودقيقاً في تاريخ الأفكار: كيف استقبل “الغرب الإسلامي” (الأندلس والمغرب) -المعروف بخصوصيته المالكية والأشعرية وبنضجه الفلسفي- هذا المشروع الغزالي؟ وهل استسلمت العقلانية الرشدية (نسبة لابن رشد) لسطوة التوفيق الغزالي؟
مؤلف هذا الكتاب هو الباحث المغربي محمد بن يعيش أستاذ التعليم العالي وباحث في الفلسفة والمنطق، ورئيس شعبة الفلسفة وعلوم التربية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة طنجة – تطوان – الحسيمة، المغرب. أستاذ محاضر في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان – المغرب. حائز الدكتوراه في الفلسفة من جامعة محمد الخامس، الرباط – المغرب. من مؤلفاته: “المنطق الإسلامي: حضور المنطق الأرسطي لدى مفكري المشرق الإسلامي”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2023)؛ “أوليات نمط التفكير الفلسفي” (2020)؛ “مدخل إلى علم النفس الاجتماعي” (2019).

تكمن قيمة هذا العمل، الذي يقع في 320 صفحة ، في أنه لا يكتفي بالسرد التاريخي، بل يغوص في البنية العميقة للنصوص، متتبعاً أثر الغزالي في “تبيئة المنطق” وأسلمته، وكاشفاً عن خريطة فكرية معقدة انقسم فيها مفكرو الغرب الإسلامي بين رافضٍ لخلط المنطق بالأصول (ابن رشد)، وبين متبنٍّ لهذا المشروع بحماسة (ابن طملوس، المكلاتي، ابن ميمون).
الأطروحة المركزية.. “المنطق” من أداة فلسفية إلى معيار أصولي
ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها أن الغزالي ساهم بحظ وافر في تشكيل الخطاب الفكري (الفلسفي، الكلامي، والمنطقي/الأصولي) لدى مناطقة الغرب الإسلامي. ويجادل المؤلف بأن فهم مكانة الغزالي في هذه الرقعة الجغرافية لا يتأتى إلا من خلال فحص مستويين:
- المستوى الفلسفي/الكلامي: حيث كان حضوره طاغياً في الجدل حول العقائد والإلهيات.
- المستوى المنطقي/الأصولي: وهو محور الكتاب، حيث دعا الغزالي إلى دمج المنطق في “أصول الفقه” ليكون معياراً لضبط النظر والاجتهاد.
يبرز الكتاب أن الغزالي لم يكن مجرد ناقل للمنطق الأرسطي، بل كان “مُعيد تشكيل” له؛ فقد عمل على تغيير المفاهيم المنطقية اليونانية في مباحث “الحد” و”القضية”، مستبدلاً إياها بمصطلحات إسلامية، وأحل “القياس الفقهي” محل “القياس الأرسطي” في بعض المواضع، بهدف إلباس المنطق حلة إسلامية تجعله مقبولاً لدى الفقهاء. كانت غاية الغزالي -كما يوضح المؤلف في الفصل الثاني- تسخير هذا العلم لأغراض إيمانية محضة، واعتباره سلاحاً للدفاع عن العقيدة، وليس بلوغ اليقين البرهاني المجرد كما أراد الفارابي وابن سينا.
المفارقة الرشدية.. الإعجاب بالأصولي والتجاهل للمنطقي
يشكل الموقف “الرشدي” (موقف ابن رشد الحفيد) العصب الإشكالي الأبرز في الكتاب. يخصص المؤلف مساحة واسعة (الفصل الرابع) لتحليل العلاقة الملتبسة بين “الشارح الأكبر” (ابن رشد) و”حجة الإسلام” (الغزالي).
يكشف المؤلف عن “مفارقة” غريبة في تعاطي ابن رشد مع الغزالي:
- الحضور القوي: يعترف ابن رشد بالغزالي ويناقشه بحدة في القضايا الكلامية والفلسفية (كما في “تهافت التهافت” و”فصل المقال”)، مما يؤكد التأثير العميق للغزالي في تشكيل الخطاب الفلسفي لابن رشد، ولو من باب الرد والنقد.
- التغييب التام: في المقابل، يتجاهل ابن رشد تماماً “منطق الغزالي”. في مختصراته المنطقية والأصولية (مثل “مختصر المستصفى”)، يُقصي ابن رشد الغزالي “المنطقي” ولا يذكره.
يحلل الكتاب سر هذا “التجاهل المتعمد” ويرجعه إلى موقف منهجي صارم لدى ابن رشد: رفض “خلط العلوم”. رأى ابن رشد أن المنطق علم برهاني يسعى لليقين، بينما أصول الفقه علم جدلي ظني؛ وبالتالي، فإن دعوة الغزالي لدمج المنطق في الأصول هي “تلبيس” يفسد العلمين معاً. كان ابن رشد يدافع عن “نقاء” المنطق الأرسطي ضد محاولات “الأسلمة” التي اعتبرها تشويشاً على الحقيقة الفلسفية.
الثورة على المعلم.. تلاميذ ابن رشد ينتصرون للغزالي
لعل أخطر ما يكشفه الكتاب هو أن “المدرسة الرشدية” لم تكن كتلة صماء؛ فقد خرج من عباءتها مفكرون خالفوا “المعلم الأول” (ابن رشد) وانتصروا لمشروع الغزالي. يستعرض المؤلف في الفصول (الخامس والسادس والسابع) نماذج لمفكرين من الغرب الإسلامي تبنوا “النموذج الغزالي” (المنطق + الأصول) واعتبروه الحل الأمثل لأزمة المعرفة الدينية.
ابن طملوس.. الجسر بين الحكمة والشريعة:
في الفصل السادس، يسلط المؤلف الضوء على “ابن طملوس”، تلميذ ابن رشد، الذي ألف كتابه “المدخل لصناعة المنطق”. بخلاف شيخه، دافع ابن طملوس عن مشروع الغزالي، مؤكداً أنه اطلع على كتب الإمام المنطقية فلم يجد فيها ما يناقض الشرع. لقد رأى ابن طملوس في “تبيئة” الغزالي للمنطق وتغييره للمصطلحات اليونانية عملاً محموداً يُقرب العلوم العقلية من الجمهور المتدين، مما جعله أحد أكبر المدافعين عن “أسلمة المنطق” في الأندلس.
المكلاتي.. سلاح المنطق في يد المتكلم:
يقدم الكتاب “المكلاتي” في الفصل السابع كنموذج للمتكلم الأشعري في الغرب الإسلامي الذي استوعب الدرس الغزالي تماماً. في كتابه “لباب العقول في الرد على الفلاسفة”، لم يكتفِ المكلاتي برفض الفلسفة، بل استخدم “المنطق” كأداة لهدمها، سائراً على درب الغزالي في “تهافت الفلاسفة”. يرصد المؤلف كيف وظف المكلاتي الآليات المنطقية في قضايا “قدم العالم” و”نفي السببية الضرورية”، مبيناً أوجه الالتقاء الدقيقة بينه وبين الغزالي في تحويل المنطق من “خادم للفلسفة” إلى “خادم لعلم الكلام”.
أبو حجاج يوسف الماجري:
يتناول الكتاب شخصية “الماجري” ورسالته “أسهل الطرق إلى فهم المنطق”. يذهب الماجري أبعد من سابقيه في تقديس المنطق، معتبراً إياه “منحة إلهية” و”كرامة” لا يعطيها الله إلا لمن أحب من أوليائه. هذا الموقف الصوفي-المنطقي يعكس ذروة التأثر بالغزالي الذي اعتبر أن “من لا معرفة له بالمنطق لا يوثق بعلمه”.
الغزالي خارج الأسوار.. التأثير في الفكر اليهودي (ابن ميمون)
تتجلى سعة أفق الكتاب في الفصل الخامس، حيث يتجاوز الدائرة الإسلامية ليرصد حضور منطق الغزالي لدى المفكرين اليهود في الأندلس، وعلى رأسهم موسى بن ميمون. يشير المؤلف إلى أن ابن ميمون تبنى أطروحة الغزالي الداعية إلى دمج المنطق بأصول الدين.

لقد وجد الفيلسوف اليهودي في المشروع الغزالي (التوفيق بين العقل والنقل عبر تأويل النصوص باستخدام أدوات منطقية) طوق نجاة للفكر الديني اليهودي من الحرفية والتجسيم. وبهذا، ساهم ابن ميمون في نقل الإرث الغزالي إلى الفضاء الأوروبي واللاتيني لاحقاً، مما يؤكد أن مشروع “تبيئة المنطق” كان عابراً للأديان في بيئة الغرب الإسلامي المتعددة.
القراءة النقدية للكتاب.. منهجية البحث وخلاصاته
يتميز كتاب محمد بن يعيش بمنهجية “استشكالية تشخيصية”، كما يصفها هو في المقدمة ، حيث لا يسعى لتقديم إجابات نهائية بقدر ما يسعى لتفكيك بنية الخطاب. ويمكن إجمال أهم الخلاصات التي انتهى إليها العمل في النقاط التالية:
انتصار النموذج الغزالي:
رغم قوة ابن رشد الفلسفية، فإن التاريخ الفكري للغرب الإسلامي انحاز في النهاية لخيار الغزالي (المنطق الأصولي). كان هذا الخيار أكثر واقعية وقدرة على تلبية حاجات الفقهاء والمتكلمين للدفاع عن العقيدة وتقنين الفقه، بخلاف “المنطق البرهاني” الصارم لابن رشد الذي بقي نخبوياً.
التواصل الثقافي المستمر:
يدحض الكتاب فكرة “القطيعة” بين المشرق والغرب الإسلامي. فالغزالي المشرقي كان حاضراً بقوة في الأندلس والمغرب، ليس فقط كفقيه، بل “كمهندس للعقل” من خلال المنطق.
تعدد وجوه الحضور
أثبتت الدراسة أن حضور الغزالي لم يكن نمطياً؛ فقد كان “متكلماً” عند البعض، و”فقيهاً” عند آخرين، و”منطقياً ثورياً” عند فئة ثالثة. وهذا التعدد هو سر بقاء أثره حياً ومؤثراً.
إعادة الاعتبار للمنطق
يُعد كتاب “منطق الغزالي وحضوره لدى مفكري الغرب الإسلامي” إضافة نوعية للمكتبة الفلسفية العربية. إنه يعيد الاعتبار لـ”المنطق” كساحة للصراع الأيديولوجي والفكري، وليس مجرد قواعد صورية جافة. من خلال صفحات هذا الكتاب، نكتشف كيف تحول المنطق من “علم دخيل” يحاربه الفقهاء، إلى “فرض كفاية” وشرط للاجتهاد، بفضل الذكاء التوفيقي للغزالي، وبفضل تلامذته في الغرب الإسلامي الذين التقطوا الإشارة، وطوعوا “الآلة اليونانية” لتتحدث بلسان عربي مبين، ولتخدم مقاصد الشريعة. إنها قصة نجاح لمشروع “التبيئة” الثقافية، وقصة فشل لمشروع “الفصل” الرشدي، مما شكل ملامح العقل العربي الإسلامي لقرون تلت.
