انتقل إلى رحمة الله تعالى الأستاذ الدكتور خالد فهمي، أستاذ اللغويات بكلية الآداب في جامعة المنوفية وخبير مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والرئيس الأسبق لمجلس إدارة دار الكتب المصرية، الذي وافته المنية مساء الثلاثاء 2 ذي الحجة 1447 هـ الموافق 19 مايو 2026 م عن ستة وخمسين عاما. ومع غيابه تفقد العربية واحدا من علمائها، وقامة لغوية رفيعة تركت بصمة في سجلات علوم اللغة العربية والمعاجم المعاصرة.
وجاء إعلان الرحيل في القاهرة مثقلا بحزن أكاديمي وثقافي واسع. فقد نعاه رئيس جامعة المنوفية الدكتور أحمد القاصد، مشيرا إلى مكانته العلمية والأدبية، وإلى الأثر الذي تركه بين طلابه وزملائه. ونعاه مجمع اللغة العربية بالقاهرة، مستعيدا سيرة باحث جمع التدريس الجامعي والبحث العلمي وتحقيق التراث وصناعة المعجم.
وقال المجمع في بيان نعيه إن الدكتور خالد فهمي، الأستاذ بكلية الآداب في جامعة المنوفية وخبير المجمع، مضى بعد رحلة طويلة من العطاء العلمي والثقافي، تاركا إرثا علميا بارزا أثمر أكثر من ستين كتابا منشورا في مجالات اللغة والدراسات العربية. وأشاد البيان بإسهاماته في خدمة العربية والبحث العلمي، وتقدم بخالص العزاء إلى أسرته ومحبيه وتلاميذه، داعيا الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يدخله فسيح جناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
وبدوره قدم الدكتور سلامة جمعة داود جامعة الأزهر خالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة العالم الراحل، مؤكدا أنه مضى بعد رحلة حافلة بالعطاء العلمي المثمر، داعيا للفقيد بأن يتغمده الله بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
السيرة الذاتية
ولد خالد فهمي إبراهيم محمد في القليوبية عام 1970، وتخرج في كلية الآداب بجامعة عين شمس سنة 1991 بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف. ثم حصل على الماجستير سنة 1995 عن الجهود اللغوية للثعالبي، قبل نيله الدكتوراه من جامعة المنوفية سنة 1999 بمرتبة الشرف الأولى عن “تراث المعاجم الفقهية في العربية في ضوء صناعة المعجم الحديث”ومنذ تلك البدايات، أخذت المعجمية موقع القلب في مشروعه. فاللغة عنده ذاكرة وعمل ومعرفة، والتحقيق مجال لإحياء النص في زمن جديد، والمعجم باب لفهم الثقافة وبنية التفكير.
تدرج الدكتور خالد فهمي – رحمه الله – في العمل الجامعي، من جامعة حلوان إلى جامعة المنوفية، وترقى حتى نال الأستاذية سنة 2011م، ودرس علم اللغة، وفقه اللغة، والمعاجم، وتحقيق النصوص، ومناهج البحث، والمصطلحية، والاتجاهات اللغوية المعاصرة. ومن مدرجات الجامعة خرج أثره إلى مؤسسات العلم والثقافة فعمل في مجمع اللغة العربية، ودار الكتب المصرية، واتحاد كتاب مصر، ولجان التراث والمخطوطات والتحكيم العلمي.
وكان “التشغيل الحضاري للتراث الإسلامي” واحدا من مفاتيح نظرته إلى التراث، ففي حوار سابق له مع “إسلام أون لاين”، قدم التراث باعتباره طاقة عمل لا مخزونا ساكنا، ودعا إلى التعامل معه بمنهج يميز بين الأداة والمنهج، ويفتح باب الإفادة من وسائل العصر مع صيانة الخصوصية المعرفية للأمة.
ومن هذا المنطلق اتسع مشروعه من فقه اللغة إلى الدفاع عن اللسان العربي، ومساءلة الدعاوى التي تتهم العربية بالصعوبة والعجز عن مواكبة العصر. وتضم قائمة أعماله البارزة عناوين تكشف امتداد هذا المشروع بين التراث واللسانيات والمعجمية، منها: “ثقافة الاستهانة”، و”زمان المعجم”، و”اللسانيات والوعي المعرفي”، و”أنشودة المتن والهامش”، إلى جانب دراسته في “الجهود اللغوية للثعالبي” وتحقيقه “فقه اللغة وسر العربية”، وعمله في “تراث المعاجم الفقهية في العربية في ضوء صناعة المعجم الحديث”، وبحثه “السهام الطائشة” الذي درس فيه حملات النيل من العربية ونظامها الخطي، وواجهها برؤية تستند إلى الدين والتاريخ واللسانيات.
ومع نبأ وفاة الدكتور خالد فهمي استعاد تلاميذه ومحبوه على منصات التواصل الاجتماعي صورة الأستاذ المنصت، الهادئ، القريب من طلابه، صاحب الخلق الرفيع والغيرة على العربية، وأعادوا تداول عبارات كتبها قبل أشهر عن الخوف من النسيان بعد الموت.
رحم الله الأستاذ الدكتور خالد فهمي وأسكنه فسيح جناته.
