في الرابع والعشرين من يوليو 2026، غادر العالم واحدٌ من أبرز العقول الأكاديمية التي خصّصت عمرها المديد لفهم الإسلام والمسلمين، وبناء جسور التفاهم بين الحضارتين الغربية والإسلامية. البروفيسور جون لويس إسبوزيتو (John Louis Esposito)، أستاذ الدين والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية بجامعة جورجتاون، رحل عن عمر ناهز 86 عاماً في مدينة فيلادلفيا إثر مضاعفات جراحية في القلب، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ضخماً يتجاوز 55 كتاباً ومئات المقالات، وآلاف الطلاب الذين تتلمذوا على يديه.
لم يكن إسبوزيتو مجرد أكاديمي عادي يدرس الإسلام من وراء مكتبه في واشنطن، بل كان مترجماً ثقافياً حقيقياً، ومدافعاً شرساً عن فهم موضوعي للإسلام في مواجهة موجات الإسلاموفوبيا المتصاعدة، ووسيطاً أميناً بين عالمين طالما ساء الفهم بينهما. يُعدّ الرجل ظاهرةً فكرية ومؤسسية استطاعت، في أوج أزمات الاستقطاب السياسي والأيديولوجي، أن تنتقل بالدراسات الإسلامية في الغرب من أروقة الاستشراق الكلاسيكي المتأثر بالحمولات الاستعمارية، إلى رحاب التحليل العلمي المنصف والمستقل.
أسس مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي-المسيحي، وكان مستشاراً للرؤساء الأمريكيين ووزارات الخارجية، وكتب مئات المقالات في الصحف العالمية الكبرى، ليصبح –بلا مبالغة– الصوت الأكاديمي الغربي الأكثر مصداقية في الحديث عن الإسلام في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
في هذا البروفايل الشامل، نستعرض حياة رجل آمن بأن “الجهل عدو الإنسانية”، وكرّس عمره لمحاربته.
النشأة والمسار الروحي.. من الدير إلى عمق الدراسات الإسلامية
وُلد جون لويس إسبوزيتو في 19 مايو 1940 في حي بروكلين بمدينة نيويورك، لعائلة أمريكية من أصول إيطالية كاثوليكية ملتزمة. نشأ في بيئة دينية محافظة، والتحق بمدارس كاثوليكية في طفولته، مما غرس فيه منذ الصغر اهتماماً عميقاً بالدين واللاهوت.
عشر سنوات في الدير:
في مرحلة مبكرة من شبابه، دخل إسبوزيتو دير الرهبان الكبوشيين، حيث قضى نحو عشر سنوات من حياته في الصمت والصلاة والخدمة، متدرّباً على حياة الكهنوت الكاثوليكي. هذه التجربة المبكرة شكّلت جزءاً أساسياً من تكوينه الروحي والأخلاقي، ومنحته فهماً عميقاً للدين من الداخل، قبل أن يتحول مساره نحو الأكاديمية الفلسفية واللاهوتية.
نقطة التحول:
في سن الرابعة والعشرين، اتخذ إسبوزيتو قراراً صعباً بمغادرة الدير قبل ترسيمه كاهناً. هذا التحول لم يكن نهايةً لمسيرته الدينية، بل كان بدايةً لمسار فكري جديد قاده إلى دراسة اللاهوت، ثم تدريس اللاتينية والتربية الدينية.

نقطة التحول الكبرى في حياته جاءت عندما قاده إلحاح أحد أساتذته إلى دراسة مساق عن الإسلام. هناك، اكتشف إسبوزيتو ديناً يقر بالوحي والأنبياء، ويُجل مريم العذراء، وهو ما أشعل فضوله الفكري ودفع به نحو دراسة الإسلام بعمق.
المسيرة التعليمية:
- البكالوريوس: حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من كلية كوينز (Queens College) التابعة لجامعة مدينة نيويورك عام 1962.
- الماجستير: التحق بجامعة تمبل (Temple University) في فيلادلفيا، حيث حصل على درجة الماجستير في اللاهوت عام 1964.
- الدكتوراه: أتمّ دراساته العليا في جامعة تمبل أيضاً، وحصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 1974، تحت إشراف المفكر الفلسطيني الأمريكي البارز الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي، الذي يُعد أحد أعلام الفكر الإسلامي في المهجر.
كان إسبوزيتو أول طالب دكتوراه يشرف عليه الفاروقي في برنامج الدراسات الإسلامية، وقد أثّر الفاروقي عميقاً في منهجية إسبوزيتو نحو فهم الإسلام من مصادره الذاتية وسياقاته التاريخية، بعيداً عن الأحكام المسبقة. وظل إسبوزيتو طوال حياته يذكر لأستاذه فضله في فتح هذا الباب المعرفي أمامه.
التجربة الميدانية:
خلال دراسته للدكتوراه وبعدها، سافر إسبوزيتو إلى مصر وباكستان وإيران لإجراء أبحاث ميدانية، حيث تعرّف عن كثب على المجتمعات الإسلامية، وتعلّم اللغة العربية، ودرس في جامعة الأزهر بالقاهرة. هذه التجربة الميدانية العميقة منحته مصداقية نادرة بين الأكاديميين الغربيين، إذ لم يدرس الإسلام من الكتب فحسب، بل عاش بين أهله وتفاعل مع ثقافاتهم.
المسيرة الأكاديمية.. من “هولي كروس” إلى “جورجتاون”
مرحلة كلية الصليب المقدس (1976-1993):
بدأ إسبوزيتو مسيرته الأكاديمية في كلية الصليب المقدس (College of the Holy Cross) في ورسستر بولاية ماساتشوستس، حيث درّس لأكثر من 20 عاماً. في هذه الكلية اليسوعية العريقة، أصبح إسبوزيتو أول رئيس قسم من غير اليسوعيين في تاريخ الكلية، حيث ترأس قسم الأديان ورأس مركز الدراسات الدولية.
مرحلة جامعة جورجتاون (1993-2026):
في عام 1993، انتقل إسبوزيتو إلى جامعة جورجتاون (Georgetown University) في واشنطن العاصمة، حيث قضى بقية حياته المهنية لأكثر من ثلاثة عقود، وصاغت هذه المحطة الجزء الأكبر من إرثه المؤسسي والفكري.
المناصب الأكاديمية:
- أستاذ الدين والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية في كلية إدموند وولش للخدمة الخارجية (Walsh School of Foreign Service) بجامعة جورجتاون.
- أستاذ متميز (University Professor)، وهو أعلى لقب أكاديمي تمنحه الجامعة، ويُمنح لعدد محدود جداً من الأساتذة المتميزين.
- مدير مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي-المسيحي (Prince Alwaleed Bin Talal Center for Muslim-Christian Understanding)، وشغله حتى تقاعده.
- مؤسس ورئيس تحرير مجلة “المسلمون في الشؤون العالمية” (The Muslim World)، وهي واحدة من أعرق المجلات الأكاديمية المتخصصة في الدراسات الإسلامية.
- مؤسس ومدير مشروع الإسلاموفوبيا (The Islamophobia Project) ومبادرة “الجسر” (The Bridge Initiative) في مركز الأمير الوليد، والتي تخصصت في رصد وتوثيق ومكافحة الخطابات العنصرية والتخويف من الإسلام في وسائل الإعلام والسياسات الغربية.
الريادة المؤسسية:
يُعدّ إسبوزيتو الباحث الوحيد في التاريخ الذي ترأس كلاً من:
- جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية (MESA)
- الأكاديمية الأمريكية للدين (AAR)
وهما أكبر هيئتين علميتين في حقليهما، مما يعكس مكانته العلمية الرفيعة غير المسبوقة.
التدريس والإشراف:
درّس إسبوزيتو آلاف الطلاب، وأشرف على عشرات رسائل الدكتوراه، وتخرّج على يديه جيل كامل من الباحثين والدبلوماسيين والصحفيين المتخصصين في الشؤون الإسلامية. كان يُعرف بأسلوبه الأكاديمي الصارم، وحرصه على الدقة، وتشجيعه للطلاب على التفكير النقدي.
التأسيس المؤسسي.. مركز “الوليد بن طلال” صرح للحوار الحضاري
تعد محطة جامعة جورجتاون الأبرز في مسيرة إسبوزيتو المؤسسية؛ حيث أسس عام 1993 مركز التفاهم الإسلامي-المسيحي (Center for Muslim-Christian Understanding)، والذي توسع لاحقاً بدعم مؤسسي عام 2005 ليعرف باسم مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي-المسيحي (ACMCU)، بتمويل من الأمير الوليد بن طلال آل سعود.

تولى إسبوزيتو إدارة المركز سنوات طويلة، ليتحول تحت قيادته إلى المرجع الأكاديمي الأول في العاصمة الأمريكية واشنطن لصناع القرار، والإعلاميين، والباحثين الراغبين في فهم تحولات العالم الإسلامي.
كما أطلق مشروع “المبادرة الجسرية” (The Bridge Initiative)، الذي تخصص في رصد ونقد الخطابات العنصرية والتخويف من الإسلام في وسائل الإعلام والسياسات الغربية، ليصبح مرجعاً أساسياً في توثيق ظاهرة الإسلاموفوبيا.
المشروع الفكري.. تفكيك “التهديد المتبادل” ونقد فرضية صراع الحضارات
ارتكز مشروع إسبوزيتو البحثي على مفاهيم رئيسية شكلت إسهامه الفكري الأبرز:
1. نقض أطروحة صراع الحضارات:
يقف إسبوزيتو على طرف نقيض من أطروحات صامويل هنتنغتون، حيث ظل يؤكد أن التوتر بين الغرب والعالم الإسلامي ليس ناتجاً عن صدام حتمي بين القيم الدينية، بل عن سياسات ومظالم تاريخية وسوء فهم متبادل تغذيه التيارات المتطرفة في الجانبين. اعتبر أطروحة هنتنغتون “وصفة لتحويل سوء الفهم إلى قدر محتوم”، وجادل بأن الإسلام ليس عدوًا للغرب، وأن التعميمات حوله تخدم أجندات سياسية معينة.
2. التمايز بين الإسلام والإسلاموية:
ميّز إسبوزيتو بوضوح بين:
- العقيدة الإسلامية كدين يضم أكثر من مليار ونصف المليار إنسان.
- الحركات الإسلامية السياسية المتنوعة في أهدافها وبرامجها.
- التطرف والعنف كظواهر هامشية لا تمثل الإسلام.
دعا الغرب إلى التعاطي مع الحركات الإسلامية بناءً على ممارساتها وسياقاتها الوطنية بدلاً من وضعها جميعاً في سلة واحدة، وفرّق داخل تيارات الإسلام السياسي نفسها بين الحركات التي اختارت صناديق الاقتراع وتلك التي حملت السلاح.
3. الديمقراطية والإسلام:
دافع إسبوزيتو استناداً إلى مسوح ميدانية واسعة عن عدم وجود تعارض بنيوي بين القيم الإسلامية ومبادئ الحكم الرشيد والديمقراطية، مؤكداً أن غالبية الشعوب المسلمة تتطلع للحرية والديمقراطية مع الاحتفاظ بهويتها الدينية.
4. أهمية السياق والنص:
كان إسبوزيتو يؤمن بأن فهم إيمان الناس وممارساتهم اليومية يتطلب الجمع بين النص والسياق. وقد قادته هذه المنهجية إلى السفر والالتقاء بالعديد من قادة الحركات الإسلامية والعلماء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، مما أثرى رؤيته وأبحاثه.
5. مواجهة الإسلاموفوبيا:
انتقد إسبوزيتو الإسلاموفوبيا واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتحيز. وقد تعرض بسبب مواقفه هذه لهجمات من تيار المحافظين الجدد وبعض اللوبيات الصهيونية، الذين وصفوه بأنه “مدافع عن الإسلام الراديكالي”، لكنه لم يتوانَ عن مواصلة مشروعه الفكري.
في كتابه “الحرب غير المقدسة: الإرهاب باسم الإسلام” (Unholy War: Terror in the Name of Islam) عام 2002، الذي كتبه بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة، أوضح أن الإرهابيين لا يمثلون الإسلام، وأن أفعالهم تتعارض مع تعاليمه الأساسية، وأن “شيطنة مليار مسلم ردًا على جريمة الإرهابيين هي هدية مجانية لهم.
المكتبة العلمية.. إرث معرفي لا ينضب
ترك إسبوزيتو إرثاً كتابياً ضخماً يتجاوز 55 كتاباً ومئات المقالات في مجلات أكاديمية محكمة وصحف عالمية، تُرجمت إلى 35 لغة حول العالم، وغدت مراجع أساسية في التدريس الجامعي عبر القارات.

الكتب الرئيسية:
- “الإسلام: الطريق المستقيم” 1988(Islam: The Straight Path)– يُعدّ من أكثر الكتب المدرسية استخداماً في الجامعات الأمريكية لدراسة الإسلام، واعتمدته مئات الجامعات حول العالم كمقرر دراسي، وصدرت له طبعات متعددة محدّثة.
- “الخطر الإسلامي: وهم أم حقيقة؟”1992 (The Islamic Threat: Myth or Reality?) – كتابه الأشهر، صدر في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، وجادل فيه بأن الغرب كان يبحث عن عدو جديد ليحل محل الشيوعية، وأن الإسلام أُسكن قسراً هذه الخانة. أثار الكتاب جدلاً واسعاً وأصبح عنوانه لازمة في النقاش الغربي حول الإسلام، وتوالت طبعاته حتى الطبعة السادسة عام 2012.
- “الحرب غير المقدسة: الإرهاب باسم الإسلام”2002 (Unholy War: Terror in the Name of Islam) – تحليل عميق للإرهاب بعد 11 سبتمبر.
- “ما الذي يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام”2002 (What Everyone Needs to Know About Islam) – كتاب صدر بعد 11 سبتمبر، يهدف إلى تقديم معلومات أساسية وموضوعية عن الإسلام للقارئ الغربي.
- “من يتحدث باسم الإسلام؟ ما الذي يفكر فيه مليار مسلم حقاً؟”2007 (Who Speaks for Islam? What a Billion Muslims Really Think) – بالاشتراك مع الباحثة داليا مجاهد، يستند إلى أكبر مسح ميداني أجرته مؤسسة “غالوب” في أكثر من 35 دولة إسلامية، ليخلص إلى أن صورة “المسلم الغاضب” التي يكرسها الإعلام الغربي تناقض ما يقوله المسلمون عن أنفسهم.
- “مستقبل الإسلام” 2010(The Future of Islam)، 2010 – قراءة استشرافية للتحديات والفرص في القرن الحادي والعشرين.
- “الإسلاموفوبيا: تحدي التعددية في القرن الحادي والعشرين” 2011 (Islamophobia: The Challenge of Pluralism in the 21st Century)، – بالاشتراك مع إبراهيم كالا.
الموسوعات والمحرّرات:
- “موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث” (The Oxford Encyclopedia of the Modern Islamic World) – موسوعة مرجعية ضخمة أشرف على تحريرها لتغطية الفكر والمؤسسات والأعلام في العالم الإسلامي المعاصر.
- “تاريخ أكسفورد للإسلام” (The Oxford History of Islam)، 1999 – موسوعة ضخمة حرّرها، وتُعدّ مرجعاً أساسياً.
- “الموسوعة الأكسفوردية للإسلام السياسي” (Oxford Encyclopedia of Islam and Politics)، 2013.
- “قاموس أكسفورد للإسلام” (Oxford Dictionary of Islam).
- فهارس أكسفورد الببليوغرافية في الدراسات الإسلامية (Oxford Bibliographies in Islamic Studies) – محرر عام.
المقالات والصحافة:
نشر إسبوزيتو مئات المقالات في صحف مثل The New York Times وThe Washington Post وThe Wall Street Journal وFinancial Times وNewsweek وTime، وكان ضيفاً متكرراً في شبكات CNN وBBC وAl Jazeera.
الاستشارات
لم يقتصر دور إسبوزيتو على الأكاديميا، بل كان مستشاراً مؤثراً للحكومات والمؤسسات الدولية:
- مستشار لوزارة الخارجية الأمريكية في شؤون العالم الإسلامي خلال إدارات متعددة.
- مستشار لوزارة الدفاع (البنتاغون).
- مستشار للأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى.
- عضو في مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations).
- مستشار للحكومات الأوروبية في قضايا الحوار بين الأديان.
كان يُعرف بجرأته في قول الحقيقة للسلطة، حتى عندما كانت آراؤه غير مرحب بها. بعد أحداث 11 سبتمبر، حين تصاعدت الدعوات لـ”حرب على الإسلام”، كان من أوائل الذين حذّروا من خطورة تعميم الاتهام على مليار ونصف المليار مسلم.
التكريم والجوائز.. اعتراف عالمي بالإسهامات
حظي إسبوزيتو بتقدير واسع على مستوى العالم، ومن بين التكريمات التي نالها:
- سبع درجات دكتوراه فخرية من جامعات حول العالم.
- جائزة مارتن إي مارتي (Martin E. Marty Award) للفهم العام للدين.
- جائزة قائد الأعظم من باكستان لإسهاماته المتميزة في الدراسات الإسلامية.
- وسام الاستحقاق من الحكومة الإيطالية.
- جوائز بحثية وتعليمية متعددة من جامعة جورجتاون.
- عضوية في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم.
- تصنيفه ضمن “أكثر 500 مسلم تأثيراً في العالم” في قائمة مركز الدراسات الاستراتيجية الملكي في الأردن لعدة سنوات متتالية.
الإرث والتأثير والحياة الشخصية
تزوج إسبوزيتو من نانسي إسبوزيتو، التي كانت أيضاً باحثة في الدراسات الإسلامية، وتعاون معها في عدة مشاريع بحثية. عاش في واشنطن العاصمة معظم حياته، وكان معروفاً بتواضعه وحبّه للتفاعل مع الطلاب والناس العاديين، رغم شهرته العالمية.
رحل جون إسبوزيتو، لكن إرثه يبقى حياً في:
- مركز الأمير الوليد بن طلال الذي أسسه، والذي يستمر في عمله كمنارة للحوار بين الأديان.
- مبادرة “الجسر” (The Bridge Initiative) التي أسسها لمكافحة الإسلاموفوبيا.
- مؤلفاته التي تُدرَّس في مئات الجامعات حول العالم.
- تلاميذه الذين يتولون الآن مناصب أكاديمية ودبلوماسية مهمة.
- المعايير الأكاديمية التي وضعها لدراسة الإسلام في الغرب، والتي أصبحت مرجعاً للباحثين الجدد.
في عالم يزداد استقطاباً، وتشتد فيه موجات الكراهية بين الحضارات، يبقى إسبوزيتو نموذجاً نادراً لأكاديمي آمن بأن الفهم أفضل من المواجهة، والحوار أفضل من الحرب، والعلم أفضل من الجهل.
صوت العقل في زمن الضجيج
كان جون إسبوزيتو، في جوهره، رجل إيمان بالحوار والتعايش، ورجل عقل يرفض التبسيط والتعميم. في زمن سادت فيه الصور النمطية، كان هو الصوت الذي يقول: “الإسلام ليس كتلة واحدة، والمسلمون ليسوا سواء”. في زمن تصاعدت فيه الإسلاموفوبيا، كان هو الباحث الذي يوثّق بالبيانات والأرقام أن الخوف من الإسلام مبالغ فيه ومضر.
رحل البروفيسور إسبوزيتو، لكن رسالته تبقى: أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نحاور قبل أن نواجه، وأن نبني الجسور قبل أن نبني الجدران.
