من جوامع كلمه ـ ﷺ ـ التي تفتح أبواب الأمل والعمل لكل مسلم، قوله: “كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ”. هذا التوجيه النبوي الكريم يوسع مفهوم الصدقة ليشمل كل أفعال الخير، ولا يحصرها في المال فقط.
نص الحديث ومعناه
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِىِّ ـ ﷺ ـ قَالَ: « كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ » (رواه البخاري).
أقوال العلماء في شرح حديث “كل معروف صدقة”
- قال ابن بطال: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير يكتب له به صدقة.
- قال الراغب: المعروف اسم كل فعل يعرف حسنه بالشرع والعقل معًا، ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف.
- وقال ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عرف بأدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا.
والمراد بالصدقة هنا: الثواب، فإن قارنته النية أجر صاحبه جزمًا، وإلا ففيه احتمال.
شمولية الصدقة في الإسلام
الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا تختص بأهل اليسار (الأغنياء) مثلاً، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة.
قال ابن بطال: وأصل الصدقة ما يخرجه المرء من ماله متطوعا به، وقد يطلق على الواجب لتحري صاحبه الصدق بفعله. ويقال لكل ما يحابي به المرء من حقه: صدقة؛ لأنه تصدق بذلك على نفسه (فتح الباري 17 / 165).
الصدقة لا تقتصر على المال فقط بل تتعداه إلى غيره كنصرة المظلوم، وإعانة العاجز والمستغيث، والأمر بالمعروف، وترك الشر.
“كل معروف صدقة” حتى في كف الشر
فعن أبي موسى الأشعري ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ عَنِ النَّبِىِّ ـ ﷺ ـ قَالَ: « عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ». قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: « يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ ». قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: « يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ » قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ؟ قَالَ :« يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ ». قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: « يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ » (متفق عليه).
أنواع الصدقات غير المالية (تطبيق عملي لحديث كل معروف صدقة)
1. الذكر والعلاقة الزوجية
من ألوان الصدقة: التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والنهي عن المنكر، وجماع الرجل لزوجته. فعَنْ أَبِى ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ـ ﷺ ـ قَالُوا لِلنَّبِىِّ ـ ﷺ ـ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: « أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْىٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِى أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: « أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ » (رواه مسلم).
2. الأخلاق والمعاملات اليومية
ومن ألوان الصدقة التي تندرج تحت “كل معروف صدقة”: الابتسامة في وجه المسلم، وإرشاد المسلم إلى الطريق الصحيح، وإعانة الأعمى، وإماطة الأذى عن الطريق، وصب الماء في آنية المسلم.
فعن أبي ذر الغفاري ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قال: قال رسولُ الله ـ ﷺ ـ : « تَبَسّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالمَعْروفِ ونهيُكَ عن المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وإِرْشَادُكَ الرّجُلَ في أَرْضِ الضّلاَلِ لَكَ صَدَقَةٌ، وبَصَرُكَ لِلرّجُلِ الرّدِيءِ البَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ والشّوْكَ والعَظْمَ عن الطّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ » (رواه الترمذي بإسناد حسن).
3. العدل والمشي إلى الصلاة
ومن ألوان الصدقة: العدل بين المتخاصمين، وإعانة الرجل ليركب دابته، ورفع المتاع على دابة المسلم، والكلمة الطيبة، وكل خطوة إلى المسجد للصلاة.
وعن أَبي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ﷺ ـ : « كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ – قَالَ – تَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِى دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ – قَالَ – وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ » (متفق عليه).
السلامى: بضم السين المهملة وتخفيف اللام، وهو المفصل، وجمعه سلاميات بفتح الميم وتخفيف الياء (شرح النووي على مسلم 7 /93).
صدقة الجسد وعتق النفس من النار
وعن عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قالت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ ﷺ ـ قَالَ: « إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِى آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلاَثِمَائَةِ مَفْصِلٍ فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلاَثِمِائَةِ السُّلاَمَى فَإِنَّهُ يَمْشِى يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ ». قَالَ أَبُو تَوْبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ « يُمْسِى » (رواه مسلم).
