مخطط البحث:
- لمحة عن الاستشراق الروسي من القرن الثامن عشر حتى فترة كراتشكوفسكي
- كراتشكوفسكي. سيرة حياته
- تعريف بأهم اعمال كراتشكوفسكي
- دور كراتشكوفسكي في الاستعراب الروسي
- كتاب: الاستشراق والعالم الإسلامي (2022) من تأليف أ.د. محمود الحمزة
- لمحة عن الاستشراق الروسي من القرن الثامن عشر حتى فترة كراتشكوفسكي [1]
بدأت الصلات بـين روسيا والعالم الإسلامـي زمن الدولة العباسية، حيث تبادلت الدولة الإسلامـية السفارات مع روسيا، ولمّا ضمت روسيا إليها بعض المناطق الإسلامـية ازداد الاهتمام بالإسلام والعالم الإسلامـي، وقد أفادت روسيا من الدراسات العربـية والإسلامـية في أوروبا خصوصا في فرنسا، حيث أوفدت روسيا بعض الباحثين للدراسة في مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس.
وقد شجعت الحكومات الروسية في العهود المختلفة دراسة التـراث العربـي الإسلامـي خصوصا ذلك الذي يتعلق بالأقاليم الإسلامـية الواقعة تحت سيطرة روسيا، وذلك لتوسيع المعرفة بالشعوب الإسلامـية، وكانت المصادر الثقافية العربـية تشكل ركناً أساسياً من مصادر معرفة شعوب القوقاز وآسيا الوسطى، هذه المعرفة انعكست بشكل إيجابـي لمصلحة روسيا كما يعتـرف بذلك المستشرقون أنفسهم، بل ذهب الأمر ببعض هؤلاء إلى اعتبار التـراث الشرقي الإسلامـي جزءاً من تـراثهم. إذ يقول أحد المستشرقين الروس: نحن الروس، وجمـيع الذين في الساحة الروسية القيصرية السابقة، شرقيون بـروحيتنا، وجزء من أراضينا موجود في آسيا، وثلثي حدودنا مع دول آسيوية مثل تـركيا والصين”.
وفي عام 1716 أمر الامبـراطور بطرس الأول بتـرجمة القرآن إلى اللغة الروسية في بطرسبورغ من قبل بطرس بوسنـيكوف، الذي أنجز أول تـرجمة للقرآن إلى الروسية، حيث تمت من نسخة فرنسية وضعها ديو ري (1647) في العام 1763. ثم صدرت أول تـرجمة روسية لكتاب «ألف ليلة وليلة» وكان لإنشاء كراسي اللغات الشرقية في الجامعات الروسية أثـره في نشأة وتطور المدرسة الاستشراقية، فاستحدثت جامعة خاركوف في العام 1804 كرسياً لتدريس اللغات الشرقية وبدأت جامعة قازان في العام 1811 بتدريس الألسنـية.
لقد كان للاستعراب الروسي منذ البداية مدرستان متمايـزتان، ارتبطت إحداهما بوزارة الخارجية الروسية، وقد أسهمت هذه المدرسة في خدمة القرار السياسي والمصالح الروسية الخارجية، إذ بـرز في ذلك الوقت اتجاه للدراسات الشرقية لأغراض سياسية، يحركها التعصب الدينـي، ولكن في الوقت نفسه كان هناك حركات تقف ضد هذه التـيارات المتعصبة وضد الدراسات الشرقية الكنـيسية غيـر المستندة إلى وقائع تاريخية ثابتة. أما المدرسة الثانـية فقد اعتمدت الطابع المعرفي العلمـي البحت، وحرص المستعربون فيها على استقلالية عملها. هذه المدرسة نشأت وما زالت في بطرسبورغ، حيث بذلت جهود كبـيـرة من قبل العلماء في بطرسبورغ لتحقيق درجة من الاستقلال المهنـي ونشر الدراسات بعيداً عن التوجه السياسي.
وتمت الاستعانة بعلماء من الغرب، كما كان الشأن بالنسبة إلى المجالات الأخرى المختلفة، فعندما بدأ القيصر بطرس الأول الإصلاحات في السياسة والعلوم والجيش ومختلف أوجه الحياة في روسيا، استعان بالخبـرات الأوروبـية من فرنسا وألمانـيا وإنكلتـرا وهولندا، ولكن «الاستعراب» الروسي ما لبث أن أخذ بتكوين نفسه معتمداً على المصادر الشرقية الإسلامـية مباشرة، بداية من خلال التبادل الثقافي الذي جرى والمعايشة المباشرة للموظفين والعسكريين الروس في مناطق الفولغا والبحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى. أما في شمال القوقاز فقد عاشت اللغة العربـية حياة كاملة ليس في الكتابة فحسب، بل وفي الحديث أيضاً.
ويذكر كراتشكوفسكي في كتابه حول تاريخ الاستعراب الروسي أن التقاليد العلمـية في مجال الاستعراب الروسي تبلورت في بداية القرن التاسع عشر. أما قبل ذلك فجرى تـراكم للمعلومات العملية المتعلقة باللغة العربـية والبلدان العربـية. وكانت هناك بوادر للتعرف على الثقافة العربـية في روسيا الكييفية (نسبة لمدينة كييف- عاصمة أوكرانـيا المعاصرة) وروسيا الموسكوفية (نسبة إلى موسكو)
ظهرت المعلومات عن العرب في روسيا بوقت مبكر نسبـياً، وجرى ذلك عبـر التواصل المباشر أو المصادر الشرقية والغربـية. وشملت المعلومات القادمة عن العرب المجال اللغوي أو التاريخي والثقافي أو الإسلامـي أو الأدبـي. وكان الحج إلى بـيت المقدس في فلسطين أهم مصادر المعلومات، وهناك رحلة أحمد بن فضلان إلى إمارة البُلغار على ضفاف الفولغا في بداية القرن العاشر المـيلادي، واشتهر في بداية القرن 12 في كييف الطبـيب «بطرس السريانـي» الذي مثّل المدرسة الطبـية السريانـية- العربـية المكتوبة باللغتـين العربـية والسريانـية. ويعتقد كراتشكوفسكي أن كلمات عربـية دخلت اللغة الروسية مثل «مثقال» و «ألماز» وقد تكون بعض الكلمات العربـية قد انتقلت إلى روسيا بفضل التتار في القرن 13 م، وكذلك بفضل القازانـيين والبخاريين (نسبة لمدينتـي قازان وبخارى) خلال عملياتهم التجارية.
وكلمة «أرباط» (اسم شارع رئيسي في موسكو) تعنـي مكان ربط الخيل. وهناك كلمة «رافل- Рафл» المحببة لدى الروس وهي التبصيـر على الرمل، ويبدو أنها مشتقة من كلمة «رمل» العربـية. ووصلت كلمات عربـية عن طريق تتار القرم من خلال علاقاتهم القوية مع تـركيا.
ومع بداية القرن 17 للمـيلاد تدفقت الكلمات العربـية إلى اللغة الروسية عبـر القنوات الغربـية واللغات الأوروبـية وخاصة عبـر اسبانـيا وبـرتغاليا. وكانت الكلمات متنوعة منها ما هو مصطلح علمـي ومنها كلمات تتعلق بالحياة اليومـية والمعيشة واستمرت حتى اليوم عملية اغناء اللغة الروسية بكلمات عربـية من قبل المستشرقين والأدباء والرحالة.
وهناك كلمات انتقلت إلى اللغة الروسية من اللغة الفرنسية وكانت مشوهة عن أصولها العربـية لكن اللغة الروسية عرفت تلك المصطلحات قبل ذلك وبصورة أقرب للأصل العربـي مثل اسم الرسول (ص) بالفرنسية «ماغامـيت» بـينما بالروسية «محمـيد» أو «محمد».

وقد اكتسبت المكتبة الروسية روائع أدبـية تـرجمت عن العربـية من أصول هندية مثل قصة «كليلة ودمنة». ونقلت إلى اللغة الروسية قصة «حكمة أحيقار» الآشورية التـي تعود إلى القرن السابع قبل المـيلاد وموطن القصة هو بلاد ما بـين النهرين، ثم تـرجمت في القرون 9-12 م من اللغة السريانـية بدون وساطة اللغة اليونانـية. كما انتقلت أعمال أدبـية من لغات أوروبـية اقتبست من التـرجمات العربـية.
ولا يعرف الروس العاديون قصص المثقفين العرب الذين زاروا روسيا وكان لهم باع طويل في تطور روسيا. فمثلا بقيت شبه مجهولة الاشعار التـي كتبت بمناسبة زيارة بطريـرك أنطاكيا السوري يواكيم الذي زار روسيا عام 1586 في عهد القيصر فيودور إيفانوفيتش (يوحنا) بمناسبة بناء بطريـركية في روسيا. ونفس الشيء يقال عن رحلة البطريـرك ماكاريوس في منتصف القرن السابع عشر في عهد القيصر ألكسي مـيخائيلوفيتش، والتـي لم يتعرف عليها الروس إلا في القرن التاسع عشر، حيث كانت قصة الرحلة مكتوبة بالعربـية من قبل بطرس الحلبـي ابن البطريـرك ومرافقه في تلك الرحلة، ثم تـرجمها الأديب السوري الذي كان يدرّس اللغة العربـية في الجامعات الروسية جرجس مرقص.
واستطاع الروس رؤية توقيع البطريـرك باللغة العربـية في شهادة التقديـر التـي منحت لفرقة الانشاد الدينـي في روسيا (1666-1667).
وقد لعبت الشعوب المسلمة مثل تتـر الفولغا وأهل بخارى في آسيا الوسطى وشعوب شمال القوقاز دوراً مهما في الحفاظ على استخدام اللغة العربـية واستمرارها في روسيا. فقد كانت بالنسبة لهم كاللغة اللاتـينـية في أوروبا. وقد كانت العلاقات بـين روسيا الأوروبـية وبـين الشرق الإسلامـي القريب ضعيفة جداً ولم تكن هناك معرفة بالآخر.
ويقول شيخ المستعربـين الروس اغناطيوس كراتشكوفسكي أن الاهتمام في القرن الثامن عشر باللغة العربـية المنتشرة في القوقاز وآسيا الوسطى لم يجذب انتباه العلماء في روسيا بل كان محط اهتمام العسكريين والتجار والسياسيين. وفقط بعد ثورة أكتوبـر 1917 بدأ اهتمام جدي بالآداب العربـية. ويلاحظ أنه بالرغم من وجود شعوب ناطقة بالعربـية مجاورين لروسيا وبعضهم جزء من روسيا إلا أن روسيا تأخرت كثيـراً، في مجال الاستعراب كاتجاه علمـي، عن الغرب الذي لم يكن فيه شعوب مسلمة وناطقة بالعربـية.
لقد مر الاستعراب الروسي بمراحل متعددة امتدت من فتـرة ما قبل الثورة البلشفية إلى مرحلة متقدمة في تاريخه. وساهم فيه رجالات عدة من داخل روسيا والاتحاد السوفيتـي ولاحقاً من خارجها. وهذا يعنـي أن الاستعراب الروسي كان في بدايته ما يـزال يعتمد على الخبـرات الأجنبـية القادمة من أوروبا الغربـية. لكنه ما لبث أن تجاوز ذلك إلى خبـرات محلية وشرقية.
في عهد الامبـراطور بطرس الأول بدأت مرحلة جدية في التأسيس العلمـي للاستعراب، من خلال الاهتمام بإعداد الكادر المؤهل الذي يتقن اللغات الشرقية وارسال الطلبة إلى بلاد فارس وتـركيا لتعلم اللغة الفارسية والتـركية. ولم يكن بـينها اللغة العربـية. وعندما قام الامبـراطور بطرس عام 1722 بجولة على شاطئ نهر الفولغا وزار بقايا آثار إمارة البُلغار الإسلامـية طلب تـرجمة 50 عبارة كتبت على شواهد القبور العربـية والتتـرية والأرمنـية. وقام بالتـرجمة آهون قادرمامـيد سيونتشالييف، ويوسوب ايجبولاتوف والارمنـي ايفان فاسيليف.
ولم تعد تلك الآثار موجودة لكن الكتابات المتـرجمة إلى الروسية نشرت في سبعينـيات القرن الثامن عشر. ووجدت عشرون كتابة عربـية مؤرخة في الفتـرة من 1271-1342، حاولوا تـرجمتها من جديد في النصف الثانـي من القرن التاسع عشر.وقد اشرف السيد دمـيتـري كانتـيمـيـر[2] وهو خبـيـر في الفلسفة الشرقية القروسطية ومن أصل مولدافي (1673-1723) ومقرب من الامبـراطور بطرس وهو أب لكاتب ساخر روسي معروف.
وكان كانتـيمـيـر مرافقاً للإمبراطور في رحلته لذلك بادر بتأسيس أول مطبعة بحروف عربـية. وقد ألف كانتـيمـيـر كتاباً عن الإسلام باللغة اللاتـينـية تمت تـرجمته لاحقاً إلى الروسية. وفي هذه المطبعة على ضفاف الفولغا تم طباعة أول بـيان للإمبراطور باللغة العثمانـية (بحروفها العربـية) بتاريخ 15 تموز/يوليو 1722 م. وكانت هذه أول مرة في روسيا تطبع حروف عربـية ولم تتكرر التجربة إلا بعد 50 سنة.
ويـرى كراتشكوفسكي أن اهتمام الامبـراطور بطرس بالإسلام لم يكن محض صدفة بل ارتبط بالخطط السياسية والحروب الطويلة مع الأتـراك. فقد سبق وأن أمر الامبـراطور عام 1716 بتـرجمة القرآن إلى اللغة الروسية في بطرسبورغ واعتقدوا لفتـرة أن المتـرجم هو كانتـيمـيـر نفسه ثم اتضح في ستـينـيات القرن التاسع عشر أن بطرس بوسنـيكوف هو من أنجز أول تـرجمة للقرآن في روسيا.
والتـرجمة الروسية تمت من نسخة فرنسية وضعها ديو ري (1647). ولم تكن التـرجمة ناجحة والدليل هو عنوانها غيـر الموفق «القرآن عن محمد أو القانون التـركي». وشهدت فتـرة حكم الامبـراطورة كاتــرينا الثانـية موجة من التـرجمات إلى الروسية لمؤلفات وقصص عربـية من لغات أوروبـية مثل «ألف ليلة وليلة» وقصص أدبـية أخرى.
ومنذ بدايات القرن التاسع عشر بدأت تتبلور قاعدة واضحة لمدرسة الاستعراب العلمـي في روسيا والتـي تـزامنت بنشاطات علمـية كبـيـرة مثل جمع المصادر وتصنـيفها في المكتبات وكانت مدينة بطرسبورغ مركزاً أساسيا لتلك النشاطات بعد مدينة قازان.
تأسست مدرسة الاستعراب الروسي على يد المستعرب الروسي الكبـيـر الأكاديمـي كراتشكوفسكي. وهناك المئات من المستعربـين المعروفين الذين قدموا خدمات جليلة للثقافة العربـية لأنهم تـرجموا ودرسوا ونشروا الثقافة العربـية في المجتمع الروسي وتعاملوا معها بكل الحب والاحتـرام والموضوعية.
كما لعب دوراً هاماً في التواصل الثقافي العربـي-الروسي اهتمام روسيا الارثوذكسية بمهد المسيحية بلاد الشام وخاصة فلسطين وسوريا حيث قامت روسيا القيصرية بفتح مدارس دينـية للعرب باللغة الروسية في لبنان وفلسطين وسوريا. ومن الذين تعلموا في هذه المدارس الكاتب اللبنانـي الكبـيـر مـيخائيل نعيمة والمستعربة الفلسطينـية كلثوم عودة-فاسيليفا.

وقد انتشرت الثقافة العربـية والإسلامـية في روسيا بفضل العلماء العرب الذين قدموا إلى روسيا منذ القرن التاسع عشر ووهبوا أنفسهم لمساعدة الروس في تعلم اللغة العربـية وسماع النطق العربـي من الناطقين بها وكان لذلك أثـر عظيم كتب عنه المستعرب الكبـيـر الأكاديمـي كراتشكوفسكي[3] [1]، [2] ، ومنهم نذكر الشيخ المصري محمد عياد الطنطاوي (عمل في بطرسبورغ في القرن 19م) وأحمد حسين المكي (من مكة المكرمة عمل في قازان منذ 1852 م) والسوريين مـيخائيل عطايا وجرجس مرقص (في موسكو في القرن 19م) والفلسطينيين بندلي جوزي وكلثوم عودة-فاسيليفا (كلثوم تـزوجت في فلسطين من ضابط روسي وقَدِمت معه إلى روسيا في نهاية القرن التاسع عشر وعملت في موسكو سنوات طويلة في القرن العشرين، وغيـرهم الكثيـر.
ولا ننسى أن المكتبات الكبـرى في قازان وبطرسبورغ وموسكو وداغستان وفي طشقند وبخارى وغيـرها من المدن الروسية والسوفيتية (سابقاً) تحتوي على مئات الآلاف من المخطوطات العربـية المتنوعة ومنها ما هو نادر.
كما حظيت بلدان الشرق باهتمام روسي على مر العصور بسبب القرب الجغرافي وذلك في المجال الدبلوماسي والعسكري والتجاري. ولعبت دوراً كبـيـراً في توسيع معارف الروس عن الشرق ودفعتهم لدراسته بعمق، تلك العلاقات المتنوعة من رحلات التجار والعلاقات السياسية وتبادل السفراء والبعثات وأيضاً بسبب النزاعات العسكرية.
وبالرغم من أن بطرس الأول سعى لهدفه الأسمى وهو الخروج إلى بحر البلطيق، إلا أنه لم يتـرك الشرق بعيداً عن نظره. فقد أدرك بطرس بعبقريته أن روسيا ستكسب منافع مادية كبـيـرة إذا لعبت دوراً وسيطا في التجارة بـين آسيا وأوروبا. وكتب المؤرخ م. سولفيوف في كتابه «تاريخ روسيا» بأن بلدان الشرق كلها جذبت اهتمام بطرس من الصين إلى تـركيا. ويمكن القول بأن الخطط السياسية للإمبراطور بطرس في البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط هي التـي تفسر وتحدد اهتمام الامبـراطور بتلك المناطق ولغاتها وثقافاتها وتاريخها.
وقد بدأت دراسة اللغات الشرقية من مرسوم الامبـراطور بطرس وارتبطت باسمه أولى الأبحاث العلمـية المكرسة لدراسة بلدان الشرق. أما الازدياد الملحوظ لاهتمام الإمبـراطورية الروسية في النصف الثانـي من القرن الثامن عشر فيعود إلى الأحداث التاريخية التـي جرت في تلك الحقبة، حيث جرى ضم مناطق شمال القوقاز وحوض البحر الأسود والقرم وحصول روسيا على مخرج إلى البحر الأسود.
لقد أسَّسَتْ العلاقات الثقافية القديمة بـين العرب والمسلمـين، لتواصل مستمر توارثته الأجيال من الشعبـين العربـي والروسي عبـر حقب مختلفة من الزمان، وتأثـرت هاتان الثقافتان ببعضهما البعض من خلال الرواد من المبدعين الكبار، فالكاتب الروسي مكسيم غوركي يعلن مفاخرا عن تأثـره بالثقافة العربـية فيما كتبه عن الأساطيـر، حيث قال: «ينبغي أن أعتـرف شخصياً أن الحكايات كان لها تأثيـر إيجابـي تماماً على نموي العقلي حين كنت أسمعها من ثغر جدتـي والرواة الريفيين، وقد أذهلنـي ورفع من تقديـري للحكايات وأهمـيتها حقيقة كونها عملاً منشوراً. لقد قرأت في عمر الثانـية عشر «الأساطيـر العربـية الجديدة… لقد كانت طبعة من طبعات الأقاليم الصادرة في القرن الثامن عشر».
ليس غوركي وحده كان مبهوراً بالإبداعات الثقافية العربـية و «ألف ليلة وليلة» وحكايات شهرزاد، وإنما كان من قبله الكاتب الروسي صاحب رواية «الحرب والسلام» ليف تولستوي، الذي غرق في عشق الشرق، وبُهِر بالقرآن حيث قرأه جيداً، وتنبه لحياة المجتمع العربـي والإسلامـي، وأُعجب بالحكايات والأساطيـر ضمن الطبعات الشعبـية، التـي كانت تقوم الحكومة بطباعتها للقراء الروس. وكان «تولستوي يكنُّ احتـراماً عمـيقاً للقيم السامـية، التـي دعا إليها الإسلام، ويشيد بشخصية الرسول العربـي»، وكان قد ألف عدداً من الروايات والكتب، التـي تعكس تأثـره بالثقافة العربـية.
وذهب نفس ما ذهب إليه تولستوي الأدباء والشعراء الروس المشهورون أمثال مـيخائيل ليـرمونتوف، ونـيكولاي غوغول، وكان قدوة هذه الكوكبة المشرقة من كبار المبدعين الروس الشاعر الروسي ألكسندر بوشكين، الذي تأثـر بلغة القرآن وبلاغته، وتأثـر أيضاً بسيـرة النبـي محمد، كما تأثـر بالأدب الشعبـي العربـي، وكتب متأثـراً بالشرق وآدابه وفنونه كتابات شعرية كثيـرة.
وأصبحت اللغة العربـية لغة العلم وأصبح لأول مرة في التاريخ من الممكن قراءة تـرجمات الإنتاج العلمـي لحضارات متعددة قديمة وأبحاث جديدة مبتكرة على السواء بلغة واحدة، هي العربـية… فالعربـية كانت لغة العلم في سمرقند وفي غرناطة مروراً بخراسان وصقلية ومايوركة. وكان بعض العلماء إذا اشتاقوا إلى الكتابة بلغتهم الأم- الفارسية خاصة، مثل النسوي والطوسي- سرعان ما عادوا ونقلوا بنفسهم ما كتبوه إلى اللغة العربـية.
وبشكل عام لن نبالغ إذا قلنا إنه منذ القرن التاسع المـيلادي أصبح للعلم لغة وكانت هذه هي اللغة العربـية، بل أن هذه اللغة اكتسبت بدورها بعداً عالمـياً، فلم تعد لغة شعب واحد، ولا لغة أمة واحدة، بل لغة شعوب عدة وأمم مختلفة، ولم تعد لغة ثقافة بعينها بل لغة كل المعارف العقلية، وأدت وحدة هذه اللغة إلى فتح معابـر جديدة لم يكن لها وجود من قبل. وكان لهذه المعابـر جلّ الأثـر في تسهيل الاتصال المباشر بـين المراكز العلمـية المنتشرة بـين حدود الصين والأندلس.
اغناطيوس كراتشكوفسكي- شيخ المستعربين الروس (1883 –1951 )
نستند في رواية حياة المستشرق الكبير كراتشكوفسكي الى ما نشره بنفسه في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق سنة 1927:
” ولدت في 4 آذار/مارس سنة 1883 في فيلنا عاصمة ليتوانيا القديمة (فيلنوس)، وكان والدي رئيسا لمدرسة المعلمين فيها. ولم يمض من عمري سنتان حنى ارتحلت عائلتي إلى بلاد ما وراء النهر، وعين والدي رئيساً لمدرسة المعلمين في تاشكند (طشقند) وبعد مدة وجيزة عين ناظراً عاماً للمدارس في آسيا الوسطى. وابتدأت أذكر نفسي طفلا صغيرا في طشقند وأول لغة تكلمتها لغة اوزبكية لأن حاضنتي كانت اوزبكية الأصل. وكانت تأثراتي الأولى في صغري بما وقعت عيني عليه من المساجد والأسواق الشرقية وتنوع الأمم والطوائف واختلاف الألبسة. وكان لهذه التأثيرات وقع شديد في نفسي أيام طفولتي. وأكبر ظني أني غدوت ميالاً إلى الشرق وإن كنت غير مدرك هذا الميل الغريزي.

وفي سنة 1888 رجع والدي إلى فيلنوس وصار مديرا للمكتبة العمومية ورئيسا في لجنة البحث عن الآثار التاريخية القديمة، ولم يزل عاملاً فيها إلى أن فاجأته المنية رحمه الله في سنة 1903. وكنت في صغري ضعيف الصحة تتناوبني الأمراض، ولذلك كنت مع أمي إلى سنة 1892 في ملك صغير كان لنا في ولاية فيلنوس وفيه كانت خزانة الكتب الكبيرة في أنواع منوعة في العلم جمعها جدي وابي وقد ضاعت في الحرب العالمية سنة 1915 مع كل ملك لنا. وكنت اتعلم القراءة في هذه الكتب وقرأت كثيراً من المؤرخين والقصاصين في اللغة الروسية. كنت أصغر أولاد أبي وأمي ولذلك نشأت بعيداً عن العشير والأتراب وربما صار هذا سببا لحبي الوحدة وسوء الظن بالعالم والسويداء التي تعذبني أحياناً حتى الآن.
وفي سنة 1893 دخلت المدرسة الإعدادية (الجيمناز) في فيلنوس، وأكملت دروسها سنة 1901. وكانت مدرستنا من أشهر المدارس في ولايتها من حيث تاريخها وترتيبها. قامت أساس الكلية الفيلنوسية التي ألغيت سنة 1839 على اثر الثورة البولونية على روسية. وأصبحت مكتبة الكلية مكتبة عامة، وبقي قسم منها في مكتبة المدرسة ولذلك رأيت فيها بعض كتب المشرقيات كمؤلفات العلامة دي ساسي (De Sacy).
وقد حاولت في الصف الأخير أن أتعلم اللغة العربية من كتابه في الصرف والنحو المشهور ولم يتيسر لي ذلك لضخامة الكتاب وعدم المرشد. تخرج من كليتنا وفي مدرستنا عدد ليس بقليل من علماء المشرقيات المشهورين في روسية مثل سينكوفسكي (Senkovski) المعلم الأول للغة العربية في كلية لينينغراد من سنة 1820 إلى سنة 1845 وتورايف (Turaev) عضو أكاديمية العلوم ومؤسس الأبحاث في قدماء المصريين في روسية المتوفى عام 1921. وكوتوفيتش (kotovic) أستاذ اللغة المغولية في كلية لفوف (Lvov) من بلاد بولونية الآن (اليوم هي في أوكرانيا).
وكنت اهفو أيام الطلب إلى علوم اللغات والآداب لا سيما اللغات “الميتة” اللاتينية واليونانية. ومما كان يلذني ويشوقني تعلم أغني هوميروس، والروايات التمثيلية التي كتبها شعراء اليونان فكنت استظهرها وأرجعها. وكذلك كنت أحب علم التاريخ والإنشاء، وكنت اتمرن في نظم الشعر ولكن لم أظفر منه بطائل. أما الرياضيات والطبيعيات فلم تتق نفسي إليها وإن كنت غير قاصر فيها، وأحرزت قصب السبق بين أقراني ونلت نوط الذهب عقبى المدرسة.
ولم أتجاوز السادسة عشرة من عمري حتى قويت أميالي وتعينت غرائزي وصرت أفكر فيما أجعله غرض حياتي، وقد رأيت بعد بحث طويل أن العلم يجذبني إليه بقوة سحرية، وأن الشرق يكون ميدان افكاري. ولا غرابة فقد زرت الشرق في طفولتي وكان أبداً يتماثل نصب عيني. وكان لي مثال آخر في شخص أبي اراه مكباً على الكتب والأوراق في الليل والنهار يبحث عن ماضي الزمان ورجاله.
وفي سنة 1901 دخلت قسم اللغات الشرقية في جامعة لينينغراد مدفوعاً بعامل الميل وهوى النفس انضممت إلى سلك تلاميذ فرع لغات الشرق الإسلامي فصرفت اربع سنوات في دراسة اللغة العربية والفارسية والتركية والتتارية وبعض اللغات السامية كالعبرانية ولا سيما الحبشية القديمة، ودرست هذه الأخيرة على وطنيّ العلامة تورايف، ولطالما فكرت أن أمضي فيها وأتعمق لكن اللغة العربية غلبت ضرتها وجذبتني جملة إليها.
وكنت أدرس تاريخ الشرق الإسلامي برياسة العلامة بارتولد (Bartold) الذي ترجمت بعض تآليفه إلى اللغة التركية مؤخراً. وله التأثير المهم في حياتي العلمية فإنه بأسلوبه السديد المتين وانتقاده المدقق أطلعني على اسرار فلسفة التاريخ. وكذلك درست علم اللغات العام على المعلم ميليورانسكي (Melioranski) المنتقل إلى رحمة ربه سنة 1906، وعلم تاريخ الآداب العامة على العلامة إسكندر فيسيلوفسكي (Veselovski) و هو من أكابر علماء العالم باسره في هذا الفن. وكان له في نفسي تأثير قوي كتأثير بارتولد في التاريخ، وغدوت من ذلك الوقت أفكر في تطبيق أسلوبه التشبيهي على تاريخ آداب اللغة العربية، وأرجو أن أكون بلغت شيئاً من ذلك في مؤلفاتي عن العربيات.
أما العلوم العربية فدرستها على الأستاذ ميدنيكوف (Mednikov) مؤرخ فلسطين المشهور المتوفى سنة 1918 الذي أثنى على تآليفه الكونت كايتاني (Caetani) من أعضاء المجمع العلمي العربي.
أما عمدتي في العربية فهو العلامة فيكتور فون روزن (Victor von Rosen) عضو أكاديمية العلوم الذي طارت شهرته في بلاد الغرب والشرق . وكنت أيضاً أختلف إلى بعض أولاد العرب الساكنين في روسية كفضل الله صرّوف الدمشقي المتوفى سنة 1903 وأنطون خشاب الطرابلسي آخذا منهما قليلا من اللغة العربية الدارجة. ولقد أنجزت دروسي في الكلية سنة 1905 نائلا مدالية الذهب مكافأة لتأليفي عن خلافة المهدي العباسي آخذاً عن المصادر العربية كالطبري وابن الأثير والعيني والمسعودي وغيرهم.
وبعد انتهاء دروسي في الجامعة كنت أواصل دروسي تحت انظار البارون روزن المومأ إليه خلال سنتين. وفي أواخر سنة 1907 قدمت الفحص لنيل رتبة الماجسطروس (الماجستير) في الآداب العربية.
وبعد أشهر قليلة توفي أستاذي البارون روزن وكانت ضربة هائلة علي، شوست صحتي وحركت المرّة فيّ ولا غرو فإني آخر تلاميذه وكان يسميني بلطفه المعهود بنيامينه الصغير.
وفي صيف تلك السنة نفسها أرسلتني نظارة المعارف وجامعة بطرسبورج إلى الشرق العربي لتعلم اللغة العربية الدارجة والتعرف إلى علماء العربيات والنظر في عوائد أبناء الشرق وآدابها. وقد قضيت سنتين بعيداً عن الروسية زرت خلالها مدن سورية وفلسطين ومصر وتوغلت في ربى لبنان وغاباته ومروج الجليل وصحارى مصر أزور حيناً المكاتب المشهورة وحيناً أجلس أمام العلماء المكرمين، وتارة أختلف إلى المدارس الكبيرة كالكلية اليسوعية في بيروت والجامع الأزهر والجامعة المصرية في مصر وزرت في سياحاتي مكتبة الملك الظاهر في دمشق والمكتبة الخالدية في القدس ومكتبة الموارنة في حلب والمكتبة الخديوية في القاهرة وغيرها مما تنسى لي الدخول والاشتغال فيه وجمعت المواد العديدة وكتبت بعض المقالات والانتقادات والأشعار المنثورة في الجرائد والمجلات العربية والروسية .
وتعرفت خلال إقامتي في الشرق العربي إلى كثير من علماء العرب، وأدبائهم وصحافييهم ولا أنسى لطفكم وعنايتكم مدى الدهر. وكان هذا اللطف العربي المشهور من الأسباب التي جذبتني إلى الشرق جذبة لا أتخلص منها ما دمت حياً. تعرفت إلى الكثيرين من العلماء الذين صاروا من أعضاء المجمع العلمي المكرمين فيما بعد. ففي القاهرة عرفت جرجي زيدان الذي اختر مته المنية سنة 1914 وأحمد زكي باشا عضو المجمع العربي الحالي، والأستاذ نالينو الإيطالي، (Carlo Alphonso Nallino) وفي فلسطين السيد خليل السكاكيني والشاعر الفاضل إسعاف النشاشيبي، وفي بيروت حضرت دروساً للأب العلامة لويس شيخو، وفي دمشق زرت إدارة مجلة المقتبس الغراء.

واستفدت في هاتين السنتين أكثر ما استفدت طول حياتي. ولا أزال أرجو أن يرزقني الله رؤية تلك البلاد المحبوبة ومسامرة أعيان علمائها مرة ثانية، تمم الله أمنيتي بالخير فهو السميع المجيب.
وبعد رجوعي إلى الروسية عينت في صيف 1910 مديراً لمكتبة فرع اللغات الشرقية في كلية لننغراد (لينينغراد)، وفي خريف هذه السنة صرت معلما ثانياً للعربيات فيها وفي سنة 1914 سافرت إلى أوروبا لدرس بعض المخطوطات في مكاتبها المشهورة مثل ليبسك وهالّة ولا سيما ليدن من بلاد هولندا التي طارت شهرتها في الدنيا بسبب مجموعتها في الكتب. وقد اغترف منها كثير من علماء المشرقيات في أوروبا. وعينت سنة 1917 معلماً أولاً للعربيات في المدرسة المذكورة، ولم أزل اجتهد في هذه الوظيفة حتى الآن على قدر الإمكان في تقلبات الزمان.
وقد أصاب الدهر المستعربين غيري في لننغراد (لينينغراد) فمات الأستاذ الأول ميدنيقوف سنة 1918 وتوفي الأديب كوزمين (Kuzmin) أحد تلاميذي سنة 1921 وقد كان مدة سنتين معلماً ثانياً في جامعتنا. وعين صديقي الفاضل شميدت (Shmidt) سنة 1920 مديراً لمدرسة اللغات الشرقية في تاشكند (طشقند) من بلاد ما وراء النهر وبقيت إلى الآن أدأب وحدي في التعليم.
في سنة 1921 انتخبت عضواً عاملاً في أكاديمية العلوم الروسية في قسم التاريخ واللغات فجلست في مجلس كان فارغاً بوفاة البارون روزن سنة 1908. وفي السنة التالية انتخبت كاتماً لأسرار القسم المذكور. وفي سنة 1923 انتخبت عضواً مراسلاً في المجمع العلمي العربي في دمشق، وكان ذلك أكبر شرف نلته مدة عمري وصار هذا التشريف مساعداً لي ومشجعاً في احوالنا الصعبة. ورأيت فيه تقديراً أتفاخر به لأتعابي في التعليم والبحث والتأليف منذ عشرين سنة.
أما مؤلفاتي العلمية التي بدأت بكتابتها من سنة 1904 فجلّها إن لم أقل كلها في آداب العرب من بحث وترجمة وشرح وانتقاد، وكتاب ومقالة ومحاضرة وملاحظة وعددها يربو على المائتين ولذلك لا يمكن وصفها بتدقيق. وقد طبع فهرستها سنة 1921 وقت انتخابي عضواً في أكاديمية العلوم الروسية وتكلم في تقدير علمي ثلاثة من أعضاء الأكاديمية الأخصائيين في علوم المشرقيات، وقد طبع تقريرهم مع الفهرست المذكور ولذلك اكتفيت بالإشارة إليه. ودوائر أبحاثي ثلاث: الأولى منها تاريخ الشعر العربي ونقده منذ قديم الزمان إلى أيامنا هذه، والثانية آداب اللغة العربية بين نصارى العرب، والثالثة تاريخ آداب اللغة العربية منذ نهضتها الأخيرة في القرن التاسع عشر.
وهذا الموضوع الأخير مما أفتخر به فإني أول من كتب بالروسية فيه وقلّ من كتب عنها من المستشرقين في أوروبا. ولذلك قرظ مؤلفاتي تقريظا حسناً المرحوم مارتين هارتمان (Martin Hartmann) الذي كان مطلعاً على أحوال العرب الأدبية بمشاهداته الشخصية والإقامة بين أظهرهم.
ورجائي الآن أن أواصل أبحاثي في هذه الدوائر الثلاث وأن يتيسر لي طبع ما تراكم لدي من الآثار الأدبية والأبحاث والمقالات. فهذه أمنيتي الوحيدة والرجاء أن يبلغني تعالى سؤلي وإن مع العسر يسرا وكل ضيق فإلى فرج قريب”[4].
وقد عانـى اغناطيوس كراتشكوفسكي مثل غيـره من رجال العلم والثقافة بـروسيا من الاوضاع المضطربة في البلاد بعد ثورة اكتوبـر عام 1917. فقد اعتقل مع زوجته في 20 يوليو/تموز عام 1922 حين كان يحتفل بذكرى مرور 10 اعوام على زواجه. وفي البداية زج به في سجن دائرة الامن ومنه نقل إلى سجن آخر ووضع في زنزانة انفرادية. ووجهت اليه تهمة التجسس لحساب فنلندا باعتباره رئيس زمرة التجسس.
وكان الاتهام يعتمد على وجود صلة لزوجته مع عائلة فنلندية كانت تـزودهم بالمواد الغذائية في عام 1917 وتم الاتفاق معها على ان يقضي كراتشكوفسكي وزوجته العطلة الشتوية في بـيت العائلة في فنلندا. وقد تدخلت ادارة اكاديمـية العلوم الروسية لدى المسؤولين من اجل إطلاق سراحه لأن التهمة باطلة من الاساس. ولكن لم يطلق سراحه بل سمح له فقط بالاستفادة من كتب المتحف الاسيوي لأكاديمـية العلوم. وقرأ كراتشكوفسكي في السجن الكتب حول التأريخ العربـي والاسلام والحضارة الاسلامـية ودرس النحو العربـي واللهجة المصرية وكتب عدة مقالات وملاحظات. ومن ثم سمح له بعد نقله إلى سجن آخر بأن يتنزه في باحة السجن وان يلتقي زوجته.
وقد أثمر تدخل اكاديمـية العلوم الروسية في نهاية المطاف عن صدور قرار بنفي كراتشكوفسكي وزوجته إلى خارج البلاد او إلى مقاطعة فياتكا. لكن كراتشكوفسكي طلب نفيه مع زوجته إلى فياتكا وليس إلى خارج البلاد. وتدخل في القضية مـيخائيل سوكولوف العالم المختص بالدراسات العبـرية وصديق كراتشكوفسكي واستطاع اقناع السلطات ببـراءة كراتشكوفسكي من التهمة الموجهة اليه. فأخلي سبـيل كراتشكوفسكي في 12 ينايـر عام 1923 وعاد إلى مكان عمله في كلية الاستشراق. وعمل هناك حتى وفاته في عام 1951. وكان يقطن في ” بـيت الاكاديمـيين” لأنه حصل على لقب بـروفيسور ومن ثم لقب اكاديمـي (عضو في اكاديمـية العلوم) ومنح لهذا شقة في البـيت المذكور.
واستمر كراتشكوفسكي بالبحث ودراسة الإسلام والحضارة العربية خلال عمله في اكاديمية العلوم والتدريس في الجامعة وحظيت ابحاثه بتقدير واحترام في الأوساط العلمية وبين المستشرقين الروس والأوروبيين وبين الادباء والكتاب العرب. وقد وافته المنية في الرابع والعشرين من شهر يناير سنة 1951
وتقديرا لعلمه واسهامه القيم في العلم السوفيتي تم طباعة كل مؤلفاته في 6 مجلدات عامي 1955 و1960.
ويعتبر كراتشكوفسكي بحق مؤسس مدرسة الاستعراب الروسية حيث وضع منهج دراسة تأريخ وآداب العرب في مختلف الأمصار وكان أول من ترجم معاني القرآن الكريم الى الروسية من اللغة العربية مباشرة ترجمة علمية دقيقة. وما زال الدارسون يلجأون الى هذه الترجمة بالذات لدى التحقق من صحة ترجمة معاني بعض السور. وكتب كراتشكوفسكي حوالي 450 بحثا ومقالة نشرت في مؤلفاته الكاملة. ودرس أشعار أبو العتاهية والمعري والمتنبي والبحتري وصنف اعمالهم في الغزل والهجاء والحماسة ، كما درس الرواية التاريخية العربية ونشرت تحت اشرافه الطبعة الاكاديمية لـ”حكايات ألف ليلة وليلة“. ونشر كراتشكوفسكي دراساته في تحقيق العديد من المخطوطات العربية المحفوظة في خزائن أكاديمية العلوم الروسية في سانت بطرسبورغ. كما ترأس الجمعية الجغرافية الروسية ومعهد الدراسات الاستشراقية.
ومن المعروف عن المستشرق الروسي اغناطيوس كراتشكوفسكي ان أولى اهتماماته انصبت خاصة على تاريخ الأدب العربي، ومع هذا يمكن لنا ان نجازف ونقول بأن هذا الرجل لم يضع في حياته كلها سوى كتابه – الأقل شهرة في أوساط الدارسين العرب على أي حال – “تاريخ الأدب الجغرافي العربي” لكان من شأن المنصفين ان يقولوا، عن حق، بأنه قد أسدى الى التراث العربي واحدة من أروع الخدمات.
فهذا الكتاب الضخم الذي قام بترجمته الى العربية ترجمة نادرة ونموذجية وحيّة في الوقت نفسه الأديب السوداني صلاح الدين عثمان هاشم، يمكن النظر اليه باعتباره أفضل ما كتب، في هذا الموضوع، في كافة اللغات، لأنه من خلال استعراضه لما أطلق عليه اسم الأدب الجغرافي العربي، قدم موسوعة حقيقية دقيقة وعابقة بالمعلومات والسير، والتحليلات لواحد من فنون الكتابة التي شكلت جزءاً أساسياً ليس من التراث العربي الاسلامي فحسب، لكن من الحضارة العربية ككل.
ومع هذا لم يكن “تاريخ الأدب الجغرافي العربي” الكتاب الوحيد الذي وضعه كراتشكوفسكي، بل كان جزءاً من عمل كبير امتد طوال حياة الرجل، نما بكل تواضع وبكل حب للحضارة العربية الاسلامية، بشكل يضع كراتشكوفسكي، دون أدنى ريب، في مكانة على حدة بين المستشرقين.
وهو عند رحيله عن عالمنا في مثل هذا اليوم من العام 1951 عن عمر يناهز الثامنة والستين، لم يلق على أي حال من العرب الذين أحبهم ما كان يستحق من تكريم، لأن العهد كان عهد الحرب الباردة، التي كان فيها الأميركيون يؤلبون العرب على كل ما هو سوفياتي، يستوي في ذلك السياسي والفكري، الثقافي والدعائي. ومن هنا ربط كراتشكوفسكي، عربياً، بعجلة السياسة الستالينية وقل المحتفون به، إلا في الأوساط العلمية العربية التي كانت عرفت كراتشكوفسكي عن كثب وعاصرته، خاصة من خلال عضويته، التي كان يفاخر بها، في المجمع العلمي العربي.
عهد ستالين والحملة ضد الاستعراب واللغة العربية في الاتحاد السوفيتي[5]:
اتهام السلطات السوفيتية لمن يهتم بعلوم العصور الوسطى والقديمة بأنه رجعي
اُتهم كراتشكوفسكي بأنه عروبي واسلاموي وشعوبي.
بدأت محاولات تهميش الدراسات الشرقية والاستعرابية الحقيقية، التي تهتم بالمخطوطات العربية في العصور القديمة والوسطى، وخاصة الدراسات الإسلامية والمسيحية، معتبريها متعارضة مع الأيديولوجية الشيوعية التي تهتم بالدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاصرة.
حملة على اللغة العربية كونها مرتبطة بالحضارة الإسلامية والقرآن الكريم وهذا يتعارض مع توجهات السلطة الشيوعية آنذاك المعادية للأديان وللقوميات.
جمع كراتشكوفسكي بين صفة العالم الحقيقي وصفة الانسان صاحب الكرامة والمبدأ
أولاً: ان يكون عالما حقيقيا مخلصا لمواضيع دراساته العلمية في مجال الاستعراب من دراسة للأدب العربي قديمه وحديثه والتاريخ والثقافة والجغرافيا وترجمة القرآن الكريم، وثانياً: إنه إنسان متمسك بالقيم الإنسانية والكرامة، التي لم يتخل عنها في أحلك ظروف الاستبداد الستاليني، واستمر طيلة حياته يدافع عن مكانة الاستعراب والدراسات العربية والإسلامية في روسيا، حيث دخل السجن مع زوجته بتهمة التجسس لصالح فنلندا.
وحتى عندما كان في السجن وسمحوا له بقراءة الكتب، عكف على دراسة اللغة العربية والأدب العربي.
أهم مؤلفات المستعرب كراتشكوفسكي:
بلغ عدد مؤلفات كراتشكوفسْكي أربعمئة وثمانية وخمسين مؤلفاً أفرد جُلّها لآداب العربية من بحث وترجمة وشرح ونقد وتصنيف وتفسير وتحقيق وتوزعت في دوائر ثلاث:
- 1- الأولى تتناول تاريخ الشعر العربي القديم والحديث ونقده.
- 2- والثانية تتناول الآداب العربية عند نصارى العرب.
- 3- والثالثة تتناول تاريخ آداب العربية في عصر النهضة في القرن التاسع عشر، وكان أول من كتب بالروسية في هذا الموضوع، وتُعدّ دراساته من أهم المراجع الاستشراقية في هذا الحقل.
كتاب “مع المخطوطات العربية”[6] نشره عام 1945
قد كتب محمد مرسي[7] ، الذي ترجم هذا الكتاب الرائع: هالني ذلك التراث الضخم الذي خلفه شيخ المستعربين الروس “كراتشكوفسكي” الذي وهب كل حياته لخدمة اللغة العربية وآدابها. وقدم جهوداً عظيمة وأعمالاً جليلة لا يتسنى القايم بها إلا لرجل مثله بما أوتي من ذوق أدبي رقيق ومعرفة واسعة عميقة وإجادته لعدد كثير من اللغات. ولكراتشكوفسكي فضل السبق في الكشف عن كثير من تراثنا المطمور.
كتاب “من تاريخ الاستعراب الروسي” (1950)[8]
قد يكون هذا الكتاب من أهم كتب كراتشكوفسكي لأنه أوسع مرجع في تاريخ الاستعراب الروسي. وهنا يستخدم كراتشكوفسكي مصطلح الاستعراب وليس الاستشراق وذلك يعود الى اعتبار روسيا جزء من الشرق فهي تقع في أوروبا وآسيا. وبالتالي أراد كراتشكوفسكي أن يخصص العرب بهذا المصطلح كونه كرس كل حياته العلمية لدراسة التاريخ والأدب والجغرافيا في الحضارة العربية والإسلامية.
فهو أول من اكتشف مخطوط “المنازل والديار” للأمير السوري أسامة بن منقذ بخط يده إبان الحملات الصليبية. ومما يبرز أهمية هذا الاكتشاف أن المستشرق الفرنسي “ديرانبور” قضى ما يقرب من نصف حياته في دراسة أسامة بن منقذ ومع هذا لم يكن يعرف شيئاً عن هذا المخطوط.
وقام بنشر “رسالة الملائكة” لأبي العلاء وكتاب “البديع” لابن المعتز ولوحتين برونزيتين من لوحات الاستغفار من مملكة سبأ، وأقدم رسالة عربية من بلاد الصغد اكتشفت في وسط آسيا، والأراجيز الثلاثة لوصف الطرق البحرية لأحمد بن ماجد ملاح فاسكو دي غاما في رحلته الأولى 1498 من مالندي إى الهند.
وكتب فصلاً جديداً ممتعاً بأحد الفروع المجهولة في تاريخ الأدب العربي، ونعني به “الأدب العربي في شمال القوقاز”.
وتحدث في كتابه “مع المخطوطات العربية” عن صلاته ومراسلاته الواسعة مع كثير من مشاهير الأدب العربي الحديث مثل أحمد تيمور وابنه محمود وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة.
ترجمة كراتشكوفسكي للقرآن الكريم
برز كراتشكوفسكي في الاوساط العلمية الروسية بصورة خاصة لترجمته معاني القرآن ولدراسته المخطوطات العربية القديمة ولإبداع ابو العلاء المعري وفكره. وصدرت اول ترجمة لكتاب الله في القرن الثامن عشر بأمر من القيصر الروسي بطرس الاكبر، وصدر الكتاب مترجما عن الفرنسية ، وانجز الترجمة بطرس بوسنيكوڤ الشخصية الثقافية المعروفة آنذاك. ثم صدرت ترجمتان اخريان من الفرنسية أيضا ونشرتا في عام 1790.
وأنجز احداهما الاديب م. فيريوفكين. وقد استوحى الشاعر الروسي الكبير الكسندر بوشكين قصائده ” محاكاة قرآنية” من هذه الترجمة بالذات. وفي عام 1792 صدرت ترجمة أخرى أنجزها الكسندر كولماكوڤ عن الطبعة الانجليزية للمترجم جون سيل الذي قام بترجمة معاني القرآن من العربية بصورة جيدة نوعا ما. ولهذا جاءت ترجمة كولماكوف أفضل من غيرها. علماً بأن المصحف الشريف طبع خمس مرات باللغة العربية بأمر من الامبراطورة كاترينا الثانية في قازان.
وكانت كافة التراجم السابقة ذات طابع ” تنويري” ولم تكن لها قيمة علمية لأن كافة المترجمين لم يكونوا من ذوي الاختصاص، لكنها مارست دورا مهما في تعريف القارئ الروسي بالإسلام على حقيقته. وفي السبعينيات من القرن التاسع عشر صدرت ترجمتان لمعاني القرآن الى اللغة الروسية من اللغة العربية مباشرة. وهما ترجمة الجنرال د. بوغوسلاڤسكي (عام 1871) الدبلوماسي الروسي الذي اهتم بالاستشراق ورافق الإمام شامل في أثناء وجوده في المنفى بمدينة كالوجا الروسية، لكنها لم تنشر. أما الثانية فهي ترجمة المستشرق المعروف والرحالة غ. سابلوكوڤ والتي نشرت مرتين في عامي 1894 و1907 باللغتين الروسية والعربية في آن واحد. واستمر الاعتماد على هذه الترجمة خلال فترة طويلة باعتبارها الأكثر دقة من غيرها.
لكن كراتشكوفسكي الذي ثمن كل التثمين هذه الترجمة وجد فيها الكثير من النواقص باعتباره يجيد نفسه اللغة العربية. حيث ان لغة الترجمة كانت مترعة بالغموض وبالألفاظ الروسية القديمة المنسية علاوة على التعابير المسيحية المستخدمة في الكتاب المقدس مما كان يحول دون إدراك المعاني بدقة. ولهذا عكف نفسه على اعداد ترجمة علمية جديدة لمعاني القرآن منذ اعوام العشرينيات حين كان يلقي المحاضرات امام طلابه حول تفسير القرآن، وتوفي كراتشكوفسكي دون ان ينجز الترجمة بصورة كاملة. وقد نشرت مع ذلك بعد وفاته، ومازال المختصون يعتبرون هذه الترجمة الاكثر دقة من جميع التراجم الصادرة سابقا ولاحقا.
كتاب “تاريخ الأدب الجغرافي العربي” [9]
ترجم الكتاب الأديب السوداني صلاح الدين عثمان هاشم وقام بمراجعته المستعرب الكبير إيغور بيليايف. وصدرت النسخة الاصلية الروسية في 1957 في موسكو ولينينغراد (بعد 6 سنوات من وفاته). بينما الطبعة العربية صدرت لأول مرة في القاهرة عام 1963 من قبل الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية. ويتألف الكتاب من جزئين: الجزء الأول 475 صفحة والجزء الثاني يتكون من 658 صفحة. أما الجزء الأول فيتكون من 16 فصلا ويشمل الفترة الزمنية حتى القرن السادس عشر، والجزء الثاني يتضمن 8 فصول وتشمل الفترة الزمنية حتى القرن الثامن عشر
اهتم كراتشكوفسكي بالجغرافيا العربية وخاصة في العشرين سنة الأخيرة من عمره وانتخب عضوا في الجمعية الجغرافية الروسية منذ 1909 وأصبح نائبا لرئيسها في الفترة 1939-1945 والى جانب معرفته الواسعة والعميقة بالأدب العربي وبالحضارة الإسلامية جعلت منه أنسب شخص للقيام بذلك العمل الجبار وهو كتابة تاريخ علم الجغرافيا في الإسلام.
وتميز كتاب كراتشكوفسكي “تاريخ الأدب الجغرافي العربي” بأنه عمل موسوعي وجامع ويعتبر من أهم المراجع في تاريخ الجغرافيا العربية في العالم. وعمل على تأليفه في الفترة من 1938 وحتى 1945 مع بعض التوقف اثناء الحرب وحصار لينينغراد.
ويعود اهتمامه بالجغرافيا العربية الى زيارته للقاهرة وسماع محاضرات المستعرب الإيطالي نالينو أكبر المختصين في علم الفلك والجغرافيا العربية وكانت المحاضرات باللغة العربية. وقد القى كراتشكوفسكي نفسه محاضرات في في جامعة لينينغراد في الفترة من1910 حتى 1917 بعنوان “نظرة إلى الأدب الجغرافي العربي مع مطالعة نصوص مختارة منه” وكرر محاضرات مشابهة في الفترة من1935 الى 1936 بعنوان: “أدب التاريخ والجغرافيا عند العرب”.
وقد رأى في الأدب الجغرافي بالذات عنصراً أساسياً في الأدب العربي[10] يجب معالجته من وجهة نظر تاريخ الأدب العربي والحضارة العربية ومدلول الحضارة العربية لديه واسع للغاية وهو قد استعمله للتعبير عن جميع أوجه النشاط الثقافي لشعوب الشرق الأدنى. فلم يقتصر على العرب وحدهم بل أدخل شعوب آسيا الوسطى والقوقاز كما أدخل الإيرانيين والأتراك والسريانيين وغيرهم.
رز دور العرب في تاريخ الجغرافيا العلمية والاستكشافات الجغرافية العربية ويبدو ذلك واضحا من كلام المؤلف على شخصيات مثل الخوارزمي وألوغ بيك والبيروني وأحمد بن ماجد دليل فاسكو دي غاما الذي تحدث كراتشكوفسكي عن ثلاثة من مصنفاته في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، أو مثل بيري ريس وغيرهم من ممثلي الجغرافيا العلمية الكثيرين.
ويعرض ميلاد الجغرافيا الرياضية عند العرب معتمدا على المصادر الاصلية والدراسات الحديثة ويبحث علاقتها بالعلم اليوناني والهندي.
بداية الجغرافيا الرياضية عند العرب
كرس كراتشكوفسكي الفصل الثاني من كتابه تاريخ الادب الجغرافي العربي للحديث عن بداية الجغرافيا الرياضية عند العرب، أشار الى ظهور الجغرافيا العربية في القرن التاسع ميلادي. ويقول في الصفحة 74 من الجزء الاول من كتابه: يرجع أصل الجغرافيا العلمية عند العرب الى الفلكيين اليونان. ويعتبر ان المصادر الهندية والفارسية سبقت زمنيا المصادر اليونانية ولكن التأثير الكبير كان للعلم الجغرافي اليوناني.
ويشير كراتشكوفسكي الى ظهور الجغرافيا العلمية في العصر العباسي متأثرة بالعلماء الايرانيين (نبوخت) واليهود (ماشاء الله) وأن العلم الفلكي الهندي كان مرجعا للايرانيين، كما يتحدث عن دور العلماء السريان المسيحيين الذين استخدموا اللغة الفارسية.
وتناول كراتشكوفسكي كتاب “السند هند” الذي ترجمه الفزاري[11] في عهد الخليفة المنصور[12] (…) وهو يتضمن جداول فلكية (ص 76)، وأشار إلى ان العرب هم من قاموا لأول مرة بربط الجغرافيا بالتاريخ وهي سمة للأدب الجغرافي العربي.
ويعتبر الفزاري ومعاصريه هم من افتتح عهد جديد في تطور الفلك والجغرافيا الرياضية الذي كان مع ماشاء الله أول من وضع الاسطرلاب بين العرب (ص 77). وتحدث عن الداعية الثاني للمذهب الهندي وهو طارق بن يعقوب معاصر الفزاري وقد اشاد البيروني وابراهيم بن عزرا (الاندلس) بأعمال الفزاري.
وبقي تأثير كتاب “السند هند” لمدة خمسين عاما الى ان جاء عصر المأمون في القرن التاسع للميلاد، حيث قام محمد بن موسى الخوارزمي بوضع جداوله الفلكية في كتاب “السند هند الصغير” متأثرا بالمذهب الهندي. واستمر الى القرن الحادي عشر حيث استفاد منه البيروني وانتشر تأثير هذا المؤلف الى اوروبا حتى ايام كولومبس
ويرى كراتشكوفسكي ان بعض النظريات الجغرافية الواردة في كتاب “السند هند” والبيروني انتقلت الى اوروبا بترجمة آدلارد الباثي الذي ترجم كتاب الخوارزمي واعتمد النظريات العربية الاساسية عن “قبة الارض” مثلا.
ويذكر كراتشكوفسكي أن بطرس ألايكو Petrus de Aliaco أسقف كمبري لعب دورا خطيرا في علم الفلك الاوروبي بفضل رسالته “صورة العالم” التي كتبها عام 1410 وتضمنت مقتطفات من كتب ابن رشد وابن سينا وهالي (ورد هذا الاسم في كتاب نيوتن) والفرغاني وتظهر فيها نظرية قبة الارض بالتفصيل وان خريستوفر كولومبس عرف هذه النظرية. ويعتقد ان النظرية الجغرافية العربية لعبت دورا في اكتشاف العالم الجديد.
وقد بدأت الترجمات العلمية في عهد الخليفة هارون الرشيد ( 786-809) حيث تم تأسيس “بيت الحكمة” وهي بمثابة أكاديمية علوم وفيها مكتبة عظيمة وأسس لها الخليفة المأمون (813-823) هيئة علمية واصبحت بغداد عاصمة العلم في العالم.
وترجمت اهم اعمال علماء اليونان ومنها في الفلك والجغرافيا مثل اعمال بطلميوس (كتب عنه بشكل جيد سارتون في كتابه (العلم القديم والمدنية الحديثة) ومعه بدأت صفحة جديدة في تاريخ الفلك والجغرافيا عند العرب. واهم اعماله “الجامع” للجداول الفلكية الذي عرف عند العرب بكتاب “المجسطي” وكتاب “جغرافيا”
وترجم كتاب المجسطي عدة مرات الى العربية ومن اهم من ترجموه: الحجاج بن يوسف (ق 9 م) وحنين بن اسحق (ق 9 م) وكذلك أصلح الترجمة ثابت بن قرة الحراني (ق 9 م).
وهنا يشيد كراتشكوفسكي بدور الترجمات العربية للمؤلفات اليونانية التي انتقلت بفضل العرب الى اوروبا وترجمت الى اللاتينية فمثلا جيرارد الكريموني (ق 12م) نقل كتاب المجسطي من العربية الى اللاتينية.
ومن المعروف أن بطلميوس كان فلكيا ورياضيا أكثـر منه جغرافياً. وقد حاول رسم صورة الارض في كتابه “جغرافيا”. وترجم كتابه عدد من العلماء واهمهم الخوارزمي واعتبـر عمل الخوارزمي اول رسالة اصيلة في الجغرافيا الرياضية عند العرب.
ويرى كراتشكوفسكي ان الأمر لم يقف عند حد الاستيعاب الادبي لكتاب بطلميوس سواء بالترجمة او التعديل بل تعداه الى ما وراء ذلك. ففي هذا العصر بالذات بدأ العرب فعلا يجمعون بين الاستيعاب النظري للعلم اليوناني والتطبيق العملي لنظرياته في ابحاثهم المستقلة. فقد وصلوا الى حساب خط منتصف النهار وضبطوا العروض والأطوال الجغرافية ووضعوا جداولهم الفلكية المستقلة على اساس المراجعة النقدية لنتائج السابقين لهم في هذا المضمار.
كما تجرأ العرب في قياس الارض وقد سبقهم محاولة ايراتوسثينيس وبطلميوس . وقد اختيرت لهذا الغرض المفازة الواقعة بين تدمر والرقة على نهر الفرات وواد في ارض الجزيرة قرب سنجار بين درجتي عرض 35 درجة و 36 درجة شمالا.
واجريت التجربة سنة 827 وكان الخطأ عند العرب اقل من كيلومتر وهذه التجربة برأي كراتشكوفسكي دليلا على ما بلغته الحضارة العربية من تقدم علمي كبير وسريع الخطى، مما جعلها تحتل مكانة مرموقة في تاريخ الجغرافيا والرياضيات. ولم يتم القياس التالي للأرض إلا في أوائل القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وترجمت هذه الابحاث العربية الى اللاتينية واستخدم بعضها كولومبس.
وقد تم تأسيس مرصدين في عهد المأمون للقياسات الفلكية مثل حساب درجة نصف النهار، في بغداد بحي الشماسية والآخر على جبل قاسيون عند دمشق.
ويذكر كرتشكوفسكي أن اليونان حسب بطلميوس قدروا طول البحر الابيض المتوسط بـ 62 درجة ولكن الخوارزمي اختزلها الى 52 درجة وتلاه الزرقالي في “جداول طليطلة” فاختزلها الى 42 درجة اي ما يعادل طوله الحقيقي تقريبا.
وكذلك قام اولغ بيك (ق 16 م) بتحديد عرض مرصده في سمرقند في 39 درجة و 37 دقيقة شمالا ولكن الفلكي الروسي ستروفه صححها الى 39 درجة و 28 دقيقة و 50 ثانية.
والمادة الرئيسية للحكم على ” الزيج المأموني” تستقى اساسا من الرسالة الشهيرة لأحمد بن محمد بن كثير الفرغاني “كتاب الحركات السماوية وجوامع علم النجوم” وهي واحدة من أولى المصنفات العربية في الفلك وتكاد تكون اكثرها شهرة في اوروبا في القرون الوسطى. وقد ترجمها الى اللاتينية الجديدة المستعرب والرياضي الهولندي يعقوب غوليوس عام 1669. واستمر صيته العلمي حتى القرن الثامن عشر.
وفي هذا العصر نشهد ” الصورة أو الخارطة المأمونية” التي اجتمع على صنعها عدد من حكماء عصر المأمون صور فيها العالَم بأفلاكه ونجومه وبره وبحره وعامره وغامره ومساكن الامم والمدن[13] .
وجاءت خارطة الادريسي عام 1154 لتصبح الأثر الوحيد الهام في الكارتوغرافيا (رسم الخرائط الجغرافية) قبل القرن الرابع عشر. وقد تابع الاتراك ابحاث العرب في الجغرافيا لتنتقل بعد ذلك الى اوروبا. كما تحدث حاجي خليفة في كتابه “كشف الظنون” عن الاهمية الكبـرى لآثار بطلميوس في تاريخ الجغرافيا العربية طوال المدة ما بين القرنين الثامن والسابع عشر.
ويؤكد كراتشكوفسكي بأن التراث اليوناني كان ذا أثر جوهري في ابتداء الجغرافيا الرياضية عند العرب
أهم نتائج كتاب تاريخ الادب الجغرافي العربي:
استطاع المؤلف بالاعتماد على مادة علمية ضخمة أن يؤكد مكانة الحضارة العربية في تاريخ البشرية والدور المرموق الذي لعبه علم الجغرافيا العربي في هذا الميدان.
أشار بشكل منطقي إلى دور ممثلي حضارات آسيا الوسطى والقوقاز وإيران وتركيا وغيرها من البلاد الإسلامية عربية وتركية وفارسية في تشييد هذه الحضارة وأنه برز منهم علماء كبار في ميدان الجغرافيا العربية.
استطاع استخراج مادة علمية لا تتعلق فقط بالجغرافيا التاريخية بل بعلم الآثار وعلم الاجناس
اهتم بالأدب العلمي والأدب الشعبي وكذلك بالجغرافيا الرياضية والوصفية ولم يهمل- كما قال كراتشكوفسكي- قصص الرحلات التي تحمل طابعاً أدبياً صرفاً واسطورياً[14].
تقييّم كراتشكوفسكي الحضارة العربية والإسلامية في الجزء الأول من كتابه تاريخ الأدب الجغرافي العربي:
” إن المكانة المرموقة التي تشغلها الحضارة العربية في تاريخ البشرية لأمر مسلم به من الجميع في عصرنا هذا، وقد وضح بجلاء في الخمسين عاماً الأخيرة فضل العرب في تطوير جميع تلك العلوم التي استقت لنفسها طريقاً ومسالك جديدة في العصور الوسطى ولا زالت حية إلى أيامنا هذه- أعني علوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا. أما فيما يتعلق بالأدب الفني العالمي فإن العرب قد أسهموا فيه نصيب وافر يمثل جزءاً أساسياً من التراث العام للبشرية، كما امتد تأثيرهم كذلك إلى عدد كبير من المصنفات والفنون الأدبية التي نشأت في بيئات غير عربية”.
مئات المقالات والأبحاث عن الأدب العربي قديمه وحديثه.
تميز كراتشكوفسكي[15] بدراسة الأدب العربي الحديث في مرحلة كان الاستشراق العالمي يغوص في حفريات عن ماضي شعوب الشرق، فنشر بحثه «الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر» (1911)، وبحثه «أثر الكتّاب الروس في الأدب العربي» (1910)، «قاسم أمين والمرأة الجديدة» (1912)، و«أمين الريحاني في شعره ونثره» (1922)، وعن «محمود تيمور ومجموعتيه القصصيتين الجديدتين» (1926)، و«محمد توفيق الحكيم» (1936) و«يوسف غصوب» (1948) و«محمد مهدي الجواهري» (1950)، وأيضاً عن رزق الدين حسون وسليمان البستاني وطه حسين وميخائيل نعيمه وإبراهيم اليازجي وجرجي زيدان والزهاوي وإلياس فرحات.
ومن مؤلفات كراتشكوفسكي الأخرى: «ترجمة الشاعر أبي دحبل الجمحي» (1912)، «نظرة في وصف مخطوطات ابن طيفور والأوراق للصولي» (1912)، «حماسة البحتري وأول من اكتشفها في أوربا» (1912)، «مخطوطة جديدة للمجلد الخامس من تاريخ ابن مسكويه» (1916)، «التعاويذ عند عرب الجنوب» (1917)، «مخطوطة جديدة لديوان ذي الرمّة مع شرحه للأصمعي» ( 1918).
كراتشكوفسكي عن رحلة البطريـرك مكاريوس[16]:
كتب كراتشكوفسكي: “لقد حدث في أعوامـي الدراسية القديمة أن التهمت من غيـر كلل كل ما وجد في هذه الغرفة من المجموعات السنوية الكاملة لمجلة ” الأرشيف الروسي” ومجلة “القِدَم الروسي” ومجلات أخرى مشابهة. وبالمصادفة عثـرت آنذاك على صورة قديمة أعجبت بها في عدد كان قد نشر حديثاً من مجلة “مطالعات جمعية التاريخ والآثار الروسية”.
ونظرت فيما كُتب تحت هذه الصورة فإذا هي صورة لبطريـرك أنطاكية مكاريوس. وعرفت للمرة الأولى من المجلة أن البطريـرك مكاريوس زار روسيا مرتـين في زمن القيصر ألكسي مـيخائيلوفيتش. على أنه قد بقيت في الحقيقة أشياء كثيـرة مما قرأت غيـر مفهومة لي، وفي مقدمة هذه الأشياء مسألة كيف يمكن أن يكون هذا البطريـرك عربـياً في حين أن كل العرب مسلمون؟ هكذا فكرت ببساطة.
لكننـي في ذلك الوقت تذكرت رواية “يوحنا الدمشقي” لألكسي تولستوي، ومع ذلك، لم أفهم أيضاً لماذا رحل بطريـرك أنطاكية من دمشق. ومرت عدة أعوام قبل أن أعرف أن العرب المسيحيين لعبوا دوراً مهماً في الخلافة العربـية، وأن تاريخهم هو صفحة مهمة في الثقافة العربـية. ولكن كل هذه الأشياء كانت في ذلك الوقت شيئاً غامضاً شأنه شأن الكلمات غيـر المفهومة التـي كانت تحت صورة البطريـرك مكتوبة بالعربـية إلى جانب الكلمات اليونانـية”.
رحلة أحمد ابن فضلان إلى البُلغار مع مقدمة للمستشرق كراتشكوفسكي[17]
صدرت الدراسة باللغة الروسية في موسكو 1939 عن أكاديمـية العلوم الروسية. وجاءت مقدمتها الروسية في دراسة الرحلة وصاحبها على إحدى وخمسين صفحة. ثم تلتها تـرجمة الرسالة إلى الروسية في مئة وعشرين صفحة، ورقة فورقة، في ملاحظات قيمة ثمـينة جداً، وأعقبتها الملاحق والفهارس.
وفي آخر هذه الدراسة نشرت صورة شمسية(فوتوغرافية) للرسالة كلها عن مخطوطة “مشهد” بحكم كبـيـر واضح ورقمت أوراقها. والحق أن هذه الدراسة هي أدق ما صدر عن ابن فضلان ورسالته وهي أصح التعليقات واقربها إلى فهم النص، وخاصة فيما يلم بالبُلغار وروسيا فهي تعتمد على المقالات والدراسات التـي نشرت قبلها، وتـرجع إلى المصادر الحديثة الواسعة على قوة الملاحظة ووقوف على العربـية….. ولم تُعن بطبع النص العربـي محققاً بحروف الطباعة العربـية. والملاحظ أن المستشرقين اهتموا بـرسالة ابن فضلان اكثـر من العرب، علماً أنها وثيقة سياسية تاريخية هامة.
وقام بتحقيق الرسالة العالم التـركي زكي وليدي طوغان نشرها بالعربـية سنة 1939، ولكنها تحتوي على أخطاء. وهناك تحقيق ودراسة مهمة قام بها ونشرها الدكتور محمد سامي الدهان عام 1959 [13].
من القاهرة حتى مقبـرة فولكوفو في بطرسبورغ (مسيـرة الشيخ محمد عياد الطنطاوي)[18].
كرّس المستشرق كراتشكوفسكي في كتابه “مع المخطوطات العربـية” فصلاً كاملاً عن الشيخ الطنطاوي:
منذ اكثـر من مائة عام في 22 آب (أغسطس) 1840 ظهرت مقالة غيـر عادية تماماً في جريدة “اخبار سان بطرسبورغ” وكان “شارع نـيفسكي الرئيسي” يلعب دوراً خاصاً في ذلك الوقت بالنسبة لسكان بطرسبورغ الذين كانوا يتذكرون قصة غوغل المرتبطة باسم ذلك الشارع. بدأت المقالة بعبارات رنانة بطريقة رومانتـيكية عالية: ” تسألنـي من هذا الرجل الوسيم في حلته الشرقية وعمامته البـيضاء، ولحيته السوداء كالقطران، وعيونه الحية المتقدة شرراً، ووجهه المعبـر الذكي المحتـرق لا بشمسنا الشمالية الباهتة.
لقد قابلته مرتـين من قبل. يسيـر مختالاً على الجانب المشمس من شارع نـيفسكي الرئيسي وكعضو دائم في نـيفسكي الرئيسي في ذلك الهواء الجمـيل، سرعان ما تـراه، ولا بد أنك تـريد أن تعرف من هو”. ويبـين الكاتب أنه هو الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي رحل من “شاطئ النـيل” ليشغل الكرسي الخالي للغة العربـية في معهد اللغات الشرقية التابع لوزارة الخارجية. “الآن تستطيعون تماماً أن تتعلموا التحدث بالعربـية دون أن تسافروا من بطرسبورغ”. هكذا انتهت المقالة. وكان كاتبها عندئذ تلمـيذاً شاباً للمستعرب سينكوفسكي هو سافيليف الذي صار فيما بعد عالماً معروفاً في الآثار والنقود القديمة.
ومع الزمن وبعد عشرين عاماً، عرف قليل من قراء “أخبار سان بطرسبورغ” أن قبـراً جديداً ظهر قرب قرية فولكوفو في المقبـرة “التتارية” عليه شاهدة حسنة مكتوب عليها بالعربـية وبالروسية. والنص الروسي يقول” “الاستاذ بجامعة سان بطرسبورغ ومستشار الدولة الشيخ محمد عياد الطنطاوي، مات في 27 تشرين الأول (أكتوبـر) 1861 عن عمر يناهز الخمسين عاماً. هنا انتهى طريق طويل وغيـر عادي مبتدئاً قبل نصف قرن في قرية صغيـرة قريبة من طنطا. هناك في مصر.
فيا لها من زهرة نادرة تلك الشخصية التـي تلألأت في روسيا القديمة! وهاهم المعاصرون يتحدثون عنها- عفو الخاطر- في هالة رومانتـيكية. وأن النغمة الرومانتـيكية تـرن في مقالة “اخبار سان بطرسبورغ” وفي قصة أحد تلامـيذ الشيخ الطنطاوي أنه عند استعداده للسفر إلى روسيا “اشتـرى جارية من قبـيلته وأرسلها إلى باريس لتتعلم ثم تـزوجها بعد ذلك”. واستطاع المعاصرون جيداً أن يعرفوا شكله وهيئته بفضل الصورة الرائعة التـي رسمها بـيده في نهاية 1853 الفنان المشهور مارتـينوف والتـي توجد في مجلد شخصيات العلم المعاصر. وقد ساعدتنا هذه الصورة على فهم ذلك الانطباع الذي تتحدث عنه مقالة “اخبار سان بطرسبورغ”. ويبدو من هذه الصورة على ثيابه الشرقية وسام القديسة “أنّا” وبنعومة ضحك هو نفسه على هذا في بعض اشعاره:
إنـي رأيت عجباً في بطرسبورغ وأنه شيخ من المسلمـين يضم في الصدر أنّا
على أنه سرعان ما غاب الشيخ الطنطاوي عن عيون إخوانه في وطنه، وحتى في نهاية العقد التاسع من القرن التاسع عشر لم يعرف الكثيـرون منهم ما إذا كان حياً أم مـيتاً.
ولعل هذه الشخصية الشرقية من أسلافنا ستبقى إلى الأبد بالنسبة لنا، نحن المستعربـين الروس ايضاً، في صورة رومانتـيكية سائحة معتمة لو لم توجد مخطوطاته. فغالباً ما استطاعت المخطوطات أن تعرض المرء بصورة أحسن من معاصريه. فهناك في مكتبة الجامعة عند تلك الخزائن من الخشب الفاتح، شعرت لأول مرة بالطنطاوي الحقيقي سواء كان في القاهرة أم سان بطرسبورغ.
وفهمت من الأوراق التـي كتبها بـيده تلك المأساة الثقيلة التـي اصابته في آخر أعوام حياته. ولعل هذه الأوراق هي وحدها التـي تعرف أمر هذه المأساة. ولم أدر منذ البداية كيف جذبتنـي غريـزياً هذه الشخصية الفريدة في تاريخ مجالنا العلمـي. وسرعان ما عجزت عن أن أعزل فكري. وما كانت التنقيبات والبحث المتواصل لتضيفا عادة إلا قطعاً لتطعيم الصورة.
لكن الاكتشافات السعيدة والمصادفات غيـر المتوقعة غالباً ما كانت تضيء بنور ساطع امتداد الطريق إلى الأمام وسلوك الطريق إلى الخلف. وغالباً ما حملت على تذكر المثل القائل: “عند الصيد يستسلم الوحش بنفسه” . وقد سار هذا العمل كما هو دائماً على جانب أعمال أخرى. واقتضى الأمر خمسة عشر عاماً من العمل حتى تجاسرت على تأليف كتاب صغيـر ضمنته خلاصة معلومات هذه السنـين التـي استطعت أن أعرفها عن الشيخ الطنطاوي: إن القصة قد تحكى بسرعة، أما تأليفها فعمل طويل.
في عام 1919 احتفل بالذكرى السنوية المئوية لجامعة سان بطرسبورغ، وكان قد بدء في الاستعداد لهذا الاحتفال مبكراً، قبل الثورة. وفي عام 1916 كانت قد راودت الجامعة فكرة عن كتابة تاريخ الكراسي المختلفة فيها. وقد انفتحت لنا، نحن المستعربـين، صورة عجيبة مشوقة. فأول أستاذ كان الفرنسي دي مانج (1819-1822) والثانـي هو البولونـي سينكوفسكي (1822-1847) المعروف بلقب البارون بـرامبـيوس، والثالث كان عربـياً هو شيخنا الطنطاوي (1847-1861). وإذا لم يذكر عن الأستاذ الأول أي شيء لأنه لم يتـرك أي أثـر في مجال العلم سوى ما ينسب إليه على غيـر أساس من مأثـرة تعليم الكاتب الروسي الكبـيـر والدبلوماسي المعروف غريبايديف اللغة الفارسية. وإذا كانت توجد كتب كثيـرة عن الأستاذ الثانـي حقا بوصفه كاتبا لا بوصفه مستعرباً، فقد وجدت فيما يتعلق بالشيخ الطنطاوي.
إن المواد المطبوعة تنطوي على بعض الأخطاء الناتجة عن سوء الفهم كما وجدت ببساطة غياب بعض المعلومات الهامة عنه. فكان لابد من بناء هذا كله من جديد. فتوجهت نحو الدرب المجرب: نحو المخطوطات.
كان معروفاً لدي أن الشيخ الطنطاوي جمع بنفسه مجموعة من المخطوطات تقارب المائة والخمسين مجلداً آلت كلها إلى مكتبة الجامعة، وكنت أعرف أن بـينها آثار أدبـية ممتعة ليست بالقليلة وأن جزءاً منها داخل نطاق الاستخدام العلمـي، لكن ليس هذا ما كان يهمنـي حينذاك. فما كنت بحاجة غليه هو استـيضاح ما إذا كانت المجموعة الأخرى من مخطوطات الطنطاوي تنطوي على اية مواد عن تاريخ حياته أو ملامح نشاطاته العلمـية والأدبـية.
ولم يخب أملي: ففي أوائل هذه المخطوطات عثـرت على مؤلفات لم يـرها أحد، بقلم الشيخ الطنطاوي نفسه ومخطوطات لمؤلفين آخرين كان قد نسخها في شبابه. وعثـرت على مخطوطات فيها ملاحظات وإضافات وتعليقات له. وقررت أن أنظر وأفحص في بطيء المائة والخمسين مجلداً جمـيعاً صفحة صفحة. وقد ازداد هذا العدد عندما وجدت أن بعض مخطوطات مجموعة الجامعة، التـي وصلت إلى المكتبة قبل الطنطاوي تتضمن ايضاً ملاحظاته. كان العمل فنـياً حقاً يتطلب الدقة والتمهل. ولكن هذا العمل وحده استطاع أن يعطي قاعدة ثابتة وأن يمنح بسخاء في مقابل المجهود الصعب الطويل، لأرضي النفس فحسب بل ونتائج حقيقية. ورويداً رويداً وخطوة خطوة ارتسم أمامـي بالتدريج كل المجال العلمـي والتعليمـي لمعاصري الطنطاوي.
وبـرزت أمامـي اهتماماته الشخصية البعيدة عن نطاق هذا المجال، ومحاولاته الأولية الوجلة في جمع مواد تجيب على استفسارات أصدقائه وطلبته الأوروبـيين. وقد ساعدت ملاحظاته وتعليقاته على صفحات المخطوطات في إيضاح المراحل المتتالية من حياته. فأول جزء من مخطوطاته اشتـراه عندما كان طالباً ثم معلماً في الأزهر.
وفي الجزء الثانـي يتضح من ملاحظاته عليه أنه قضى معه وقت فراغه غيـر الاختـياري في الحجر الصحي الطويل في إزمـيـر أو إسطنبول وقت رحلته إلى روسيا.
وأوضح من ملاحظات الجزء الثالث أنه يطيـر بأفكاره إلى وطنه من غربته البعيدة حيث أنهى حياته. وبالتدريج وضحت القاعدة الزمنـية لتاريخ حياته وابتدأت صورته الرومانتـيكية الغائمة تـزخر بألوان حياته الناصعة.
وكان العصر الجديد لكل عملي هو عام 1924. فقد بدأ أبناء وطن الطنطاوي يتذكرونه عندما تـيقظ اهتمامهم نحو الفتـرة القديمة من حياتهم. وبدأت تظهر منذ ذلك الوقت (1924) إشارات عنه في أخبار المجمع العلمـي العربـي بدمشق وفي مجلات القاهرة. ووجدت أن وطن الطنطاوي لا يملك إطلاقاً ما أملكه من الموارد التـي جمعتها. وبسعادة أسهمت بنصيبـي في الصحافة العربـية للعمل على احياء نموذج انسانـي لا تقل قرابته لنا عن قرابته للعرب. وهنا ربطنـي القدر من جديد مع أحمد تـيمور باشا العالم والمحب للكتب.
وكان أفقه العلمـي واسعاً. فلقد استطاع أن يفهم جيداً ايضاً الشاعر والفيلسوف الأعمى في القرن الحادي عشر أبا العلاء المعري، الذي انجذبنا إليه معاً. وبنفس هذا الفهم كان تـيمور باشا يعرف أحد مواطنـي بلده في القرن التاسع عشر، الذي عاش ومات بـين الروس هنا في الشمال. وقدر تـيمور جهودي، وبعد موته، عرفت من ابنه أن صورة الطنطاوي التـي أرسلتها له كانت دائماً على منضدته.
وابتدأت أوروبا أيضا تهتم بالاستاذ البطرسبورغي الطريف. وفي هذا العام 1924 نفسه كتب إلي محرر الطبعة العالمـية المشهورة لدائرة المعارف الإسلامـية التـي تجدد صدورها بعد الحرب العالمـية الأولى، يسألنـي أن أرسل له مقالة عن الطنطاوي. وإجمالاً لعمل استمر قرابة عشر سنوات، شعرت شعوراً جلياً بنداء داخلي يهيب بـي بإصرار أن علي أن أُلّف كتاباً عن الطنطاوي، وكما لو كان الأمر مكافأة على هذا القرار، حمل إلى عام 1924 اكتشافاً مفرحاً.
فعندما كنت انظر عدداً من إحدى المجلات الاستشراقية خرج لتوه من المطبعة، عثـرت فيه على فهرس دوري للمخطوطات العربـية في مكتبات إسطنبول، وكان ينشر مثل هذه الفهارس من وقت لآخر وأحد العلماء الألمان هو مستشرق فاشل لم يكن له مكان في ألمانـيا فألقى مراسيه في إسطنبول على وظيفة معلم متواضع في مدرسة ثانوية.
وبحماسه وعناده الكبـيـر استطاع أن يجد وقتاً ليغوص في بحر كنوز المخطوطات. ومن هناك جذبت جواهر كثيـرة، ورأيت في الفهرس فجأة أنه قد ذكر مع الآثار القديمة في جامع رضا باشا “بـرومـيلي حصار”، عنواناً حملنـي على أن أنسى كل ما خلاه. والعنوان يقول: “تحفة أولي الألباب في أخبار بلاد روسيا للشيخ محمد عياد الطنطاوي كتبه بخطه سنة 1850 م/1266 هـ. وأهداه إلى السلطان عبد المجيد”. ولم يكن لديه اية معلومة عن هذا المؤلف في موادي العلمـية ولم يكن تصوري لماهية هذا المخطوط إلا من قبـيل التخمـين.
وكان أسرع ما ورد على خاطري هو أنه وصف جغرافي عادي. ولم أصدق تماماً أن المخطوط هو بخط الطنطاوي فعلاً. وخشيت أن يكون ثمة شيء من سوء الفهم. لكن اسم الطنطاوي مذكور في العنوان. ولم أعرف الهدوء ولا الراحة وكان علي أن أنتظر مدة طويلة. وأخيـراً في عام 1927 سمحت لي العلاقات الدولية آنذاك أن اتسلم نسخة من المخطوط. وكان الحكم الذي خرجت به بناء على الخط الذي كتب به هو أن المخطوط منقول أو منسوخ بواسطة تـركي لا يحسن معرفة اللغة العربـية ولم يكن ناجحاً دائماً في فهم الأصل وبخاصة فيما يتعلق بالأسماء الروسية الصعبة أو المعقدة.
لكن لم يبق أي شك في أن المخطوط يـرجع إلى الشيخ الطنطاوي، وأخذت عينـي تتنقلا على الصفحات ولم أستطع أن أفارقها. شاعراً فوراً بأن هذا المخطوط هو أحسن مؤلفات الشيخ الطنطاوي. إلى جانب أنه قريب جداً لأنفسنا نحن الروسيين. فهو يعكس بـروعة طبـيعة الطنطاوي المتطلعة واستجابته لكل مظاهر حياتنا الدقيقة ومزاجه اللطيف الخيـر. ولم يكن المخطوط إذاً وصفاً جغرافياً عادياً كما تخيلته من العنوان، أو بمعنـى أدق لم يكن المخطوط مجرد وصف جغرافي، ففيه وصف الشيخ الطنطاوي بالتفصيل رحلته من القاهرة إلى بطرسبورغ متذكرا كذلك رحلته إلى وطنه سنة 1844.
وتحدث بالتفصيل ايضاً عن انطباعاته عن روسيا والروسيين مدة العشرة أعوام الأولى من إقامته في روسيا. وتحدث عن أسفاره في العطلات إلى بلاد بحر البلطيق وفنلندا وقد شرح لأهل وطنه بالتفصيل تاريخ روسيا في العصر الحديث ورسم خريطة لمدينة بطرسبورغ في عصره. كل هذا بإشارات حية ناصعة هي الآن بالنسبة لنا لا تقدر بثمن كما في السابق. ولقد اسعدنـي أن مخطوطاً آخر للطنطاوي أصبح معروفاً للعلم ولأهل عشيـرته. على أننـي ما أن انتهيت من الدراسة الجيدة لنسخة مخطوط إسطنبول حتى وهبنـي القدر مفاجأة أخرى مفرحة.
ففي بداية خريف 1928 دخل علي ذات مرة تلمـيذي الموهوب الناشئ المتخصص في الدراسات السامـية الذي انطفأ سراجه مبـكراً إذ حملته معها سنة 1942 القاسية. وكان دائماً هادئاً ثابت الطباع وغالباً ما كان يـزورنـي حاملاً مختلف الأسئلة العلمـية. ولكن هذه المرة شعرت فوراً أنه لم يأت من اجل مسألة بسيطة. ووجدته يمد يده إلي في هدوء عادي بمخطوط غلافه من الورق المقوى العادي ثم قال موضحاً: “هاك، وجدت هذا عند بائع كتب قديمة في شارع ليتنـي ويبدو أنه يتعلق بالجغرافيا. فقد تجدون فيه شيئاً ممتعاً لكم”.
وما فتحت المخطوط حتى ذهلت. فلقد رأيت أمامـي خط الطنطاوي في نهاية العقد الخامس من القرن التاسع عشر. وهو الخلط المعروف لدي جيداً. ونظرت بانفعال في الصفحة الأخيـرة منه فذهلت مرة أخرى: إن ما في يدي هو ذلك المخطوط الذي كتبه الطنطاوي بنفسه عن “وصف الروسيا” وهذا المخطوط الذي في يدي هو المسودة وبه تصحيحات وإضافات كثيـرة جداً بخط المؤلف نفسه.
وبالطبع فإن صديقي الشاب عرف جيداً أي كنز ثمـين حمله إلي، لكنه لم يـرد أن يحرم نفسه من الاستمتاع بـرؤية كيفية استجابتـي إلى هذا المخطوط. وعندما تطلعت إلى الغلاف فهمت للتو كيف وقع المخطوط عند ذلك البائع للكتب القديمة. فعلى الغلاف مطبوع بالحروف اللاتـينـية I.N. (إ. ن.) وهو اختصار اسم ايـرينـي نوفل وهو عربـي من طرابلس كان خليفة الطنطاوي في التدريس بالقسم التعليمـي للغات الشرقية التابع لوزارة الخارجية. وفي بداية القرن العشرين ذهبت مكتبة نوفل أدراج الرياح بفضل أبنائه الطائشين. وغالباً ما كان حطام هذه المكتبة – المأسوف عليها- يطفو في أوقات مختلفة على سطح بحر الكتب في بطرسبورغ ولينـينغراد.
إن هذين المخطوطين المكتشفين- أحسن مؤلفات الطنطاوي- يعطيان الآن إمكانـيات كاملة لنشره وتـرجمته بطريقة جيدة. لكن هنا بدأ القدر قاسياً فكلا تلمـيذي اللذان أخذا على عاتقهما هذا العمل أحدهما بعد الآخر ماتا مبكرين قبل أن يصل العمل إلى نهايته. وما يعرفه العرب والروس حتى الآن عن مخطوط “وصف روسيا” هو فقط من مقالات صغيـرة ومن الملخص العربـي.
وإذا كانت نهاية حياة الطنطاوي قد اتضحت لي في ختام دراستـي له فقد تم ذلك أيضاً بفضل المخطوطات. فلقد عرفت من وثائق رسمـية أنه من أيلول (سبتمبـر) 1855- “عانـى من شلل أصاب أطرافه السفلية” حسب تعبـيـر اللغة الطبـية الرسمـية. أما ماذا عمل هو في السنوات الخمس أو الست الأخيـرة من حياته فقد كان من الصعب تصوره.
وهنا ساعدتنـي المصادفة من جديد. فقد كان وما زال في كل مكتبة كبـيـرة، قديماً وحديثاً، عاملون غيـر ظاهرين، كأنما فقدوا تماماً معالمهم الشخصية وانصهروا مع المكتبة، ومع تلك الأعمال التـي تنشأ فيها. هم أنفسهم ليسوا مبدعين أو خلاقين، بل ومن النادر أن يشغلوا بموضوعات علمـية خاصة بهم. لكنهم يعيشون في اهتمامات الآخرين كوحدة عضوية معها. وهم جد ضروريين للعلماء.
فبدونهم لا يمكن أحياناً أن تتم بعض الموضوعات أو تكتمل دراستها بطريقة حسنة. كان أحد هؤلاء العاملين شاباً ولكنه غيـر طموح بسبب تشبعه بـروح المكتبة. وهناك على المنضدة لدى خزائن المخطوطات حيث كنت انجز دراستـي عن الشيخ الطنطاوي، حمل إلي كوماً من الأوراق الكبـيـرة المكتوبة التـي تـرجع إلى منتصف القرن التاسع عشر. وهي مملوءة تماماً بسطور عربـية وروسية متداخلة مع بعضها. ولم تكن هذه الأوراق مسجلة في أي سجل. وكانت ملقاة في أسفل خزانة من خزائن المكتبة حيث اكتشفها هذا الموظف ذو الروح الخيـرة نحوي، والذي شعر بالغريـزة أن لهذه الأوراق علاقة ما بشيخي الطنطاوي.
لم أستطع في البداية فهم أي شيء. فكومة الأوراق تتضمن ما لا يقل عن مائة وخمسين ورقة ممتلئة كتلك التـي يجب أن يـرسمها الأطفال أحياناً على مساحة بـيضاء خالية أو كخط مكسر غيـر واضح لشخص راشد يحاول أن يتعلم الكتابة. وبعد أن قمت بتـرتـيب الأوراق حسب شكلها الخارجي وحسب أرقام الصفحات التـي وجدت على بعضها، بدأت أفهم حقيقة الأمر.
وعلى الفور أصبح هذا الأمر شيئاً مرعباً. فقد بدا أن الأوراق تتضمن جمـيع الموضوعات القريبة إلى الطنطاوي، وهي تتضمن مجموعة أمثال باللهجة المصرية ونماذج من التحايا والأغانـي العامـية ومواد مختلفة عن البلاغة والنحو والألفاظ العربـية. لكن كان من الواضح أن كل هذا كان مكتوباً بعد أن أخذ “شلل رجليه” ينتشر إلى يديه.
وكان من المؤلم للمرء أن يـرى كيف أن صاحب هذه اليد كان بالتدريج يتـزايد صراعه في حربه مع الكتابة. فلم يطاوعه لا القلم ولا الريشة. وكانا يخرقان الورقة عند كل حركة في اثناء الكتابة. وكانت يده تحاول أن تحسن كتابة الحرف العربـي أو الروسي وفجأة تنقبض يده مرتعشة فيجري منه القلم على ما يقرب من الصفحة كلها. كانت المادة كلها حقاً حية وممتعة. ولكن إذا كنت قد فهمت الصفحات الأولى بصعوبة فإن فهم ما بعد ذلك أخذ يـزايد سوءاً. فأحياناً كانت الحروف تلتحم معاً في صورة خط اختـزالي أو ما يذكر بكتابة الأعمى الذي سلمت له في يده عصاً يغمسها في لون الصباغة ليكتب بها. وهكذا استمر الأمر على عشرات الأوراق.
وهذه السطور توضح ببلاغة وبفظاعة ايضاً كيف أن الطنطاوي كان يحاول بإصرار أن يمسك بالسراب لأداء عمل عقلي لم تمكنه منه يده الهامدة وهو الرجل ذو الطبـيعة الحية التـي لا تعرف التقهقر أو الاستسلام. ولو أنه وجد موضوع لرواية عن الطنطاوي في قصص المعاصرين فإن هذه الأوراق تتحدث عن مأساة قاسية لإنطفاء حياته. وفي آخر فصول هذه المأساة ينسدل الستار على موت البطل محتـرقاً بنار شريـرة من التسمم الدموي. وهكذا فتحت المخطوطات لي كل فصول مأساة تلك الحياة التـي بدأت في قرية مصرية صغيـرة، وتفتحت في المراكز العلمـية العربـية في طنطا والقاهرة، ثم عبـرت إلى عاصمة روسيا سان بطرسبورغ وانتهت في قبـر ذي شاهدة، هناك في مقبـرة فولكوفو.
وصدر كتابـي عن الشيخ طنطاوي في بداية 1930 ولم يعجب الكتاب الجمـيع لسبب ما، ولكن أفرحنـي أن المستعربـين والعرب وبخاصة أهل وطن الشيخ قد قدروه وتحدثوا عنه بكلمات حارة. وقد قاسيت كثيـراً عندما كنت أؤلف هذا الكتاب. وحتى هذه اللحظة عندما أُسأَل عن أعمالي أعتبـرها أثـراً جديـراً في العلم فإننـي اشيـر دائماً إلى اربعة كتب أولها عن شاعر دمشق المرح الذي كان منادياً في سوق الفواكه.
وثانـيها عن أهجية دقيقة للحكيم الأعمى الشاعر والفيلسوف السوري. وثالثها عن بديع الشعر الذي ألفه أمـيـر وشاعر وعالم لغوي رقيق كام لسوء حظه خليفة بغداد لمدة يوم واحد. وآخرها عن الشيخ المصري الأستاذ في بطرسبورغ. لكن يبدو لي أحياناً أننـي أحب الكتاب الأخيـر وأفضله على الجمـيع. وغالباً ما كنت أفتحه لأتطلع إلى صورة ذلك الشخص الذي يدور حوله الحديث في الكتاب.
دور كراتشكوفسكي في الاستعراب الروسي
يعتبـر المستعرب الروسي كراتشكوفسكي أول من عالج عدد من القضايا المرتبطة بتاريخ الاستشراق في مجال الدراسات الروسية حول الدين الاسلامـي واللغة والأدب العربـيين وحضارة العرب وتاريخهم، وتؤشر مسيـرته إلى بداية الاستعراب في روسيا، فهو بحق شيخ المستعربـين (1883 – 1951) الذي اقتـرن اسمه بالاستعراب الروسي طوال النصف الأول من القرن العشرين، كان رائداً للمدرسة الاستعرابـية الروسية، وذلك للمجهودات التـي بذلها في مـيدانـي التعليم والبحث العلمـي.
ومن أهم الانجازات التـي قدمها هذا المستعرب في الأدب العربـي القديم، نذكر أبحاثه حول الشاعر عبد الله ابن المعتـز والمتنبـي وأبي العلاء المعري وأبي الفرج الوأواء الدمشقي وتاريخ الأدب الجغرافي العربـي والأندلسي، وغيـرها من الدراسات التـي شملت جمـيع فروع اللغة العربـية وآدابها. وقد أصدرت له أكاديمـية العلوم السوفيتية ما بـين 1956 و1960 ستة مجلدات تضم مجموع ما كتبه هذا المستعرب في مختلف المجالات الأدبـية والفكرية. وقد تعرف على نخبة من المفكرين العرب مثل لويس شيخو، جرجي زيدان، محمد كرد علي، أمـين الريحانـي، إسعاف النشاشيبـي، وغيـرهم. واستمرت صلاته ببعضهم لأغراض البحث العلمـي. وانتخبه المجمع العلمـي في دمشق في العام 1923 عضواً فيه، كما كان عضواً في العديد من الأكاديمـيات والجمعيات العلمـية.
وأمضى كراتشكوفسكي جلّ حياته الفكرية يعمل في حقل الدراسات العربـية. وفي حقل المخطوطات والكشف عنها وتحقيقها، وكان له الفضل في اكتشاف مخطوط «المنازل والديار» للأمـيـر السوري أسامة بن منقذ. وكذلك مخطوط «رسالة الملائكة» لأبـي العلاء المعري. وقام بنشر كتاب «البديع» لابن المعتـز. وفي مجال المؤلفات، قدم كراتشكوفسكي عملاً في غاية الأهمـية وهو كتابه «مع المخطوطات العربـية» الذي يمثل مسيـرته الذاتـية، عرض فيه موقفاً شاملاً من الشخصية العربـية والإسلامـية، وأبرز موقفاً مشرفاً عن الحضارة والتـراث العربـي الإسلامـي. كما تـرجم القرآن الكريم إلى اللغة الروسية، وكذلك كتابه «تاريخ الأدب الجغرافي العربـي».
ويعتبر العلامة كراتشكوفسكي أول عالم أوروبي يكتب عن الأدب العربي الحديث، حيث وضع عام (1909) دراسة بعنوان (الرواية التاريخية في الأدب العربي المعاصر، وصف فيها آثار أبرز ممثلي الاتجاهات الأدبية الحديثة: جرجي زيدان وجميل الزهاوي وأمين الريحاني ومحمد تيمور. كما أعار المستشرق كراتشكوفسكي اهتماماً بالغاً لمبادئ ومناهج دراسة الأدب العربي.
وبعد انتهاء الحرب بدأ عهد جديد في تاريخ الاستشراق الروسي بعامة والاستعراب بخاصة. وكانت المراكز الرئيسية لدراسة اللغة العربية والأدب العربي قبل ثورة أكتوبر عام (1917) في مدن بتروغراد وموسكو وقازان. أما في العصر السوفييتي فأصبحت اللغة العربية ـ كما يذكر المستعرب غريغوري شرباتوف ـ تدرس أيضاً في المعـاهد العليا المنشأة في الجمهوريات السوفيتية الأخرى.
المستعربة الروسية أنا دولينينا: إن الباحثين الروس لم يولوا أية أهمية لكتاب كراتشكوفسكي “مع المخطوطات العربية”، ويبقى غير مفهوم سبب ذلك التعتيم على ذلك الكتاب الجميل والرائع المملوء بالحب للعرب والأدب العربي وكل ما يتعلق بالثقافة العربية.
المستشرق الروسي إي. شميدت كتب بأن الاستعراب الروسي، بفضل أعمال كراتشكوفسكي العلمية، انطلق من ميناء روسي الى بحر العلم العالمي.
حول أبحاث كراتشكوفسكي:
تناولت ابحاثه العلمية المجالات الثلاثة:
- تاريخ الشعر العربي ونقده منذ قديم الزمان إلى أن وافته المنية سنة 1951،
- وآداب اللغة العربية بين نصارى العرب،
- ثم تاريخ آداب اللغة العربية منذ نهضتها الأخيرة في القرن التاسع عشر، وهو الموضوع الذي يعد كراتشكوفسكي أول من كتب بالروسية فيه، وقل من كتب عنه من المستشرقين في أوربا.
وتضمنت ثلاثة محاور أساسية، وهي:
1- محور المخطوطات وتحقيقها:
لقد كان كراتشكوفسكي شغوفًا بالمخطوطات العربية، شديد الولع بها، فسخّر جهده ووقته ومعظم عمره العلمي في قراءتها، وجمعها، والسفر إليها، والتعريف بها، وتحقيقها، ونشرها بالعربية وأحيانًا مصحوبة بالترجمة إلى الرّوسية. ومن كتبه في مجال التعريف بالمخطوطات نذكر:
- المخطوطات الشرقيّة في قصر كاترين.
- المخطوطان الطبيان القديمان في مصر وسوريا.
- المخطوطات العربية لِكَتَبَةِ النصرانية في المكاتب البطرسبرغية.
- أمّا في مجال تحقيق المخطوطات ونشرها فنذكر:
- ديوان الوأواء الدّمشقي 1914 ، وعنوانه الدقيق (أبو الفرج الوأواء الدمشقي،
- مواد لوصف الإبداع الشعري(، وهو رسالته للدكتوراه في 540 صفحة.
- كتاب البديع لابن المعتز 1921 م.
- نشر مخطوطتين مجهولتين عن الجغرافيا وعلم الفلك.
- الحماسة للبحتري عن مخطوطة ابن ماجد 1912 م.
- الأوراق للصولي 1912 م.
- نشر كتاب الأخبار الطوال للدينوري 1912 م.[19]
2- محور الترجمة:
لكراتشكوفسكي فضلٌ كبير في ترجمة التراث العربي ونقله إلى اللغة الرّوسية، ممّا أفاد الباحثين الرّوس والقراء التّواقين إلى التعرّف على آداب العرب ولغتهم، فقد ترجم القرآن الكريم والكثير من الكتب العربية، أهمّها:
- ترجمة رسالة الملائكة للمعري 1910 م.
- ترجمة لمختارات من الكتّاب كقاسم أمين، وأمين الرّيحاني، واليازجي وغيرهم.
- ترجمة الأيام لطه حسين.
- ترجمة كليلة ودمنة.
- الإشر اف على الطبعة الكاملة الرّوسية الأولى لترجمة أ لف ليلة وليلة.
3- محور الدّراسات والأبحاث:
كتب كراتشكوفسكي العديد من البحوث والدّراسات التي تعرّف بالأدب العربي وبأعلامه وبالشخصيات المؤثّرة في التراث العربي، في كتب مستقلة حينًا وفي مقالات أحيانًا كثيرة، مثل:
- دراسة في إدارة الخليفة ) حصل وسام ذهبي فيها( 1905 م.
- شاعرية أبي العتاهية 1906 م.
- المتنبي والمعرّي 1910 م.
- رسالة عن أثر الكتاب الروسي في الأدب العربي المعاصر 1911 م.
- سيرة أبي دهبل الجمحي 1912 م.
- إسبانيا المسلمة.
- جنوب جزيرة العرب.
الأدب العربي في عيون المستشرقين الروس 173
- الخلفاء العباسيون.
- مع المخطوطات العربية، صفحات من الذكريات عن الكتب والبشر، تعريب محمد منير مرسيى 1969 م.
- البديع عند العرب في القرن التاسع 1930 م )مقال(.
- ابن زيدون شاعر الأندلس 1923 م )مقال(
- نصف قرن من الاستعراب الإسباني 1930 م )مقال(
- الشعر العربي في إسبانيا 1940 م )مقال(
- دراسات في تاريخ الأدب العربي 1965 م )مقالات جمعت بعد وفاته(
- تاريخ الأدب الجغرافي العربي، تعريب صلاح الدين هاشم 1987 م.
- حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي، تعريب كلثوم نصر عودة 2013
منهجية الدراسة عند كراتشكوفسكي
من الإنصاف القول بأنّ دراسات كراتشكوفسكي كانت مدفوعةً بالقلق المعرفي والفضول العلمي، في معرفة الآخر )العربي(، وهو ما انعكس على دراساته وأبحاثه التي تتجلّ فيها الموضوعية، ويظهر فيها الإنصاف، وهو ما يختلف بشكل كبير مع الاستشراق الغربي الفرنسي والبريطاني والأميركي على وجه التحديد، الذي كان ينظر إلى الآخر العربي بتعالٍ واستكبار غالبًا، تغذيه النّزعة الاستعماريّة، والحقد الديني الدّفين، يقزّم الإنسان العربي، ويتجاهل حضارته وسائر منجزه الثقافي فالشرقي لا عقلاني، فاسق، طفوليّ مختلف، وبالمقابل فإنّ الأوروبي عقلانيّ، متحلٍّ بالفضائل، ناضجٌ، سويٌّ” ، وقد لخّص إدوارد سعيد، علاقة الشرق بالغرب، المعبّرة -غالبًا- عن وجهة نظر استعلائيّة استعماريّة، فرضتها الهيمنة الغربية والتوحّش الإمبريالي، الذي ينظر إلى الشرق بنمطيّة[20].
ويقارب كراتشكوفسكي الأدب العربي بعقليّة موضوعية تقرأ النصّ ، ضمن أطره المرجعيّة، المتمثّلة في القواعد اللّغويّة عند العرب، ووفقًا لسنن الكتابة المتوارثة لديهم، إنّه يقرأ النّصّ ضمن بيئته اللغويّة، وضمن الشروط التي أنتجته. وإنّ من يقرأ) مقالات في تاريخ الأدب العربي (لا يشعر بأنّ الكاتب ينتمي إلى بيئة غير عربيّة، فضلً عن أن يكون مستشرقًا، فالرّجل يقرأ الأدب العربي بروح متشبّعة بالمقروء العربي.
كما ناقش كراتشكوفسكي الأدب العربي وقضاياه[21] بعيدًا عن هذه الخلفيّة المتحيّزة، ويُمكننا تمثّل ذلك بقراءة كتابه )دراسات في تاريخ الأدب العربي(، الذي يتضمّن خمسة بحوث كتبت على فترات متباعدة وهي:
- الشعر العربي 1924
- البديع عند العربي في القرن التاسع 1930
- الحضارة العربية في إسبانيا 1936
- الشعر العربي في الأندلس 1940
- أقدم تاريخ لقصة المجنون وليلى في الأدب العربي 1946
الخلاصة:
لقد منح الاستشراق الرّوسي الإضافة اللّازمة لحركة الاستشراق عبر العالم، بما تمتلكه روسيا من مقوّمات لا تتوفّر في غيرها، أهمّها صلة بعض القوميّات الرّوسية بالإسلام، والقرب الجغرافي، بالإضافة إلى عدم انخراط روسيا في الحملات الاستعماريّة على العالم الإسلامي، وهو ما جعل مدارس الاستشراق الرّوسية ذات توجّه علميّ أقرب إلى الموضوعيّة.
وتعتبر في غاية الأهمية جهود كراتشكوفسكي العلمية، الذي نذر نفسه لهذا التراث، فأماط اللثام عن كثير مما تركه الأدباء والعلماء، ونفض عنه غبار السنين، فحقق ونشر وترجم كثيرًا من المخطوطات بأسلوب علمي دقيق، وجهد مضن، فضلاً عن حفظ وفهرسة كثير من هذه المخطوطات.
ويرى كراتشكوفسكي أن الشعر العربي دخل الأندلس تامًا جاهزًا بجميع أشكاله الشرقية، وأن القصيدة الأندلسية قد حافظت على شكلها العروضي، وعلى بنائها الخارجي، فبقيت حبيسة الإطار الجاهلي والأموي والعباسي، ولكن ضمن التغييرات التي طرأت عليها في المشرق. إلا أن القصيدة الأندلسية استحدثت أيضًا شكلين آخرين، هما: الموشح والزجل، وذلك بفضل الظروف السياسية التي عاشها الأندلسيون، وبفضل الطبيعة الساحرة الفاتنة التي حظيت بها الأندلس.
وأشار كراتشكوفسكي إلى أن ابن المعتز هو أول من ألّف في علم البديع تأليفًا ذا صيغة منهجية محكمة، وأن مفهوم علم البديع لديه أقرب ما يكون بالأسلوب الجديد أو الاتجاه الجديد، وبالتالي فقد توصل إلى قناعة أكيدة بأنه لا أثر للبلاغة اليونانية في نشأة البديع العربي، وأن أثر ابن المعتز قد امتد إلى من جاء بعده، ولا سيما في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين؛ أي في فترة ازدهار علم البديع.
واعتنى كراتشكوفسكي أيّما اعتناء بالأدب العربي القديم والحديث على حد سواء، وأمضى سنين عدة في البحث والدرس في كثير من القضايا المؤرقة، وأبدى وجهات نظر قيمة، تستحق التقدير والشكر؛ إذ درس الشعر الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي، وكذلك الأدب العربي الحديث، في مجال الشعر والقصة والمسرحية، فنشر العشرات من الأبحاث الجادة، فضلاً عن ترجمة بعض الآثار للكتاب والأدباء العرب المحدثين في اللغة الروسية.
ويذكر أن كراتشكوفسكي عُرف في العالم العربي، من خلال مؤلفاته التي ترجمت إلى اللغة العربية، ومنها: “مع المخطوطات العربية؛ صفحات من الذكريات عن الكتب والبشر”، تعريب محمد منير موسى، منشورات دار النهضة العربية، القاهرة، 1969. و”تاريخ الأدب الجغرافي العربي”، تعريب صلاح الدين عثمان هاشم، منشورات هيئة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1963. و”الشعر العربي في الأندلس” تعريب محمد منير موسى، منشورات عالم الكتب، القاهرة، 1971 و”الرواية التاريخية في الأدب العربي الحديث ودراسات أخرى” تعريب: عبد الرحيم العطاوي، منشورات دار الكلام، الرباط 1989. و”دراسات في تاريخ الأدب العربي” ترجمة: محمد العصراني، منشورات (ناؤوس)، موسكو، 1995. كما حقق “كتاب البديع” لعبد الله بن المعتز، منشورات دار المسيرة، بيروت، 1982.
وهو لا يفرق في حبه بين الآداب العربية، والأمة التي أنتجت هذه الآداب، فهو يحب الأمة العربية حبًا جمًا لا يقل عن حبه لآداب لغتنا وثقافتنا، ثم هو يحبها حبًا فعالاً عمليًا لا نظريًا فقط. فكم له من أياد بيض على بعض أفراد هذه الأمة، وكم له من دفاع مجيد عن مصالحها الحيوية وحسن سمعتها وتقديرًا لمكانته العلمية، وقد انتخب عام 1923 عضوًا مراسلاً في المجمع العلمي العربي بدمشق.
وبإشرافه صدرت الطبعة الروسية الكاملة لترجمة “ألف ليلة وليلة”، كما قام بترجمة “كليلة ودمنة” من العربية إلى الروسية، وكتاب “الأيام” لطه حسين، وقام أيضًا بإصدار كتب مدرسية باللغة العربية، وتحت إشرافه صدر أول قاموس عربي روسي، وآخر ما ترجمه إلى اللغة الروسية القرآن الكريم، وقد صدر في الاتحاد السوفيتي عام 1963.
وحول اللغة العربية يقول كراتشكوفسكي إن “إتقان العروض يثير فينا دهشة لا تقلّ عن تلك التي يثيرها إتقان اللّغة. فاللّغة العربية هي اللغة السّامية الوحيدة التي نجبت عروضًا مستقلاً[22]، وأشار إلى [23] خطأ بعض المستشرقين الذين يهملون الظروف والخصوصيات في البيئة العربية قبل الإسلام “ما جرى لأحد العلماء الإيطاليين وهي حادثة ليست باستثنائية- إذ ترجم مقطعًا من حكاية عن سَفْرةٍ ليليّة على ظهر الإبل فجعله وصفًا لغارة بحريّة على متن السّفن”
ومن أهمّ سمات هذه الشّخصيّة خوضها في القضايا العربيّة بروح عربيّة، وعقليّة عربيّة، تتعامل مع الأفكار بمحبّة، بعيدًا عن التعالي والفوقيّة المنتشرة في أوساط كثير من المستشرقين الغربيين.
إجراء المزيد من الدراسات الموضوعية لإنصاف جهود المستشرقين، ولا سيما الذين تركوا بصمات علمية جليّة في مجال التراث، والتنبيه على منهجيتهم التي اعتمدوها في نشر التراث العربي وإخراجه على الصورة القريبة من أصوله، وكذلك الحال في مجال الدراسات اللغوية والأدبية الحديثة، والإفادة منها
وإبراز الجهود الجبارة للمستشرق الروسي كراتشكوفسكي، وتعزيز صورة المستشرق الصديق في الثقافة العربية، بدلاً من التركيز على الصورة الهدّامة.
توصية للمؤتمر:
نوصي بعقد مؤتمر علمي دولي برعاية عربية روسية حول المستشرق الكبير كراتشكوفسكي عرفانا لدوره العظيم في ابراز الادب والثقافة والتاريخ والجغرافيا العربية ولحبه للحضارة العربية الإسلامية والدفاع عن الاستعراب في الفترة الستالينية بكل شجاعة كعالم وانسان تعرض خلالها لضغوطات هائلة في العهد الشيوعي اوصلته الى الوفاة.
تعريف بكتاب: الاستشراق والعالم الإسلامي (2022)، من تأليف أ.د. محمود الحمزة:
يتحدث الكتاب عن تاريخ الاستشراق بعمق ولأول مرة بالعربية عن الاستعراب العلمي الروسي ودور مؤرخي المستعربين الروس في دراسة المخطوطات العربية في الرياضيات والفلك وغيرها. وتضمن الكتاب مقدمة وسبعة فصول وملحقات:
الفصل الأول: العلاقات الثقافية والروحية بـين روسيا والعرب في 1000 سنة
أولاً: العلاقات الثقافية القديمة بـين روسيا والمشرق العربـي الإسلامـي
اهتمام الروس بالمشرق العربي- في عهد الامبراطور بطرس الأول- بدايات مدرسة الاستعراب
تشكل مدرسة الاستعراب في القرن التاسع عشر
ثانياً: تأثيـر التـراث العربـي والإسلامـي في الثقافة الروسية
دور التـرجمة في التفاعل الثقافي بـين العرب والروس- تأثـر الأدباء الروس بالثقافة العربـية والإسلامـية: شاعر روسيا ألكسندر بوشكين – الشاعر ميخائيل ليرمنتوف- الكاتب ليف تولستوي- الكاتب إيفان بونين- الشاعر نـيكولاي تـيخونوف
ترجمات القرآن الكريم إلى الروسية
ثالثاً: العلاقات الروحية المسيحية بـين روسيا والمشرق العربـي
لمحة عن تاريخ العلاقات الروحية بين روسيا والمشرق العربي- الاهتمام الثقافي لروسيا القيصرية بالأراضي المقدسة وبلاد الشام- رحلة البطريـرك مكاريوس بطريـرك أنطاكية ودمشق إلى روسيا – كراتشكوفسكي عن رحلة البطريـرك مكاريوس- الاسلام والمسيحية في التاريخ الروسي المبكر- رؤية حول الهُوية الروسية
الفصل الثاني: تاريخ الروس في الأبحاث والمؤلفات العربية
أولاً: حول أصول الروس
ثانياً: رسالة أحمد بن فضلان كأقدم مرجع عن تاريخ الروس
رسالة أحمد بن فضلان: الروس – سلوكهم وعاداتهم- الدين والسلطة عند الروس- طقس الدفن عند الروس- اهتمام العلماء بمخطوطة ابن فضلان
الفصل الثالث: تاريخ الدراسات الاستعرابية في روسيا
أولاً: مدرسة الاستعراب الروسية في القرن العشرين
بدايات الاستعراب الروسي – مرحلة الاستعراب في القرنين 18 و 19 م – مرحلة المستعرب كراتشكوفسكي
ثانياً: أشهر المستعربـين الروس:
ألكسندر (مـيـرزا محمد علي) كاظم بـيك- إيليا بـيـريـزين – فلاديمـيـر غيـرغاس- البارون فكتور روزين- فاسيلي بارتولد- اغافانغل كريمسكي- اغناطيوس كراتشكوفسكي- بوريس دانتسيغ- بنصهيون غرانده- نينا بيغوليوفسكايا- يفغيني بيليايف- نيكولاي يوشمانوف- فلاديمير بيلكين- ألكسندر كوفاليوف- آنا دولينينا- أولغا فرولوفا- هراتشيا غابوتشيان- ليونيد ميدفيدكو (وابنه وحفيده المستعربين)- عمري شيخ سعيدوف- أوليغ بولشاكوف- يفغيني بريماكوف- أنس خالدوف- روبرت لاندا- ستانيسلاف بروزوروف- ميخائيل بياتروفسكي- فيتالي نعومكين- دميتري فرولوف- يفيم ريزفان
ثالثاً: سير ذاتية لشخصيات أدبية عربية مؤثِّرة ً في الاستعراب الروسي
الشيخ الأزهري محمد عياد الطنطاوي: كراتشكوفسكي ومكانة الطنطاوي- حياة الطنطاوي ونشاطه العلمي والأدبي- مؤلفات الطنطاوي- مؤلفات عن الطنطاوي
كلثوم عودة- فاسيليفا- بروفيسورة من الناصرة – بندلي صليبا الجوزي- ميخائيل نعيمة: ذكريات عن ميخائيل نعيمة- ميخائيل نعيمة عن كراتشكوفسكي- ذكريات ميخائيل نعيمة عن روسيا
مكي أحمد بن حسين المكي- جرجس إبراهيم مرقص- عبد الله قلزي- ميخائيل يوسف عطايا- فضل الله صروف- أنطوان خشّاب- سليم نوفل- توفيق جبران قزما
رابعاً: المتحف الآسيوي الذي بات معهد المخطوطات الشرقية في سان بطرسبورغ
خامساً: معهد لازاريف للغات الشرقية في موسكو
الفصل الرابع: تاريخ الاستعراب العلمـي في روسيا
أولاً: مدرسة الاستعراب العلمـي في روسيا: مرحلة مؤرخ الرياضيات يوشكيفيتش- أهم نتائج مدرسة تاريخ العلوم العربـية في روسيا- دراسة الفلك والطب والفلسفة والمـيكانـيكا العربـية
ثانياً: إسهام المستعربـين الروس في دراسة المخطوطات العلمـية العربـية
دراسات ماتفييفسكايا حول تطور مفهوم العدد
بعض الأعمال الرياضية الاخرى للباحثة ماتفييفسكايا
العلماء العرب أم العلماء المسلمون؟
مخطوطة نادرة لابن الهيثم عثر عليها في جامع مدينة كويبشيف الروسية
ثالثاً: موسوعات روسية لدراسة المخطوطات العربـية
المدرسة السوفياتـية في تاريخ الرياضيات
كتاب يوشكيفيتش عن الرياضيات في البلاد الإسلامـية
موسوعة علماء الرياضيات والفلك في العالم الإسلامـي القروسطي ومؤلفاتهم
رابعاً: أشهر مؤرخي الرياضيات العربـية في روسيا
أدولف يوشكيفيتش أول مؤرخ للرياضيات العربـية في روسيا: لمحة عن السيرة الشخصية ليوشكيفيتش- يوشكيفيتش ونشوء المدرسة االسوفياتية في تاريخ الرياضيات – أعمال أخرى ليوشكيفيتش – من مراسلات يوشكيفيتش مع فوغل (ألمانـيا)- يوشكيفيتش المربـي والمعلم- بوريس روزنفيلد- غالينا ماتفييفسكايا- مريم روجانسكايا
الفصل الخامس: خزائن المخطوطات العربـية في روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة
مجموعة المخطوطات الشرقية في معهد المخطوطات الشرقية فرع سان بطرسبورغ
مجموعة المخطوطات الشرقية في المكتبة الوطنـية الروسية (سان بطرسبورغ)
مجموعة القسم الشرقي في المكتبة العلمـية في جامعة سان بطرسبورغ
مجموعة المخطوطات الشرقية في المكتبة العلمـية لجامعة قازان (مكتبة لوباتشيفسكي)
مجموعة معهد الاستشراق التابع لأكاديمـية العلوم في جمهورية أوزبكستان
مخطوطات العلوم الرياضية والفيـزيائية
الفصل السادس: حول تاريخ العلوم العربية في المغرب العربي والأندلس
أولاً: عن التواصل العلمـي بـين المشرق العربـي والمغرب العربـي
أسباب نشوء الفكر الرياضي في الأندلس
الرياضيات في الأندلس والمغرب في القرن 10-12م
الرياضيات في الأندلس والمغرب العربـي ما بـين القرن 12 و 16م
الفصل السابع: مكانة العلم العربـي وأسباب تراجعه
أولاً: أهمـية التـراث العلمـي العربـي والإسلامي في الرياضيات
ثانياً: حول تدهور العلم العربـي وإمكانـية استعادته
حول تقدم العلوم في الحضارة العربـية الإسلامـية- أهم المكتشفات الرياضية للعلماء العرب- حول انتقال العلوم العربـية وتأثيـرها في النهضة الأوروبـية- عوامل تدهور العلم العربـي وعدم تحوله إلى العلم الحديث- النظرة إلى العلم العربـي – وضع التعليم العالي وحرية البحث- حول علاقة العلم بالدين- التفكيـر الرياضي- نموذج للمعرفة العلمـية – الرياضيات العربـية والشعر في القرون الوسطى
الخاتمة – السيرة الذاتية- ابحاث المؤلف في تاريخ الرياضيات العربية – مراجع الكتاب
