مع طلائع عام 2026 م صدر كتاب جديد بعنوان “ صوت الأبد: ملامح التلقي القرآني المبكر”للباحث الدكتور خالد بريه، وذلك عن دار الإمام المازري للنشر والتوزيع بتونس، يقدم الكتاب محاولة جادة للالتحاق بركب الشرف عبر تأمل الكلمة النازلة من السماء التي أصغت لها الأسماع وأذعنت لها القلوب، فغيرت ملامح الأرض وشكلت وعي الإنسانية.
يطرح المؤلف بريه في كتابه أسئلة جوهرية: كيف تلقى الجيل الأول القرآن الكريم؟ وكيف شد عصبهم، وهذب طباعهم، وأحيا فيهم معاني لم تخطر ببال؟ واصفا ذلك الجيل بأنه غسل بماء القرآن حتى صفا، وارتوى منه حتى ذهب ظمؤه، كالأرض البكر حين تستقبل الغيث الهتان.
عن المؤلف
مؤلف الكتاب هو الباحث الأكاديمي اليمني خالد بريه، الحاصل على الدكتوراه في الدراسات القرآنية، والمشرف على الموقع المعرفي “حكمة يمانية” ، وعضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية، واتحاد أدباء وكتاب اليمن. صدرت له عدة مؤلفات علمية وأدبية، وله بحوث محكمة ومقالات منشورة في كبرى المجلات والمواقع العربية والعالمية.
طلب الشرف الأعلى
عبر المؤلف خالد بريه في مقدمته عن غايته من هذا الإصدار، وهي طلب درجة الشرف الأعلى من طريق أوفى، فكتب عن البيان الإلهي الخالد، وعن الكلمة النازلة من السماء التي تحمل نداء الغيب وتستدعي السمع والقلب والعقل. ورسم المؤلف صورة لكتابه بوصفه “لقاء سماويا بالأرض“، ولحظة تكلم فيها الحق مع الخلق، فاهتزت لها مكة وارتجفت مفاهيم الجاهلية.
انساق المؤلف إلى موضوعه كظمآن إلى مورد، يستحضر أرواح الجيل الأول ويراقب سريان سلطان الوحي فيهم “كالدم في العروق”حتى غيرهم من الجذور.
ووصف المؤلف ذلك الجيل الفذ بأنه أزال الحجب عن قلبه فتلقى الكلمة كالأرض البكر، واتخذوا القرآن جليسا لا يمل، ورفيقا لا يستغنى عنه، وشاغلا لا يترك فسحة لغيره.
الدهشة البيانية الأولى
وفي قراءة أولية للكتاب خص بها أستاذ البلاغة القرآنية بجامعة قطر الدكتور عبد الله الهتاري موقع “إسلام أون لاين “;، أن الكتاب ركز ببراعة على “الدهشة البيانية الأولى”في أمة البيان؛ تلك الأمة الوحيدة التي أقامت للكلمة سوقا لعرض نفائس القول ونقده. وأشار الهتاري إلى أن نور المعجزة قاد أمراء البيان من ألسنتهم إلى“محاريب الإيمان“، مؤكدا أن اللسان العربي الذي اتسع للمعجزة حمل من ملامح الإعجاز ما هيأه الله له للإبانة عنها.
وأثنى الدكتور الهتاري على تتبع المؤلف للأثر النفسي الأول، ووقوفه عند أسئلة الدهشة: كيف اهتزت جبال مكة وغار حراء عند الومضة الأولى؟ وكيف غير القرآن الإنسانية فأحياها إحياء آخر جعلها أرقى نموذج إنساني؟ مبينا أن تلك المعاني حارت فيها نظرات البيان، ثم لخص قوله بأن في القرآن“نفسا من روح الله“، وذلك هو مكمن الإعجاز الحقيقي.
استعارات الإعجاز
استعرض الدكتور الهتاري كيف شبه الكتاب بين نفخة الروح في أصل البشرية، آدم، وبين نزول الوحي في قلب النبي ﷺ. مشيرا إلى أن الله رفع آدم من الحمأ المسنون والطين إلى مقام التكريم حين قال: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}، وأنه أنزل الروح الامين {نزل به الروح الامين} على المتلقي الأول، النبي الكريم، وسمى الوحي {روحا من أمرنا}؛ ليكون روح الأرواح المتلقية له، يبث فيها الحياة، ويرقيها في معارج النور، كما في قوله تعالى {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس}.
كما استدعى الهتاري مشهد الجبل في قصة موسى عليه السلام: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا}، وقارنه بالبيان القرآني الذي لو نزل على جبل لتصدع خشية. وتساءل الهتاري بدهشة: كيف احتملت“قلوب جبال البشر”من جيل التنزيل هذا البيان؟ مستأنسا ببيت إقبال الشهير:
كنا جبالا في الجبال وربما
سرنا على موج البحار بحارا
مدارج الكتاب الأربع وسياق المدرسة البيانية
أوضح الدكتور الهتاري أن مؤلف كتاب (صوت الأبد) أبدع في عروجه البياني عبر أربعة مدارج عليا:
- أفق النص
- الدهشة الأولى
- تجليات الدهشة
- والتفكر فيها
وأكد الدكتور الهتاري أن الأسلوب الأدبي الرفيع كان الوسيلة المثلى للإبانة، لأن الأديب يحتاج زادا لغويا وثيقا ومحراثا بلاغيا مكينا لتشرئب لديه سنابل البيان.
و ربط الدكتور الهتاري هذا النتاج بجهود المدرسة البيانية العريقة، مشيرا إلى أن الدراسات البيانية شهدت عصرين ذهبيين:
- الأول عصر الإمام عبد القاهر الجرجاني ونظرية “النظم“،
- والثاني هو عصرنا الحالي (القرن الخامس عشر الهجري) الذي تبلور فيه كشف وجوه الإعجاز النفسي.
واستحضر الدكتور الهتاري في هذا السياق جهود البقاعي في “التناسب“، والرافعي في“الإعجاز الصوتي”بأسلوبه الجاحظي، ومحمد عبد الله دراز في “النبأ العظيم“، وسيد قطب في “التصوير الفني“، وصولا إلى تذوق الدكتورة عائشة بنت الشاطئ للمفردة، ودفاع محمود شاكر عن الشعر الجاهلي كونه مفتاح الإعجاز.
خاتمة من ذاق عرف
وفي ختام رؤيته، يصف الدكتور الهتاري كتاب “صوت الأبد: ملامح التلقي القرآني المبكر” بأنه صوت أدبي ذو جرس وإيقاع آسر، يشد القارئ ببراعة إلى نبع البيان الأصيل، مؤكدا أن هذا الأثر قد غدا علقا نفيسا استحق أن ينشر ويروى. وتوج قراءته برسالة وجهها للمؤلف قائلا: “لقد سلكت هذا الطريق وعرفته، فَالزم السير فيه؛ فإنه من ذاق عرف، ومن عرف اغترف”.
