حينما نحلّل وضع أمّتنا والجهود التي تُبذَل منذ قرنين من الزمان على الأقلّ للخروج من التخلّف وتحقيق النهضة، سنجد أنّ هذه الجهود تواجه عوائق ومصاعب عديدة، بعضها داخليٌّ أفرزه وجودنا التاريخيّ، وبعضها خارجيٌّ وافدٌ علينا.

أما العوائق الداخليّة فهي مؤشّر على الأمراض الكامنة في الإنسان المسلم وفي المجتمعات المسلمة، وفي ثقافتنا الموروثة من زمن الانحطاط، بما تتضمّنه ثقافتنا من قِيَمٍ، ومفاهيمَ، ومعارفَ، وسلوكيّاتٍ، ووجدان. 

ويمكن ملاحظة ذلك في تصرّفاتنا اليوميّة، وفي مشاعرنا، وفي أفكارنا التي نعبّر عنها، التي ورثناها بفعل تراكماتٍ تاريخيَّةٍ في مسار مجتمعاتنا المسلمة. بينما تكمن العوائق الخارجيّة في المعامل الاستعماريّ، الغربيّ أساسًا، الذي يستغلّ ضعفنا وقابليّتنا للاستعمار، فيساهم في إعاقة نهضتنا إما بتدخُّلٍ يفسد جهود النهضة، وإما بإشعاع نموذجه الذي يُنسينا بناء نموذجنا الذي يحقّق ذاتنا ويجعلنا فاعلين في التاريخ مع غيرنا من الأمم. 

معوّقات النهوض .. المكوّنات والمسالك

كما قلنا في مقال سابق[1] ، فإنّ نهضة المسلمين تحتاج منّا أن نعمل على محورين: إزالة عوائق النهضة من جهة، وصياغة مشروع نهوض عمليّ من جهة أخرى. أمّا ما يتعلّق بالشق الأوّل، أي إزالة عوائق تحقيق النهضة الحضاريّة، فيتطلّب منّا أن نعرف عوائق الداخل، وعوائق الخارج، والتداخل بينها، ليسهل تفكيكها وإزالتها.

أمّا العوائق من الداخل، فعلينا أن نتساءل: ما هي المعوّقات التي ظلّت تقف حاجزًا أمام مختلف محاولات النهضة التي قام بها الروّاد الأوائل في عصرنا الحديث من دعاة الإصلاح والتجديد في عالمنا الاسلاميّ؟

وطرح مثل هذا السؤال يساعدنا في النظر بعلميّة ومنهجيّة وتجرّد إلى ذاتنا دون مجاملة، ومناقبيّة تجعل من العوائق مزايا، أو تتعامل بعاطفيّة مع ما نحمله على ظهورنا بفعل تراكم التاريخ. بل ينبغي إخضاع تجربتنا التاريخيّة للتشخيص الدقيق من قبل الخبراء، ليميّزوا بين الثابت والمتحوّل، وبين الأفكار الفعّالة والأفكار المعطّلة، و”الميتة” التي انتهت مسوّغات وجودها، أو أنّها في ذاتها من انحرافات التاريخ. 

وعلينا أن نعي جيّدًا أنّ مجتمعاتنا يصيبها ما يصيب المجتمعات الأخرى من أمراض المجتمعات والحضارات، وهي سنّة الله في خلقه، لا يمكن أن تحابي مسلمًا أو غيره. بل يصاب بها كلّ من لم يتحقّق بشروط التحصين منها. وهي عوائق موزّعة على دوائر وجودنا الفكريّ والثقافيّ والنفسيّ والاجتماعيّ والسياسيّ والأخلاقيّ، وكل مناشط حياتنا. 

وأما العوائق من الخارج، فهي العوامل الخارجيّة لتخلّفنا وتأخُّرنا، وهي أساس الهيمنة الحضاريّة الغربيّة وما جلبت علينا من مختلف التحدّيات، بداية بالاستعمار، ونهاية بالعولمة، والغزو الفكريّ والحضاريّ.

مقابل هذه الأمراض الداخليّة التي ظلّت تنخر جسد الأمة فكريًّا ونفسيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، نجد حاجزًا خارجيًّا يتمثّل في الاستعمار (الحضارة الغربيّة) الذي يرفض أن يتحوّل العبد إلى سيّد يتخذ قراراته بكل حرّيّة ومسؤوليّة، كما يرفض تعدّد أقطاب الحضارة الإنسانيّة ومراكزها، كلّ هذا يدفعه لإجهاض أيّ مشروع نهضويٍّ أو تحرُّريٍّ يحاول المستضعفون تحقيقه. 

الحضارة الغربية .. مركزيّة التأثير وسلطويّة الأفكار

إضافة إلى هذا، فإنّ الحضارة الغربية وثقافتها -بما لها من إشعاع عالميٍّ- باتت نموذجًا حتى في فوضاها وصارت فوضى للعالم. ولعلّ هذا ممّا انتبه له الأستاذ مالك بن نبي مبكّرًا، وأشار إليه في الفصل الأخير من كتابه وجهة العالم الإسلامي؛ من أنّ جهود العالم الإسلاميّ التجديديّة باتت تضطرب، كلّما تعلق الأمر بالغرب، بالرغم من أنّ هذا الأخير لم يعد له ما كان يتمتّع به من تأثير ساحر وجاذبيّة؛ لأنّ العالم الغربيّ صار حافلًا بالفوضى الوجوديّة والقِيَميّة والحضاريّة، ولا يجد فيه المسلم، الباحث عن تنظيم حياته اليوم والقيام بنهضة حضارية، “نموذجًا يحتذيه، بقدر ما يجد فيه نتائج تجربة هائلة ذات قيمة لا تقدّر، على الرغم ممّا تحتوي من أخطاء، بل بسبب ما بها من أخطاء”[1].

فالحضارة الغربية أو ما يسميه مالك بن نبي “المعامل الاستعماري” يعمل فينا ويؤثر في جانبين من حياتنا، جـانب سلبيّ وجـانب إيجابيّ؛ فأمّا الأول فيتمثّل في خططه ومؤامراته لتحطيم الأفكار الفعّالة العملية وتفكيكها. وأما الثاني فيتمثّل في خلق أفكار مناسبة له ولمصالحه، يسعى لنشرها لتصبح جزءًا من يوميّات أبناء الشعوب الإسلامية، بل إنّ حماسة الشعوب وانفعاليّتها تجعلها تنظر إلى هذه الأفكار بأنّها من الضروريّات التي لا يمكن الاستغناء عنها، وهي في ذاتها تحمل سمًّا قاتلًا [2].

وهناك مجموعة من الأدوات والآليّات التي يوظفها الغرب قيودًا وحواجز تمنعنا من تحقيق أهدافنا الإنسانيّة والحضاريّة، وقد ذكرها الدكتور محمد لعاطف في رسالته القيمة عن معيقات النهضة وسبل مواجهتها في فكر مالك بن نبي [3].

غير أن بن نبي نفسه الذي نبّه إلى “المعامل الاستعماري” قد نبّه على “معامل القابليّة للاستعمار”. وهذا لا يجعلنا نتجاهل أثر الاستعمار في تفويت كثير من فرص النهضة علينا، وإفشال كثير من مشاريع التحرّر والتنمية والبناء الحضاريّ على أمتنا، ولكن ما ينبغي التأكيد عليه أنّه لولا عوامل الداخل، لما توسّعت مقدرة العامل الخارجيّ في التأثير في مسيرنا نحو الخروج من التخلّف وتحقيق نهضتنا.