استعاذ النبي    من انتقام الله عز وجل من العبد فجأة دون سابق إنذار ، فعن عبد الله بن عمر  رضي الله عنهما  قال: كان من دعاء رسول الله : « اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك ،وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك »(1). أي مباغتة المكافأة بالعقوبة والانتقام بالغضب والعذاب، وخصها بالذكر لأنها أشد(2). و أصعب من أن تأتي تدريجيا، بحيث لا تكون فرصة للتوبة.

والمرء منا لا يطول أمله في الدنيا ؛ لأن أجله أقرب إليه من أمله ،فليكثر لأجله بالطاعات والقربات ، ويقصر أمله فلا يأخذ من دنياه إلا قدر الكفاف فقط؛ لأنه إذا انشغل بدنياه كلية فربما يأتيه الموت فجأة دون أن يكون قد استعد له ، فعن أنس رضي الله عنه قال: خط النبي خطوطا ،فقال: « هذا الأمل وهذا أجله ، فبينما هو كذلك إذ جاءه الخط الأقرب »(3). وإنما جمع الخطوط ثم اقتصر في التفصيل على اثنين اختصارا ، والثالث الإنسان ، والرابع الآفات(4).

ففي رواية الترمذي لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ” هذا ابن آدم ،وهذا أجله “ووضع يده عند قفاه ثم بسطها فقال:” وثم أمله وثم أمله وثم أمله”(5)، فهذا الحديث: يبين أن أجل الإنسان  أقرب إليه من أمله(6) .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي غرز بين يديه غرزا , ثم غرز إلى جنبه آخر , ثم غرز الثالث فأبعده , ثم قال: ” هل تدرون ما هذا ؟” قالوا : الله ورسوله أعلم. قال : “هذا الإنسان ،وهذا أجله ،وهذا أمله يتعاطى الأمل يختلجه دون ذلك”(7).  

قال ابن حجر :  والأحاديث متوافقة على أن الأجل أقرب من الأمل(8). فالخطوط هي الآفات التي تعرض ،فبينما الإنسان كذلك في هذه الآفات التي تعرض إذ جاءه الخط الأقرب وهو الأجل (9).

وكيف يطول أمل المسلم في دنياه ، وأجله أقرب إليه من شراك نعله، فعن عائشة  رضي الله عنها  قالت: لما قدم رسول الله المدينة وعك أبو بكر وبلال ، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول :

كل امرئ مصبح في أهله ** والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول :

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ** واد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يوما مياه مجنة **  وهل يبدون لي شامة وطفيل

قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ثم قال رسول الله :« اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ، اللهم بارك لنا في صاعنا ، وفى مدنا ، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة » . قالت : وقدمنا المدينة ، وهي أوبأ أرض الله . قالت : فكان بطحان يجري نجلا(10) . تعني ماء آجنا(11)( 12).

قال بعض الحكماء : الدنيا مدبرة ،والآخرة مقبلة فعجب لمن يقبل على المدبرة ويدبر على المقبلة (13).