مقدمة: النهي عن الغلو وفضل كثرة ذكر الله
تواترت النصوص على سد جميع أبواب الغلو في أمور العبادات والطاعات، فمنعت الشريعة الغلو في الصلاة والصيام والصدقة ونحوها، قال رسول الله ﷺ: “وإياكم والغلو في الدين” [1].
قال أبو العباس ابن تيمية: “قوله (إياكم والغلو في الدين): عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقاد والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك” [2]. وفي حديث آخر: “استقيموا ولن تحصوا” [3]. وقال ابن رجب في شرح الحديث: “يعني: لن تقدروا على الاستقامة كلها” [4].
وهذا غيض من فيض أدلة النهي عن الغلو، وهي أدلة لا تحصى كثرة، إلا أنه لم يرد المنع في النصوص عن كثرة الذكر أو الدعاء ولو مرة، بل على العكس من ذلك، وردت آيات في القرآن وأحاديث تحث على كثرة الذكر والدعاء. وقد أوصى ﷺ بكثرة دوام الذكر واللهج به، وأن لا يزال اللسان رطباً به. فعن عبد الله بن بُسر أن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: “لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله” [5].
وقال ﷺ: “سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات” [6]. وكما قال تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب:35]. وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الأحزاب:41-42].
وحينما سمع الصحابة رسول الله ﷺ وهو يتحدث عن عظم الدعاء وأنه تُجاب الدعوة عاجلاً أو آجلاً أو أن تُبدل بما هو خير، قالوا: “إذاً نكثر يا رسول الله”، قال: “الله أكثر” [7]. وهذا نص صريح في الحث على كثرة الدعاء لشدة حاجة العبد إليه.
ولا يلزم أن يكون الدعاء أو الذكر في أوقات مخصوصة أو طريقة مخصوصة أو هيئة معينة، إنما في كل الأحوال؛ ليلاً ونهاراً، قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، حتى عند دخول الخلاء، ولذا كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه كما أخبرت أمنا عائشة رضي الله عنها. وهذا هو معنى “الذاكرين الله كثيراً والذاكرات” الذي لا حد له.
الفرق الشرعي بين الذكر والدعاء
وخلاصة التحقيق أنهما متلازمان بشكل عام، وقد يطلق أحدهما على الآخر، ويراد به هذا تارة، وبهذا تارة. ويعضد هذا حديث: “خير دعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير” [8]. وفي لفظ: “أفضل الدعاء يوم عرفة“ [9].
ودل الحديث على جواز تسمية الذكر دعاءً، وكذا سمى النبي ﷺ قول ذي النون: {أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ} دعاءً.
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما: “كان النبي ﷺ يدعو عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم” [10].
وحديث: “أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله“ [11].
وسمى ﷺ التهليل والتحميد والتمجيد دعاءً مع خلوه من تصريح الابتهال إلى الله بالطلب. وإن كان الذكر أعم من جهة أخرى، وقد يتقيد بالعدد أو بالوقت. وأما الدعاء بنوعيه:
- دعاء المسألة: وهو ما تضمن طلب النفع أو دفع الضر، (مثل: اللهم اغفر لي). وهذا نوع له آداب خاصة به، كرفع اليد واستقبال القبلة.
- دعاء العبادة: وهو ما تضمن جميع العبادات دون صيغة السؤال. وهو الثناء المحض على الله (مثل: سبحان الله وبحمده).
وكلا النوعين يسمى ذكراً في العرف الشرعي، علاوة على أنه لا تشترط النية في الذكر، وأن الذكر أفضل من الدعاء لاختصاصه بالثناء المحض، ولذا كان ﷺ ذاكراً لله في جميع أحيانه.
كتب الأذكار الأصلية (منهج المتقدمين والمحدثين)
تعكس كتب الأذكار والأدعية القديمة منهج المتقدمين الحديثي في جمع النصوص الواردة في باب معين، وتمثل التأليف الموضوعي المبكر عند المحدثين، والذي تطور وصار أكثر وضوحاً وعناية في تراث أئمة القرن الثالث ومن بعدهم.
سمات كتب الأذكار القديمة:
- الطابع الأثري: الاعتماد على ذكر الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة بأسانيدها.
- الحفظ والتوثيق: كان الهدف جمع السنة الواردة في “عمل اليوم والليلة”.
- عدم الشرح: سرد النصوص دون تعليق فقهي أو تربوي غالباً.
أشهر كتب الأدعية المسندة
- كتاب الذكر والتسبيح من السنن عن رسول الله ﷺ ليوسف بن يعقوب الأزدي البصري (297 هـ).
- عمل اليوم والليلة للنسائي (303 هـ).
- الدعاء للمحاملي (330 هـ).
- كتاب الدعاء للطبراني (360 هـ).
- عمل اليوم والليلة لابن السني (364 هـ).
- جامع أدعية النبي ﷺ لأبي نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله (430 هـ).
- الدعوات الكبير للبيهقي (458 هـ).
يدور مجمل موضوعات الكتب القديمة حول الفضائل والثواب والتزكية، ثم الحديث عن عمل اليوم والليلة والمناسبات المختلفة والآداب، حيث يُذكر في كل باب ما ورد فيه من الحديث أو الأثر دون شرح أو تفسير واضح خوفاً من الخلط. وامتاز كتاب النسائي بانتقاء الروايات، وكتاب ابن السني بالتوسع في باب الأذكار، ويُعد كتابا الطبراني والبيهقي من أوسع مراجع كتب الأدعية المأثورة. ولابن أبي الدنيا (ت 281 هـ) مصنفات مؤصلة في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، صبغها بالصبغة الزهدية التي تحرك القلوب إلى فعل الخيرات، عالج فيها تزكية النفس والجانب السلوكي والانكسار لله تعالى مستنداً في ذلك كله إلى المأثورات من الأقوال والأفعال.
وتمثل نصوص هذه الكتب الجمع الموسوعي للثروة الحديثية الثرية في مجال تخريج أحاديث الأذكار والأدعية، والتي تساعد على الوقوف على طرق الحديث ومخارجه واكتشاف علله، وفي دراسة منهج المتقدمين في التعامل مع الحديث الضعيف لاسيما في أبواب فضائل الأعمال، وحفظت لنا من خلالها كثير من آثار سلف الأمة السلوكية والزهدية والوعظية ونحوها.
كتب الأذكار عند المتأخرين (مرحلة التحرير الفقهي)
انتقلت كتب الأذكار والأدعية من مجرد باعث حفظ السنة إلى مرحلة متقدمة، وتوسع التأليف في كتب الأذكار المفردة، وتعد هذه المرحلة أبين تحريراً في التأليف وأكثر تركيزاً على جوانب الأعمال والسلوك دون الالتفات والعناية بالأسانيد كثيراً، وإنما الهم الغالب هو ترجمة معاني الأذكار في التطبيق العملي وانعكاساتها على الواقع المعاش.
ومن ثم اعتنت تلك الكتب بالكلام عن أسرار وحكم بعض الأذكار والأدعية، وبذكر تفاصيل وتنظيم التعبدات اليومية والليلية، وبيان مناسبات الأحوال من الأذكار والأدعية.
أهم مراجع الأذكار في هذا الطور
- الأذكار للإمام النووي، واسمه الكامل “حلية الأبرار وشعار الأخيار في تلخيص الدعوات والأذكار المستحبة في الليل والنهار”.
- الكلم الطيب لأبي العباس ابن تيمية.
- الوابل الصيب لابن القيم.
سمات مؤلفات الأذكار الحديثة
المطلع للكتب الثلاثة يجد منهجها وأسلوبها مختلفاً عن منهج كتب الأذكار المسندة السابقة من حيث يسر وسهولة التناول والبلوغ إلى المرام، وما يستصحب ذلك أحياناً من تعليقات وشرح وقضايا علمية وعملية. ويعتبر كتاب الأذكار للإمام النووي العمدة وأشهر كتب الأذكار عند المتأخرين بلا نزاع، والناس عليه الآن عيال، حتى قال قائلهم مادحاً للكتاب: “بع الدار، واشتر الأذكار”، وليس يذكر من لم يقرأ “الأذكار”؛ نظراً لحسن الجمع وحسن الترتيب، ولما يتخلله من روح تربوية وفوائد حديثية وفقهية وغيرها.
ويبقى أن فيه مآخذ حديثية ومآخذ عقدية في بعض المواضع، وكتاب الكلم الطيب أكثر انتقاءً منه وأكثر تجريداً من المخالفة العقدية والبدعية وإن كان لا يخلو من بعض الروايات الضعيفة التي لم يُنبه عليها. وقد تأثر ابن القيم بشيخه في كتابه الوابل الصيب وأورد فيه معظم فصول الأذكار بأحاديثها، لكن بقلمه الوجداني الذي تشكل به الكتاب مزيجاً من عمق تربوي وإيماني وفقهي، وأبان في سطوره دور الذكر في علاج أمراض القلوب وطرد وساوس الشيطان، ومنزلته في جلب راحة النفس والثبات، وانشراح الصدر وطلب الرزق والنصر.
وابن القيم خبير الميدان كما لا يخفى، ولذا يُعد هذا الكتاب –على صغر حجمه- من أوسع ما كتب في فقه منزلة الذكر وحياة القلب، إلا أن أسلوب الكتابة لا يناسب العامة، إضافة إلى بعض ما ورد فيه من الحديث الذي لا يصح.
كتب الأذكار المعاصرة (منهج التحقيق والتهذيب)
كان العصر الحديث بالغ الثراء بالتراث العلمي الكبير الذي خلفه السابقون، فتطور منهجه التأليفي في كتب الأذكار إلى الطابع العملي المختصر المهذب، المركز على الأذكار الثابتة في الغالب، وبالأسلوب التربوي الثقافي المعاصر الهادف إلى نشر السنة بين العامة من حيث لغة الكتابة ووضوح الترتيب، وسهولة الحفظ والعمل. إضافة إلى ما يرد في هذه الكتب من القواعد التي تعين القارئ على الالتزام بالأذكار والأدعية المأثورة وتجنبه سبيل الزيغ ومحدثات الأمور في هذا الباب.
أهم مراجع كتب الأذكار المعاصرة المحققة
- صحيح الكلم الطيب للشيخ الألباني رحمه الله.
- الصحيح المسند من أذكار اليوم والليلة للشيخ مصطفى العدوي.
- كتاب النصيحة في الأذكار والأدعية الصحيحة للشيخ محمد إسماعيل المقدم.
- الجامع الصحيح في الأذكار والأدعية لمؤسسة الدرر السنية.
- حصن المسلم لسعيد القحطاني رحمه الله.
- فقه الأدعية والأذكار للشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر.
سمات مؤلفات الأذكار الحديثة
تتسم الكتب المعاصرة بالتركيز على الأحاديث الصحيحة والأسلوب التعليمي الميسر الذي يناسب نمط الحياة السريع.
- تحقيق الأحاديث: التركيز على “الصحيح” (مثل أعمال الشيخ الألباني).
- الاختصار الشديد: كما في كتاب حصن المسلم لسعيد القحطاني، الذي أصبح أكثر الكتب انتشاراً لسهولة حمله وحفظه.
- الفقه والتربية: مثل كتاب فقه الأدعية والأذكار للشيخ عبد الرزاق البدر.
خاتمة: لماذا لا نستغني عن كتب التراث؟
رغم سهولة الكتب المعاصرة، تظل الأصول المسندة (كالنسائي والطبراني) هي المرجع الأول للباحثين للوقوف على علل الأحاديث وطرقها، بينما تظل كتب المتأخرين (كالنووي) هي المدرسة التربوية التي علمت الأمة كيفية الارتباط بالخالق عبر الكلم الطيب.
