الحديث الضعيف في كتب المحدثين

كتب قديمة - الحديث

ذهب علماء الحديث إلى عدم جواز العمل بالحديث الضعيف المجرد مطلقا كما نبه على ذلك الإمام مسلم في مقدمة صحيحه[1]، وذلك بناء على اختلال شروط القبول فيه، إذ قوائم الأعمال المشروعة هي كتاب الله الحكيم والسنة النبوية الشريفة الثابتة، ولا يجوز الاعتماد على خبر غير ثابت في أصل من أصول الدين أو في شيء يتعبد الله تعالى به، درءا لإنشاء أمر جديد في الدين من تحليل أو تحريم أو اعتقاد ما لم يأذن الله به.

صحيح أن الحديث متفاوت في الرد والضعف، فمنه ما خف ضعفه ومنه ما اشتد، ومنه ما هو متروك وباطل وموضوع، وكل ذلك موجود ومروي في كتب أصحاب الحديث وخاصة عند من لم يشترط الصحة في كتابه، لكنهم أوردوها لأغراض إسنادية ولأغراض أخرى حسنة، ولا يريدون بها تأسيس الحكم الشرعي أو تأكيده وحاشاهم عن فعل ذلك.

وفيما يلي إلقاء الضوء على بعض الأسباب في إيراد الخبر المردود في كتب أهل العلم بالحديث.

سبب كتابة الحديث الموضوع أو الباطل

اتفقت الكلمة على أن الأحاديث الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم حرام روايتها في جميع أبواب الدين، وأن من روى شيئا منها مع علمه به فهو آثم ومرتكب كبيرة من الكبائر، بل بالغ أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين فكفر من تعمد ذلك، والصحيح عند عامة أهل العلم أنه لا يكفر بمجرد الرواية.

إلا أن المحدثين أجازوا كتابة الحديث الموضوع ونحوه لغرضين عظيمين:

  1. لبيان حاله
  2. ولتحذير الناس منه

فإن إيراد الحديث المكذوب لقصد التنبيه عليه والتحذير منه داخل في مضمار النصيحة، وصيانة الحديث النبوي من الشوائب والدخل.

ولما رأى أحمد بن حنبل يحيي بن معين رحمهما الله بصنعاء في زاوية وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجىء بعده إنسان فيجعل بدل أبان ثابتا ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس فأقول له كذبت إنما هي عن أبان لا عن ثابت[2]

وواضح أن دافع ابن معين لكتابة الموضوع هو الذب عن السنة من خلال الكشف عن حال الحديث المكذوب كي يعرفه الناس ولا يلتبس عليهم، وهذا هو صنيع أئمة الحديث في تدويناتهم. 

هذا، وقد اشتد نكير الأئمة على من روى الموضوع وسكت دون تعقيب أو بيان حاله، يقول ابن الجوزي: “ومن تلبيس إبليس على علماء المحدثين رواية الحديث الموضوع من غير أن يبينوا أنه موضوع، وهذه جناية منهم على الشرع، ومقصودهم ترويج أحاديثهم وكثرة رواياتهم”[3]

قال الإمام الذهبي في ترجمة أبي نعيم الأصبهاني “صاحب الحلية”: ما أعلم له ذنبا – والله يعفو عنه – أعظم من روايته للأحاديث الموضوعة في تواليفه ثم يسكت عن توهيتها.[4]

وأبو نعيم من المحدثين الثقات لكن عيب عليه سكوته عن الأحاديث الباطلة واعتبروه هفوة كبيرة منه رحمه الله.

وعلى كل حال، فالحديث الموضوع لا تحل روايته أو نشره، ولا يعول عليه في الدين بل لا يستحق أن يطلق عليه اسم الحديث أصلا إلا على سبيل التنبيه.

وكذا إيراد الحديث دون ذكر الإسناد أو العزو محل انتقاد عند أهل العلم بالحديث.

سبب ذكر الحديث الضعيف في الكتب

للعلماء أهداف وأغراض متعددة من إيرادهم للأحاديث الضعيفة في كتبهم، ونوجز أبرزها في الآتية:

1- معرفة طرق الحديث

جرى عمل أهل الحديث في كتابتهم للحديث على قاعدة “إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش” أي اجمع الحديث من جميع الأطراف على قدر الإمكان ثم دقق وميز منه ما هو نافع للنشر، ومن أهل العلم من قمشوا في مصنفاتهم ولم يفتشوا، ولعلهم الأكثر، وليس هذا من قبيل ما يعاب بل من باب معرفة سعة دائرة الحديث.

يقول أبو عبد الله الحاكم: وللأئمة رضي الله عنهم في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه، والمنفرد به عدل أو مجروح[5]

وكتابة الحديث الضعيف للمعرفة لا تعنى الاحتجاج به، وإنما من باب العناية بطرق المرويات وجمعها.

قال الحافظ ابن رجب:” فرق بين كتابة حديث الضعيف وبين روايته، فإن الأئمة كتبوا أحاديث الضعفاء لمعرفتها ولم يرووها”[6].

وعن سفيان الثوري أنه قال: “إني أحب أن أكتب الحديث على ثلاثة أوجه، حديث أكتبه أريد أن أتخذه ديناَ، وحديث رجل أكتبه فأوقفه لا أطرحه ولا أدين به، وحديث رجل ضعيف أحب أن أعرفه ولا أعبأ به”[7]

2- لبيان ضعفه

تارة يذكر المحدثون الحديث الضعيف بقصد بيان ضعفه تصريحا أو تلميحا، كما فعل الإمام البخاري فيما علقه بصيغة التمريض من الضعيف لا عاضد له – وهو قليل- فإنه دائما يصرح بضعفه، وكذا أبو داود يحكم أحيانا في سننه على الحديث بالضعف ونحوه، ولعل الترمذي أكثرهم تصريحا بالحكم، وفي سنن النسائى وبعض أحرف في صحيح مسلم وغيرهما من كتب الحديث إشارات وتلميحات دالة على ضعف الحديث.

3 – لجريان العمل عليه

جريان العمل على مضمون الحديث الضعيف لا ينبني عليه الحكم بالثبوت أو القبول، إذ ليس من دلالة قبول الحديث مجرد عمل الناس به، ولكن قد يذكر الحديث الضعيف في هذا المورد من باب الاستئناس لا الاحتجاج فتكون حقيقة مستند العمل من أدلة أخرى معتبرة، كالقرآن أو الإجماع أو القياس ونحوها، وخير شاهد على هذا: “كتاب جامع الترمذي” وكم من حديث حكم عليه بالضعف بل شديد الضعف ثم يحكي بأنه جرى العمل عليه، ويقصد به التنبيه على أن حديث الباب ضعيف لا يحتج به من حيث الصناعة الحديثية وإن كان ورد العمل بمعناه من دليل آخر.

ومثلا حديث: “أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعا منهن”

قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل –يعني البخاري-يقول: هذا حديث غير محفوظ.

ثم قال الترمذي: والعمل على حديث غيلان بن سلمة عند أصحابنا منهم الشافعي وأحمد وإسحاق”

وكأنه قال: حديث غيلان ضعيف والعمل عليه من باب الاستئناس، وإلا فمستند العمل في الواقع هو ما دلت عليه الآية والاجماع.

4 – للاعتبار والتقوية

وهذا المقصد جلي في أسانيد الحديث التي يختلف فيها اجتهاد العلماء تصحيحا وتضعيفا، فيورد للاعتبار والنظر في طرقه بغية لوجود أمور تحتف به وتقويه وتجعله صالحا للاحتجاج.

قال أبو العباس ابن تيمية: “قد يكون الرجل عندهم ضعيفاً لكثرة الغلط في حديثه، ويكون حديثه الغالب عليه الصحة، فيروون عنه لأجل الإعتبار به، والاعتضاد به، فإن تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها بعضاً، حتى قد يحصل العلم بها….قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل للاعتبار به، مثل ابن لهيعة…وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره…يروي عمن عرف منه الغلط للاعتبار به، والاعتضاد.[8]

5 – لتقديمه على الرأي إذا لم يوجد في الباب غيره

واشتهر عن أبي داود أنه يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال، تبعا لشيخه الإمام أحمد، وقد جاء عنه أنه قال:”والحديث الضعيف أحب إلي من الرأي”.[9]

وقال ابن رجب: “وكان الإمام أحمد يحتج بالضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن”[10]

وقال أبو العباس ابن تيمية:” قولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي ليس المراد به الضعيف المتروك لكن المراد به الحسن؛ كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ وحديث إبراهيم الهجري وأمثالهما ممن يحسن الترمذي حديثه أو يصححه[11].

وقال أيضا: كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح، وضعيف.

والضعيف عندهم ينقسم إلى ضعيف متروك لا يحتج به، وإلى ضعيف حسن”[12]

“ومن نقل عن أحمد انه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن فقد غلط عليه”[13].

6 – من باب ذكر كل ما جاء في الباب

يرد الحديث الضعيف في كتب بعض الأئمة على سبيل حصر جميع ما ورد في الباب لا على سبيل تقرير العمل به أو أنه في موضع القبول، وإنما في سياق “حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج” بل الضعيف أعلى شأنا من حال حديث بنى إسرائيل، ومع ذلك فلا يثبت بحديث ضعيف أمر شرعي مستقل لكنه يورد في معرض جمع أدلة الباب الثابتة من وجوه أخرى.

7 – من باب من أسند لك فقد أحالك

اكتفى بعض العلماء بالخروج من العهدة في مؤلفاتهم بأمانة التزام ذكر أسانيد الحديث الضعيف دون التعقيب بتصحيح ولا تضعيف، استنادا لمقولة “من أسند لك فقد أحالك” أي قد كلفك البحث والنظر والتفتيش عن أحوال رجال السند وفق قواعد علم الحديث كي يتبين لك ضعف الحديث، وهذا متجه لمن له أهلية النظر في علوم السنة والخبرة بمناهج المحدثين جرحا وتعديلا، تصحيحا وتضعيفا، ولا يعنى مجرد وجود الحديث الضعيف المسند في الكتاب الدعوة إلى العمل به.

والحاصل، أنه ليس من طريق أئمة الإسلام الاحتجاج أو الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة العرية عن القرائن المعضدة مطلقا، بل ما يتناقله المتأخرون من العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بالشروط، وإنه في الواقع يدل على عدم العمل به مطلقا، لأن أهم تلك الشروط المذكورة راجعة إلى الصناعة الحديثية كأن يكون الحديث ضعفه غير شديد، أو إلى عاضد شرعي مبرر للعمل به؛ كأن يندرج تحت أصل معمول به في الشرع، ونتيجة هذا تعنى عدم استقلال الحديث الضعيف المجرد بتأسيس أي شيء في الدين لا في الأحكام والعقائد ولا في الفضائل، بيد أنه قد يرد الحديث الضعيف في كتب الحديث بسبب الذهول دون الشعور، وأما ما جاء عن الأئمة أنهم قالوا: “إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد” فإنه يحمل على أسانيد الحديث الحسن في اصطلاح المتأخرين.


[1]  بقوله:” الأخبار الصحاح من رواية الثقات، وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع ” مقدمة الصحيح” 1/22
[2]  المدخل إلى كتاب الإكليل ص:32
[3]  تلبيس إبليس ص:103
[4]  سير أعلام النبلاء 17/461
[5]  المدخل إلى كتاب الإكليل ص:31
[6]  شرح علل الترمذي 1/383
[7] جامع بيان العلم وفضله 1/76
[8]  الفتاوى: 18/ 26- 27
[9] جامع بيان العلم  2/170
[10]  شرح علل الترمذي2/ 576
[11]  منهاج السنة 2/ 191
[12]  المصدر السابق
[13]  المصدر السابق

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين