قال تعالى : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } (الأحزاب 23). حقا إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا شيخنا المبارك لمحزونون.

فقدت الأمة العربية والإسلامية اليوم علما من أعلام العربية، وعالما من علمائها، ورائدا من روادها، عاش قرنا من الزمان يدرسها ويدرسها، يغوص في فنونها، ويصنف في علومها، ويحاضر في نحوها وصرفها وبلاغتها، وينافح عنها، وينشر حبها بين الناس، ويبث الوعي بها في كل محفل وعلى كل منبر، ويذود عنها بكل ما أوتي من فصاحة وبلاغة، وقدرة على الكتابة والتأليف والتصنيف.

قرن من الزمان

وقد عمر رحمه الله حتى ناهز مئة العام بالتأريخ الهجري، إذ ولد عام 1349ه وتوفي عام 1448هـ = 1930م – 2026م. قرن من الزمان في خدمة العربية، لم ينثن له عزم، ولم يكل له متن، ولا جف له قلم، ولا ونى له لسان، ولا خفت له صوت..

قرن من الزمان يرفع راية العربية في كل مكان، أينما حل وارتحل، في دمشق والقاهرة، وفي لبنان وقطر، وفي الرياض وليبية، وفي الكويت والإمارات، وفي الجزائر والمغرب…

قرن من الزمان والعربية عشقه وهواه، وسميره ونجواه، وهمه وسدمه، وشغله وعمله.

قرن من الزمان وهو فارس من فرسانها، وعلم من أعلامها، وسيف من سيوفها، لا يسمح لأحد أن يعبث بها، أو أن يستبيح حرماتها، أو أن ينال منها.

قرن من الزمان ولسان الحال يردد:

أم اللغات قضيت العمر أخدمها

فهي الشفيعة في غفران زلاتي

كان شيخنا المبارك رحمه الله وبرد مضجعه أمة في رجل، فقد جمع الله له المجد من أطرافه علوا في النسب، وغزارة في العلم، وجمالا في الأدب، وفصاحة في اللسان، وطلاوة في الحديث.

علو النسب

أما علو النسب فحسبه شرفا أنه مبارك ينتمي إلى دوحة الأشراف، من سلالة سيد البشر سيدنا محمد ؛ فهو سيد شريف من آل البيت الكرام. وقد جمع إلى شرف النسب رحم العلم؛ فأبوه العالم اللغوي القدير الشيخ عبد القادر المبارك (أحد كبار مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق)، وأخوه الأكبر الدكتور محمد المبارك (عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق وواحد زمانه علما ومعرفة وعملا)، وجده الشيخ محمد المبارك أحد الأدباء البارعين.

غزارة العلم

وأما علمه وأدبه فهو أحد أوعية العلم بالعربية وعلومها في زماننا، نهل ما نهل من أبيه وأخيه، فأبوه العلامة الشيخ عبد القادر المبارك القاموس المتنقل وأحد مؤسسي مجمع اللغة العربية بدمشق، وأخوه الأستاذ العلامة محمد المبارك أبو هاشم فقيه اللغة وعالمها وعالم الشريعة والاجتماع، وعضو المجمع العلمي العربي بدمشق، ومجمع اللغة العربية في القاهرة، والمجمع العلمي العراقي وأحد أركانها في الجامعات والمعاهد.

ثم أخذ العربية عن أكابر أربابها في الشام ومصر، فقد تتلمذ لشاعر الشام الكبير محمد البزم، وشيخ نحاة العصر الأستاذ سعيد الأفغاني، كما أخذ عن أساطين العربية المؤسسين لقسمها في جامعة دمشق، وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور أمجد الطرابلسي، والشاعر الأديب شفيق جبري، والأستاذ المفن عز الدين التنوخي، والعلامة الشيخ بهجة البيطار.

ثم ارتحل في طلب العلم إلى مصر فصحب نخبة من علمائها وفي مقدمتهم عميد الأدب العربي الأستاذ الدكتور طه حسين، وشيخ مؤرخي الأدب الأستاذ الدكتور شوقي ضيف، والأستاذ مصطفى السقا، والأستاذ علي النجار.. كما أفاد من مجالس شيخ العربية الكبير وفارسها الأجل أبي فهر محمود محمد شاكر، وغيرهم كثير. ليعود إلى جامعة دمشق أستاذا للنحو وتاريخه وأصوله، وللصرف العربي، والبلاغة وتاريخها.

وقد عم نفعه وفضله البلاد والعباد؛ فدرس في كثير من الجامعات العربية، بدءا من جامعة دمشق، ومرورا بجامعة الملك عبد العزيز في الرياض، والجامعة اللبنانية ببيروت، وجامعة قطر التي رأس قسم اللغة العربية فيها، ومعهد اللغة العربية بالجزائر، وكلية الدعوة في ليبية. وانتهاء بكلية الدراسات العربية والإسلامية بدبي التي رأس فيها قسم اللغة العربية أيضا. ثم عاد إلى الشام من جديد ليكون عميدا لكلية الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة بلاد الشام فرع مجمع الفتح الإسلامي.

ثم توجت رحلة عطائه الغنية قبل ذلك بانتخابه عضوا في مجمع اللغة العربية بدمشق، وأذكر أني قد كتبت في مفكرتي عشية أن بلغني نبأ انتخابه (27/6/2010م) كلاما هذا نصه:” فليهنأ المجمع، وليهنأ أعضاؤه، وليهنأ كل محب للعربية بانضمام ركن من أركانها، وفارس من فرسانها، وعلم من أعلامها إلى مجمع الخالدين. ولعل المجمع يستعيد به شيئا من عافيته بعد طول معاناة وسقم، وعسى أن يعيد الله به أياما نضرة عاشها المجمع في ظل علمائه الأفذاذ، من أمثال التنوخي وكرد علي والمغربي والمبارك الكبير -أعني والده- فيصل به ما انقطع، ويجبر ما انصدع، ويحيي ما أميت، إنه سميع مجيب”.

والحق أن نفعه لم يقتصر على المعاهد والجامعات، بل امتد إلى المساجد والمراكز الثقافية والبيوتات، فهو لا يدع بابا يمكن أن يرفع فيه للعربية راية إلا طرقه، لقد جاهد في سبيلها حق الجهاد، ونافح عنها حق المنافحة، وآلى على نفسه أن يبث محبتها والوعي بها وبأهميتها حيثما حل وارتحل، إنها همه وسدمه وقضيته التي يحيا لها وبها وفيها.

فصاحة اللسان وطلاوة الحديث

وأما فصاحة اللسان، وطلاوة الحديث، فقد بلغ فيهما شأوا بعيدا، حتى أصبح مهوى الأفئدة وقبلة عشاق العربية ومحبيها، لا يحل في مجلس إلا زانه، ولا يرقى منبرا إلا ملأه فصاحة وبيانا.. إن الكلام يزين رب المجلس.

وإذا ضمته نزهة أو سيران كان مصدر الحبور ومنبع السرور، ومجتلب المتعة ومحل الأنس. وله حديث يجمع بين الفائدة والمتعة على نحو عجيب، فبينا تراه يدفع عن لغتنا ما لحق بها من أذى، ويذود عنها ذود الرئبال الهصور، إذا هو يطرفك بأرق النوادر، ويسمعك أعذب الأحاديث والخواطر..

إنه السحر الحلال الذي وصفه ابن الرومي بقوله:

وحديثُها السحرُ الحلالُ لـو انـَّهُ
لم يجنِ قتلَ المسلمِ المتحرِّزِ

إن طالَ لم يُمللْ وإن هي أوجزتْ
ودَّ المحدَّث أنـهـا لمْ تـوجـزِ

شَــرَكُ الـعـقـولِ وفـتـنـةٌ ما مثلُــها
للمـطـمـئنِّ وعقلةُ المستوفـزِ


وأنا أقسم – غير حانث بإذن ربي – إني ما جلست معه مجلسا إلا رجوت ألا ينقضي، ولا سمعته يتكلم مرة إلا وددت ألا يسكت، وما زرته يوما أو زارني إلا تمنيت لو أن الزيارة طالت، أو امتد أمدها، وهو يذكرني دائما بمقولة الشعبي في زياد بن أبيه: “ما رأيت أحدا يتكلم فيحسن إلا أحببت أن يسكت، إلا زياد بن أبيه فإنه لم يخرج قط من حسن إلا إلى ما هو أحسن منه”.

فهو كما قال خالد بن صفوان يملأ العين جمالا والأذن بيانا.

يصدق فيه ما قاله البحتري في وصف بلاغة محمد بن عبد الملك:

في نظام من البلاغة ما

 شك امرؤ أنه نظام مريد

حزن مستعمل الكلام اختيارا 

وتجنبن ظلمة التعقيد

وركبن اللفظ القريب فأدركن

به غاية المراد البعيد

مؤلفاته

وقد رفد أستاذنا المبارك المكتبة العربية ببحوثه وكتبه، وقدم لها أجمل وأبدع ما يمكن أن يقدمه ابن بار للغته وأمته، منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • الزجاجي: حياته وآثاره ومذهبه النحوي.
  •  ​الموجز في تاريخ البلاغة.
  • نظرات وآراء في اللغة وعلومها.
  • ​سلسلة “هذه سبيلي”: شملت أجزاء في القيم وأخلاق دمشق واللسان العربي المبين. 

وحقق الكثير من كتب التراث فمن ذلك:

  • ​مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام (بالاشتراك مع محمد علي حمد الله وبإشراف سعيد الأفغاني). 
  •  الإيضاح في علل النحو للزجاجي. 
  • كتاب اللامات للزجاجي. 
  •  ​المقتضب والألفاظ المهموزة لابن جني.

 على أن أجل ما صنعه بظني تلك الروح التي نفخها في كتبه، وبثها في مقالاته، ولقنها طلابه وتلامذته وقراءه، أعني حب العربية، والذود عنها، وإعلاء شأنها، ونشر أطايبها وروائعها، وتحبيب الناس بها.

ولعل خير ما يجلو هذه الروح كتابه المشهور “نحو وعي لغوي” وهو أول كتاب قرأته له في مستهل حياتي الجامعية، وما كدت أفرغ من قراءته حتى تلقفه والدي رحمه الله، فجعله سميره ونديمه، وراح يستشهد بمقولاته في كل مجلس يجلس به، فهو لم يقتصر على ما يقتصر عليه أمثاله -من الأكاديميين– من بحوث ومقالات متخصصة لا يكاد يقرؤها إلا أربابها وطلابها من المتخصصين، بل انطلق يخاطب عموم القراء بما ينبغي أن يخاطبوا به، بأسلوب يجمع بين السهولة والسلاسة والجمال، دون أن ينال من علو العبارة، وجزالة التركيب، وبلاغة الكلم.

ومن ثم كانت له مقالات متنوعة نشرها في كثير من الدوريات والمجلات والصحف العربية، ومحاضرات عامة حفلت بها المراكز الثقافية والمساجد والمعاهد والجامعات، وندوات إذاعية وتلفازية ازدانت بها القنوات الفضائية والإذاعات.

اقرأ معي إن شئت قوله الذي صدر به كتابه (مقالات في العربية): “اللغة صفة الأمة في الفرد، وآية الانتساب إلى القوم، وحكاية التاريخ على اللسان، فمن أضاع لغته فقد تاه عن أمته، وفقد نسبه، وأضاع تاريخه”.. تدرك أي غيور هو على لغته، وأي محب لها، وأي منافح عنها.

تلامذته

أما تلامذته فأكثر من أن يحصوا، فما من طالب درس في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق في الستينيات وبداية السبعينيات، ثم في الثمانينيات، إلا أخذ عنه، ونهل من علمه، وتأثر به، وحمل بين جوانحه الكثير من العرفان لجميل فضله عليه، وقد نبه كثير منهم، وصاروا ملء السمع والبصر، بل لقد تبوأ بعضهم أعلى المناصب والرتب، في الوزارات، والمؤسسات، والمنظمات، والمجامع، والجامعات، والإفتاء، والتدريس، والخطابة، والكتابة.

هذا فضلا عمن درس عليه في الجامعات الأخرى، في كل بلد حل فيه، إذ كان كالغيث أينما حل نفع.

أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يرحمه ويغفر له، ويعلي في الجنان مقامه، وأن يكتب له بكل حرف كتبه، ودرس درسه، وكتاب ألفه، ومحاضرة حاضر بها، ومقالة سطرها، أجر المجاهدين في سبيله، وفي سبيل لغة قرآنه.

كما أسأله سبحانه أن يعظم أجر أولاده وأهله وذويه وتلامذته ومحبيه، وأن يحسن عزاءهم، ويخلف عليهم وعلى الأمة في مصابها خيرا، إنه سميع قريب مجيب، وإنا لله وإنا إليه راجعون.