غَدَت مشكلةُ التفكُّك الأُسري من أكثر المشكلات التي تواجهها المجتمعات، والتي يتجرَّع مرارتها الأبناء من خلال الدخول في دوامة التنازع حول حضانة الأبناء وولايتهم ونفقتهم، ولهذا أولَت الشريعةُ الإسلامية عنايةً بالغةً بأحكام الأسرة عموماً، وأحكامِ الحضانة والولاية على وجه الخصوص، صوناً لمصالح الأبناء وحفاظاً على كيان الأسرة.
ولمَّا كانت مسائل الحضانة من المسائل المتجدِّدة في كل زمان ومكان، استدعى ذلك استجلاءَ أحكامها والنظرَ في مستجدَّاتها؛ لإظهار حكم الشارع فيها، وتأصيلَ النظرة الشرعية القانونية التي اعتمدتها المحاكم الشرعية في العصر الحاضر، مع الكشف عن مقاصد الشريعة وغاياتها في معالجة قضايا الحضانة، التي يستند إليها الفقهاء والقضاة في بناء أحكامهم وقراراتهم. وفي هذه السلسلة من المقالات نُسلِّط الضوءَ على جملة من هذه القضايا المستجدَّة.
ولعلَّ من أبرزها قضيةُ استضافة المحضون ومبيته عند الطرف غير الحاضن؛ فبينما استقرَّ الفقهاء على حقُّ الطرف غير الحاضن في رؤية المحضون، تبقى مسألةُ الاستضافة والمبيت والاستصحاب من المسائل المعاصرة التي تستدعي البحث والتأمُّل، للوقوف على موقف الفقهاء منها، وإبراز المقاصد الشرعية التي استندوا إليها في اجتهاداتهم، واستجلاء ما انتهت إليه المحاكم الشرعية في هذه المسألة. وهذا ما تكشفه صفحات المقال الآتي.
المطلَب الأوَّل: أحكام استضافة المحضون
أولًا: أقوال الفقهاء في أحكام استضافة المحضون
اتَّفق فقهاء المذاهب([1])على حقِّ الطَّرف غير الحاضن في زيارة المحضون ورؤيته والاطِّلاع على أحواله، فأوجبوا السَّماح له بزياراتٍ متقاربةٍ يوميَّة للصِّغار ومتباعدةٍ أسبوعيَّة للكبار، حرصًا منهم على إيلاف المحضون للبرِّ وصلة الرَّحم ومنع العقوق، لكنَّهم فرَّقوا في تفاصيل أحكام الزِّيارة بين الذَّكر والأُنثى وَفق الآتي:
- إذا كان المحضون ذكرًا:
- إذا كانت الحضانة لأمِّه: يكون عندها في اللَّيل، وعند أبيه في النهار يعلِّمُه حرفةً أو صنعةً يكتسب مِنها أو علمًا يَنتفع به.
- إذا كانت الحضانة لأبيه: يكون عنده في الليل والنَّهار، على أن يسمح له بزيارة أمِّه دوريًّا، ليألف برَّها، ولا يُمنع مِنها فيألفَ العقوق.
- إذا كان المحضون أنثى:
- إذا كانت الحضانة لأمِّها: تكون عندها ليلًا ونهارًا، يَزورها أبوها متى شاء دون أن تخرج إليه، ليطَّلع على أحوالها ويراقب تصرُّفاتها، وعلَّتهم في عدم خروجها أن تتعوَّد الخفر والحفظ والصِّيانة.
- إذا كانت الحضانة لأبيها: تكون عندَه ليلًا ونهارًا ولا تخرج لزيارة أمِّها، على أن يُسمح لأمِّها بزيارتها متى شاءت لتألفَ الصِّيانة وعدمَ البروز للنَّاس.
وتماشيًا مع ما تمَّ ذِكره نجد أنَّ الفقهاء اتَّفقوا على أنَّ حقَّ الطَّرف غير الحاضن في رؤية ولده حقّ شرعيٌّ ثابتٌ، ليس لأحد إبطاله، فضلًا عن كونه واجبًا شرعيًّا في حقِّه، وذلك بالمساهمة والمشاركة في تربية المحضون وتنشئتِه تنشئةً قويمةً، وحرصًا على صلة الرَّحم الواجبة على المحضون، لكنَّهم في المقابل لم يتكلَّموا صراحةً عن استضافة المحضون ومبيتِه عند الطَّرف غير الحاضن.
ثانيًا: عوامل اختلافِ الاستضافة عن الزِّيارة
إنَّ أحكام الزِّيارة والرؤية التي اتَّفق عليها الفقهاء قديمًا، تقوم على رؤية الطَّرف غير الحاضن لولده مدَّةً مِن الزمن خلال اليوم الواحد، أو عدَّة أيَّام في الأسبوع، أو حتَّى يومًا واحدًا في الأسبوع، على أن يعود المحضون إلى الطَّرف الحاضن بعد نهاية المدَّة، وقد تكون هذه الزيارة في بيت الحاضن نفسه، وقد تكون في مكانٍ خارجيٍّ عن بيت الحاضن والمحضون، أمَّا الزيارة اليوم فقد اختلفت عن سابقتها بعوامل عديدةٍ لعلَّ مِن أهمها:
- اختلاف نظام التعليم الحديث:وذلك من خلال التزام المحضون بنظامٍ مدرسيٍّ مُستقلٍّ عن والديه، يأخذ جُلَّ وقته اليومي، فلم يعد والد المحضون يقوم بمهمة التربية والتعليم على الحال التي كانت عليها في السابق.
- التحاق الفتيات بالمدارس والجامعات: أصبح مِن المتعارَف عليه اليوم خروج الفتاة إلى مدرستها أو جامعتها أو مِهنتها وغيره، الأمر الَّذي أدَّى إلى تغيُّر مفهوم الزيارة للمحضونة، فلم تَعدْ تلزم البيتَ كسابقِ عهدها، بل بات مِن الممكن زيارتها لوالدها -الطَّرف غير الحاضن- والمبيت عندَه.
- انشغالية الأطراف الثلاثة: إنَّ انشغالية كلٍّ مِن: الحاضن، والمحضون، والطَّرف غير الحاضن، في المدرسة والواجبات المدرسيَّة والعمل المقيد بساعاتٍ محدَّدةٍ خلال أيَّام الأسبوع جعلَ العُرف قائمًا على اقتصار الزيارة في أيَّام العطل الرسميَّة، كنهاية الأسبوع والإجازات الصَّيفية.
- اتِّساع البلدان والأمصار واختلاط النَّاس وتفرُّقهم تبعًا للظُّروف المعيشية أو الاجْتماعية أو السِّياسية، والَّذي أدَّى إلى التَّباعد بين المحضون والطَّرف غير الحاضن.
ثالثًا: أنواع زيارة المحضون:
بناءً على العوامل السابق ذكرها نجد أنَّ زيارة المحضون على نوعين:
- النوع الأوَّل: رؤية المحضون وزيارته:
يمثِّل هذا النَّوع الصُّورة المبسطة لأحكام الزِّيارة، حيث يوجد الحاضن مع المحضون والطَّرف غير الحاضن -والد المحضون- في مدينةٍ واحدةٍ، يستطيع خلالها زيارة المحضون سويعات معدودةً خلالَ اليوم الواحد، وكَذا في حالة وجود الحاضن في مدينةٍ قريبةٍ لمدينة والد المحضون، فيستطيع زيارة ولده دون تكلُّف عناء السَّفر ومشاقِّه، وقد كان جُلُّ حديث الفقهاء سابقًا في هذا النوع.
- النوع الثاني: استضافة المحضون:
تعدَّدت مَصطلحات “استضافة المحضون” بين الاستزارة والاسْتصحاب والمبيت، وكلُّها تأتي بمعنى واحد ([2])، فلا مشاحة في الاصطلاح، وتتضمَّن حالتين:
- الحالة الأُولى: الاستضافة داخل حدود الدولة:
وصورتها: أن يستضيف الطَّرف غير الحاضن ولدَه في بيتِه سواءٌ أكان مقيمًا في مدينة الحاضن، أو في غيرها مِن المدن الواقعة داخل حدود الدَّولة الواحدة؛ كأن يكون والد المحضون في “الرِّياض” والحاضن في “جدَّة” مثلًا.
- الحالة الثانية: الاستضافة خارج حدود الدولة:
وصورتها: أن يستضيفَ الطَّرف غير الحاضن ولدَه في بيته الكائن خارجَ حدود الدَّولة التي يعيش فيها الحاضن؛ كأن يكون والد المحضون في “مِصر” ووالدته في “تركيَّا” مثلًا، أو يكون والد المحضون في “السعودية” والحاضن في “مِصر” وهَكذا.
وحقُّ الاستضافة بِكلتا حالتيه لم يتحدَّث عنه الفقهاء سَابقًا، إلَّا أنَّه أصبح محلَّ اجتهادٍ فقهيٍّ قضائيٍّ، كما سأُبيِّن ذلك فيما يأتي.
رابعًا: حقُّ الاستضافة بوصفه مستجدًا فقهيًّا
استنادًا إلى ما سبق ذِكره: نجدُ أنَّ الزيارة بالمعنى المعاصر اختلفت عن الزِّيارة عند الفقهاء، فعلى الرغم مِن بيان الفقهاء ضرورة تمكين الطَّرف غير الحاضن من رؤية المحضون وزيارته، فإنهم لم يستفيضوا في شرح كيفيَّة هذه الزيارة ومَدى شموليَّتها لمعنى الاستضافة والمبيت عند الطَّرف غير الحاضن لأيَّامٍ معدودةٍ، لكنَّني وجدتُ الإشارة إلى هذا المعنى عند بعض الفقهاء، فقد أشار المرغينانيُّ إلى قضيَّة الاستضافة؛ فقال: “أمَّا إذا تقاربا -المِصْرَين- بحيث يمكن للوالد أن يطالع ولده ويَبيت في بيتِه فلا بأس به”([3]) وهذا نصٌّ في جواز الاستضافة عند أحد الوالدَين غير الحاضن بناءً على اعتبارات خاصَّةٍ، وكذا مَا ورَد عن الكنديِّ في إشارته لمسألة الاستضافة؛ فبيَّن عدم تتطرُّق الفقهاء لها، لكنَّه ذكر أنَّه إذا رأى العُدول أنَّ في وجود المحضون مع والده اليوم واليومين بلياليهما مصلحةً له ومنفعةً فلا بأس بذلك ([4])، وهذا يؤكِّد على أنَّ الأمر اجتهاديٌّ يختلف باختلاف البيئة والعُرف والزَّمان والمكان وطريقة الحياة، الأمر الَّذي يقتضي اختلاف كيفيَّة الزيارة المعاصرة بما يتوافق مع متغيرات العصر. وفي الوقت ذاته؛ فإنَّ ما ذكره الفقهاء يتلخَّص في نوعٍ واحدٍ مِن أنواع الزيارة، يتمثَّل في الصُّورة الأكثر بساطةً ومثاليةً في المشاركة الفعليَّة للوالدَين المنفصلين في تربية الأبناء، حيث يوجد الأمُّ والأب في بلدةٍ واحدةٍ، يكون الولد عند أبيه في النَّهار يتعلَّم عمل أبيه وصنعته وعند أمِّه في الليل. أمَّا ما نشهده اليوم مِن تباعد أغلب العائلات وتفرُّقهم في الدَّولة الواحدة فضلًا عن الدُّول الأُخرى، ناهيك عن التزام المحضون بالنِّظام التعليمي المعاصر الَّذي يأخذ جُلَّ وقته أدَّى إلى تغيُّر طبيعة الزيارة، فأصبحت الاستضافة في عطلة نهاية الأسبوع أو نهاية الإجازة الصَّيفية أكثر ملائمةً لروح العصر، وأكثر تكيُّفًا مع واقع الالتزام المستمرِّ لكلٍّ مِن الحاضن والمحضون ووَليِّه، على أنَّ ذلك كلَّه خاضعٌ لضوابط خاصَّة، ونتيجةً لذلك فإنَّ حقَّ الاستضافة حقٌّ جائزٌ مباحٌ لا مانع مِنه ضمن شُروطٍ وضوابطَ مُعتبرةٍ للطَّرفين، ولاسيَّما مع عدم وجود دليلٍ شرعيٍّ أو نصٍّ فقهيٍّ معتبرٍ يمنع ذلك، وتأسيسًا على أنَّ اجتهاد الفقهاء فيما يتعلَّق بأحكام الزيارة اجتهادٌ فقهيٌّ قابلٌ للتغيير بتغيُّر الزَّمان والمكان.
خامسًا: الضَّوابط الخاصَّة في حقِّ الاستضافة
يخضع حقُّ الاستضافة لمجموعة مِن الضوابط([5])، يتمُّ اللُّجوء إليها حال التَّنازع والتَّخاصم، ويحدِّد القاضي بناءً عليها ما يوافق مصلحة المحضون في إثبات حقِّ الاستضافة أو نفيه للطَّرف غير الحاضن، ومِن هذه الضوابط ما يأتي:
- أن يكون المحضون في عمرٍ يستطيع الاعتماد على نفسه في شؤونه الشَّخصية.
- تحديد المكلَّف بإحضار المحضون وعودته إلى منزلِ الحاضن، كما يحدَّد مُرَافق المحضون الصَّغير عند الحاجة.
- التزام وتعهُّد الطَّرف غير الحاضن بإعادة المحضون خلال الوقت المتَّفق عليه، مع اتِّخاذ السُّلطات القضائيَّة الإجراءات اللازمة عند المخالفة والامتناع عن تسليم المحضون.
- نفي الضَّرر عن المحضون بذهابه إلى الطَّرف غير الحاضن، فإذا ثبتَ تعرُّض المحضون لعنفٍ أو تعاملٍ مهينٍ، يُرفع عنه ويمنع الطَّرف غير الحاضن من حقِّ الاستضافة.
- إعطاء الخيار للمحضون في قبول ورفض الاستضافة.
- تحديد الزَّمان والمكان المحدَّد للاستضافة.
- وجود اتِّفاقياتٍ دوليَّةٍ تقتضي الالتزام بتنفيذ الأحكام القضائيَّة للدولة صاحبة الحكم داخل الدولة الأجنبيَّة عنها.
المطلَب الثاني: المقاصد الشَّرعيَّة ورؤية المحاكم الشَّرعيَّة في استضافة المحضون:
أولًا: المقاصد الشَّرعية الَّتي بنى عليها الفقهاء اجتهاداتهم
ممَّا تقدَّم نجد أنَّ همَّ الفقهاء الأوَّل في زيارة المحضون كان صلة الرَّحم، وعدم انقطاع المحضون عن أحد والديه ليتعود البرَّ ولا يألف البُعد والعقوق، إضافة إلى مشاركة الطَّرف الآخر لعمليَّة التَّربية التي لا يمكن أن تُتصوَّر بطرفٍ واحدٍ -الحاضن-، فالمحضون هو ذاك الطَّائر الَّذي لا يستطيع أن يطير بسلامٍ ويرتفع في الفَضاء بغير جناحي والديه، فتربية الأب لا تقلُّ أهميَّةً عن تربية الأمِّ، ووجود الأمِّ لا يغني إطلاقًا عن دور الأب، فكان لا بدَّ مِن وجود كِلا الجناحين حتَّى يطير ويرتفع ويصبح فردًا صالحًا ناجحًا في مجتمعه، وهذا لا يتحقَّق إلَّا بمساهمة الطرف غير الحاضن في تربية المحضون، لذلك كانت نظرة الفقهاء مقاصديَّةً بالدرجة الأولى، وهي النَّظرة ذاتها التي ينظر إليها القضاء اليوم في حقِّ الاستضافة، والهدف في ذلك واحدٌ؛ وهو المساهمة والمشاركة الفعَّالة في بناء المحضون وتحقيق ما يُصلح حالَه دِينًا ودُنيا.
ويمكننا تلخيص المقاصد الشَّرعية في الآتي:
- تحقيق مصلحة المحضون في مشاركة الطَّرف غير الحاضن في تربيته وتعليمه وتأديبه.
- تحقيق مصلحة المحضون في إشباع عاطفته بوجوده قرب والديه وشعوره بالحماية، والرِّعاية.
- رعاية مصلحة المحضون في تحقيق التَّوازن النفسيِّ، مِن خلال ترميم النَّقص المعنويِّ الَّذي يسببه غياب الطَّرف غير الحاضن.
- دفع الضَّرر النَّاجم عن المحضون: بتحسين علاقته مع والده؛ فضَعف العلاقة مع الطَّرف غير الحاضن يسبب مشكلاتٍ جسيمةٍ تؤثِّر في نفس المحضون، كالحزن والانطواء وضعف الثَّقة بالنَّفس والشعور بعدم المحبَّة، وينعكس ذلك على أدائه العلميِّ والاجتماعيِّ.
- تحقيق مصلحة المحضون في حصول المودَّة والأُلفة والرَّحمة بينَه وَبين الطَّرف غير الحاضن.
- تحقيق مصلحة المحضون في صلة الرَّحم والبرِّ والتزام أوامر الله تعالى في طاعة الوالدَين واجتناب نهيه في عقوقهما.
- دفع الضَّرر عن الطَّرف غير الحاضن بإقصائِه عن دوره في تربية ولده ومسؤوليته تُجاهه.
ثانيًا: رؤية المحاكم الشَّرعية في استضافة المحضون
اتجهت قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربيَّة في استضافة المحضون اتِّجاهين أساسيين:
- الاتِّجاه الأوَّل: الاقتصار على رؤية المحضون وزيارته في أماكن يُتَّفق عليها أو يحدِّدها القاضي حسب ما تقتضيه مصلحة المحضون دون أن تنصَّ صراحةً على حقِّ الاستضافة، وهو ما نصَّت عليه المادة (148) مِن قانون الأحوال الشَّخصية السوريِّ المعدل (2019م) ([6])، والمادة (20) مِن قانون الأحوال الشَّخصية المصري ([7]).
- الاتِّجاه الثاني: إعطاء الحقِّ للطَّرف غير الحاضن في زيارة واستزارة واستصحاب المحضون([8])وفقًا لتقدير القاضي بما تقتضيه مصلحة المحضون، وهو ما نصَّت عليه المادة (180) مِن الباب الرابع مِن مدونة الأسرة المغربية ([9])، والمادة (186) من قانون الأسرة القطري ([10]) والمادة (154) مِن القانون الاتحادي الإماراتي ([11])، والمادة (134) مِن نظام الأحوال الشَّخصي السّعودي ([12]).
و لعل من النماذج التَّطبيقية في تقرير المحاكم الشَّرعية لِحَقِّ الاستضافة ما سطرته مدونة الأحكام القضائية في المملكة العربية السعودية لبعض الوقائع العملية، نذكر منها:
في واقعة لدى المحكمة العامة بمحافظة “جدَّة”([13]) ؛ أقام المدَّعي دعواه ضدَّ مطلَّقته المدَّعى عليها طالبًا إلزامها بتمكينه مِن زيارة ابنه مِنها الذي يقيم في حضانتها ثلاثة أيَّامٍ في الأسبوع، فهي لا تمكِّنه مِن زيارته سِوى ثلاث ساعاتٍ في الأسبوع..، وقد رفع القاضي القضيَّة لقسم الخبراء لتحديد الوقت المتعارف عليه لزيارة المدَّعي لابنه، وقرَّر المجلس أن تكون الزِّيارة كلَّ أسبوعٍ، مِن يومِ الخميس عصرًا إلى يوم السَّبت السَّاعة الخامسة عصرًا، وتكون الإجازة المدرسيَّة مناصفةً بين الطرفين، وبِعَرْض ذلك على طرفي النِّزاع وافق المدَّعي ورَفضت المدَّعى عليها قرارَ المجلس، ثمَّ قرَّر القاضي عدم الاعتداد بقرار المجلس فيما يتعلَّق بالإجازة الصَّيفيَّة..، في حين أخذَ بقرارِ المجلس فيما يتعلَّق بالزِّيارة الأسبوعيَّة..، وعليه قضى القاضي بتمكين المدَّعي مِن زيارة ابنه مِن السَّاعة الخامسة مِن عصر يوم الخميس حتَّى الساعة الخامسة مِن عصر يوم السَّبت أسبوعيًّا قرارًا مشمولًا بالنَّفاذ المعجَّل دون كفالة.
نُلاحظ مِن هذه القضيَّة نظرة القاضي المقاصديَّة فيما يحقِّق مصلحة المحضون، حيث أقرَّ بالزِّيارة في نهاية العطلة الأسبوعية ورفضَ الزِّيارة في الإجازة الصَّيفيَّة لِصغر سنّ المحضون، لأن بقاءه مع أمِّه أحفظ له، ولانْشغالِ أبيه بالتَّكسُّب، مُراعيًا في ذلك صالحَ المحضون وحظَّه.
وفي واقعةٍ أُخرى لدى المحكمة العامَّة بمحافظة “القطيف” ([14]) ؛ أقامت المدَّعية دعواها ضدَّ مطلِّقها المدَّعى عليه طالبةً إلزامه بتمكينها مِن زيارة ابنتها مِنه الَّتي تُقيم في حضانتها، والبالغة مِن العمر اثْني عشر عامًا، والانتقال بها إلى محلِّ إقامتها الواقع في دولة البحرين، للمبيت عندها بشكل دوريٍّ؛ لمشقَّة السفر إلى السعودية بسبب العمل وزيادة العبء الماليِّ الذي لا تقدر عليه، وللتَّعرف على أخوالها وخالاتها وأقاربها في البحرين، وبعرْضِ الدَّعوى على المدَّعى عليه قرَّر موافقتَه على زيارة المدَّعية لابنتها داخل البلاد -السعودية- واسْتعداده لتحمُّل مصاريف تنقُّل المدَّعية والجلوس معها، ورفض سَفر المحضونة إلى البحرين خشية عدمِ إعادة المدَّعية لابنته، وصعوبة استردادها نظرًا لاختلاف الأنظمة بين الدَّولتين، وقد وَرَدَ قرارُ قسم الخبراء متضمِّنًا تقدير مدَّة الزيارة المناسبة ومواعيدها عُرفًا، ونظرًا لكون الدَّعوى داخلةً ضمن الاختصاص الدَّولي لمحاكم المملكة، ولأنَّ حاجة البنت الصغيرة لأمِّها أكثر مِن حاجتها لوالدها، ولأنَّ ما دفع به المدَّعى عليه غير مقبولٍ؛ لالتزام المملكة ودولةِ المدَّعية باتفاقيَّة تنفيذ الأحكام، لذا فقد حَكم القاضي بإلزام المدَّعى عليه بتمكين المدَّعية مِن زيارة ابنتها، واستحقاق أخذَها لِدولتها مِن يوم الخميس عصرًا إلى يوم السَّبت عصرًا، ويكون ذلك كلَّ أسبوعين، وقرَّر شمول الحُكم بالنَّفاذ المعجَّل بلا كفالة.
نلاحظُ في هذه الدَّعوى إقرار القاضي بحقِّ الاستضافة خارجَ حدود الملكة العربية السعودية شريطةَ وجود اتِّفاقيَّة تنفيذ الأحكام، وخضوع هذه الدَّعوى وأمثالها للاختصاص الدوليِّ، الأمر الَّذي يثبت حقَّ والد المحضونة في استرداد ابنته حالَ الهرب بها أو محاولة عدم إعادتها له، ويثبت حقُّ الأمِّ المضيفة في استضافة ابنتها وزيارتها لها، وهو ما قضى به القاضي مراعيًا في ذلك العُرف وظروف الزَّمان والمكان في هذه الدَّعوى.
ختاماً؛ وبعد هذه التطوافة المكثفة في مستجدات الحضانة بين الشريعة والقانون، نجد أن حق الاستضافة كمستجد فقهي لم يتناوله المتقدمون بالتفصيل؛ غير أن إشارتهم إليه واجتهادهم المقاصدي في تقرير أحكام الزيارة يشكل قاعدة راسخة يستند إليها المعاصرون. كما أن المتغيرات المعاصرة من تباعد الأسر واتساع البلدان وتغير أشكال التعليم جعلت “الاستضافة” صورة أكثر واقعية وملائمة من سابقتها. فكان نتاج ذلك أن اتجهت المحاكم الشرعية في أكثر الدول العربية إلى تقرير حق الاستضافة ضمن ضوابط محددة تراعي مصلحة المحضون وتنصف الطرف غير الحاضن بعيداً عن الإضرار بالحاضن.
