قاعدة التطبيق النقدي في عصر الرواية
إن القاعدة التي ننطلق نحوها في فرضية تصحيح المفاهيم الاصطلاحية هي قاعدة التطبيق النقدي لدى نقاد عصر الرواية ، وذلك من خلال الاستعمال المباشر للمقولات النقدية في معرض الحكم على الراوي والمروي. والمراد من التصحيح هو تصحيح حالة التماهي التام من أهل طلبة العلم وطلبته اليوم مع المقررات الاصطلاحية لهذه المفاهيم. هذه المقررات الاصطلاحية التي حينما وضعها أهلها إنما وضعوها ضمن أطر تدريسية، تؤهل الطلبة للولوج في هذا العلم ، ولم يكن في أذهانهم أن تصبح الحاكمة على الفعل النقدي للنقاد في عصر الرواية، من هنا جاءت أهمية التصحيح.
أولاً: كتب العلل كفيصل في تحديد المفهوم
وفي مفهوم العلة على وجه الخصوص فإن كتب العلل هي الفيصل في تحديده، ونطرح هذا الأمر من خلال النقاط الآتية:
الأولى: جاءت أغلب كتب العلل على هيئة سؤالات، وجه فيها تلميذ نجيب أسئلته النقدية الدقيقة إلى إمام جهبذ نحرير، نحو أسئلة الترمذي للبخاري، وأسئلة الدارمي لابن معين (غلب عليها التعليل)، وأسئلة ابن أبي حاتم لأبيه وأبي زرعة، وأسئلة ابن الكرخي للدارقطني التي جمعها البرقاني وعرضها عليه وأقرها.
الثانية: اشتملت كتب العلل هذه على أخطاء الرواة الثقات والضعفاء.
ثانياً: تشخيص مفهوم العلة (أخطاء الثقات والضعفاء)
من هنا فإن حصر مفهوم العلة في أخطاء الثقات حصر غير صحيح لسببين:
- سبب تشخيصي: يكمن في أن ماهية العلة؛ فهي خطأ وقع الرواة فيه حينما نقلوا المرويات، وهذا الخطأ وقع من الثقات والضعفاء على حد سواء.
- سبب واقعي: فواقع كتب العلل التي جاءت أغلبها على هيئة سؤالات اشتملت على أخطاء الثقات والضعفاء على حد سواء.
ومن هنا فإن الأصل في التفريق في العلة أن لا يتجه نحو الماهية والمفهوم إنما يتجه نحو نوعية العلل:
1. فمن العلة ما هو غامض خفي: وهي العلل المتعلقة بأحاديث الثقات، وهذا لا يتصدر معرفتها إلا كبار النقاد وجهابذتهم، ولأجلها وصفت العلة بالغموض، وهذه التي تحتاج كما قال ابن حجر: “فهماً غايصاً واطلاعاً حاوياً وإدراكاً لمراتب الرواة، وَمَعْرِفَة ثاقبة.
2. ومنها علل غير خفية: فعلل بعض الثقات لا تكون خفية بل تكون واضحة لأدنى مقارن بين الروايات.
3. ومنها العلة الواضحة: التي لا تحتاج إلى الغموض والعمق، ومع ذلك لا يكتفى في معرفتها بأحوال الرواة فلا بد من عقد المقارنة مع غيرهم، لأن الضعيف ربما يصيب، كما الثقة ربما يخطئ. والأمثلة كثيرة جداً في كتب العلل
ثالثاً: الاعتراض على تعريف ابن الصلاح
لأجل ذلك فإن الاعتراض يتجه نحو تعريف ابن الصلاح للعلة حين قال: “مَعْرِفَةَ عِلَلِ الْحَدِيثِ مِنْ أَجَلٍ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَأَدَقِهَا وَأَشْرَفِهَا، وَإِنَّمَا يَضْطَلِعُ بِذَلِكَ أَهْلُ الْحِفْظِ وَالْخِبْرَةِ وَالْفَهْمِ الثَّاقِبِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ غَامِضَةٍ قَادِحَةٍ فيه”. وهذا يتجه نحو علل الثقات، أما أن يقرر في مفهوم العلة بالجملة، فهذا مما تخالفه التطبيقات النقدية لكتب العلل.
ولأجل ذلك في تعريفه المعل: “فَالْحَدِيثُ الْمُعَلَّلُ هُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي اطُّلعَ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ تَقْدَحُ فِي صِحَتِهِ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَهُ السَّلَامَةُ مِنْهَا. وَيَتَطَرَّقُ ذَلِكَ إِلَى الْإِسْنَادِ الَّذِي رِجَالُهُ ثِقَاتُ الْجَامِعِ شُرُوطَ الصَّحَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ”.
هذا لا يمثل المفهوم الشامل للعلة أو الحديث المعلول، وكما سبق بيانه تميز النقاد في الكشف عن علل الثقات، وهي التي ينطبق عليها كل هذا، وهي جزء من المعلول والعلة.
رابعاً: قدح العلة وعدمه
العلة قادحة فيما سيقت لأجله، لكن لما كان تعاطي بعض العلماء خاص بالمتن للاحتجاج، بين أن من العلل قادحة وغير قادحة. وهذا أمر جاء لبيان أن تعليل طريق لا يعني بالضرورة تعليل المتن، لكن هذا التعليل لا شك أنه قادح بذاك الطريق.
والسؤال الواجب هنا: هل العلة التي قدحت فيما سيقت لأجله؟ أم لم تقدح؟
- إما أن العلة لا تُعلل الخطأ الذي وقع فيه الراوي، فتكون بذلك علة عبثية!!.
- أو أنها تبين خطأ الراوي، وأثر ذلك يكون بالحكم على روايته بالوهم.
وكأني بأحدهم يقول للراوي أنت أخطأت، ووقعت في علة، لكن العلة ليست علة! والخطأ ليس خطأ!.
وهذا يحتم علينا السؤال الآتي: أداء هذا الراوي لهذه الرواية هل هو صواب أم خطأ!؟. أم هو منزلة بين المنزلتين؟.
هنا نقول: أن عدم القدح مقصوده المتن لا الطريق. فإن كان الراوي وقع في خطأ وهو مقتصر على طريقه، والمتن صح من طرق أخرى، فهذا يعني أن العلة لم تقدح في المتن ؛ فتعليل طريق لا يعني تعليل كل الطرق، والمخارج. بيد أن النقاد حينما عللوا تلك الطرق لم يقسموا العلل إلى قادحة وغير قادحة، لأن السياق النقدي يُفهم منه ذلك.
خامساً: هل مصطلح “علة غير قادحة” أصيل؟
لأجل ذلك في سياق مفهوم العلة أقول بكل صراحة:
مصطلح: “علة قادحة” و “علة غير قادحة” مصطلح دخيل على علم العلل ونقاد الحديث، ومن دونكم كتب العلل هل استخدمت هذه المقولة؟. وهل وصفت العلل تارة بالقادحة وغير القادحة؟.
فكل علة قادحة فيما سيقت لأجله، كما لا يجوز إخراجها عما سيقت له، وإلا فلا حاجة لها أصالة والحكم بها عبث، وحاشا النقاد أن يفعلوا ذلك. ولا أدري كيف يجتمع النقيضان في أن علة لا تقدح… فإذا كانت العلة لا تقدح فلا حاجة لنا بها.
وقدح العلة فيما سيقت لأجله لا يعني بالضرورة ضعف المتن ورده، بل يمكن أن تكون علة طريق وقد سلم المتن من طرق أخرى. وربما علة طريق أثبتت الشواهد أن للمتن أصلاً فسلم لا من العلة بل من النكارة والغرابة، ويمكن حينها الاحتجاج به. وبين هذا وذاك يقع الخلط بين منهج النقاد ومتأخري الفقهاء.
سادساً: المفهوم الجامع للعلة وأنواعها
بعد هذا البيان فإن مفهوم العلة هو: “الخطأ الذي وقع فيه رواة الحديث في نقل المرويات، وكلها قادح فيما سيقت لأجله”:
- فمنها العلة التي قدحت في طريق مع سلامة المتن من طرق أخرى.
- ومنها التي قدحت في مخرج وسلم الحديث من مخارج أخرى.
- ومنها العلة الغامضة الخفية تلك التي تعلقت بأحاديث الثقات.
- ومنها الظاهرة البينة تلك التي تعلقت بأحاديث الضعفاء.
- ومنها علل وقعت في المتون نحو الزيادات والتصحيف، والمدرج… وووو.
- ومنها علل وقعت في الأسانيد نحو الإدراج، والقلب، والإبدال، والتصحيف ورفع الموقوف، ووقف المرفوع، ووصل المرسل، وإرسال المتصل.
سابعاً: قرائن العلة وبراعة النقاد
وينظم ذلك كله قرائن نقدية، وقواعد قبول ورد، أعملت بعد معرفة واسعة بالمرويات والرواة. أهلت العارف فيها للمقارنة بينها وقوفاً على المخالفة والتفرد والمشاركة. فكانت المخالفة والتفرد مظنة الوهم والخطأ، حتى يقف الناقد على القرائن والقواعد المؤكدة للخطأ أو النافية له.
وجاءت في المحصلة براعة الناقد في اختزال ذلك كله بمقولات مختصرة تُعد مكانز نقدية اختصرت الحالة النقدية برمتها نحو قولهم:
- حديث منكر، حديث باطل، حديث لا يجيء، حديث مدرج.
- قلب الراوي الحديث، خالف فيه فلان الناس، أصحاب فلان على خلافه، رواه مخالفاً الناس.
- تفرد به فلان لا نعلمه يروى إلا عن فلان.
وليس لهذا الفن إلا إدمان النظر في كتب المتقدمين النقاد، والممارسة والتطبيق والصبر عليها.
