كان الرجل يجلس في الديوانية منذ ساعة. قهوة على يمينه، وخلفه صمت متأمل. تتحدث الحلقة: أحدهم يشكو من مشكلة في الحي، وثانٍ يقترح حلاً، وثالث يتصل بمعنيٍّ بالأمر. وقبل أن تُغلق الديوانية أبوابها، كانت المسألة في طريقها للحل.
لو وصف ذلك أمام الخبير الغربي لقال: “لكن أين المنظمة؟ أين الوثائق؟ أين السجل الرسمي؟” الخبير لا يرى ما لا يملك مفتاحه.
البرلمان الذي لا يراه الغرب
أكبر خطأ يقع فيه المحللون هو حصر المجتمع المدني في المنظمات غير الحكومية المسجلة رسمياً. في الخليج، ثمة مؤسسة مدنية عريقة — “الديوانية” أو “المجلس” — أقدم من ألف جمعية وأعمق جذراً. في الديوانية يجتمع المواطنون، يتداولون الشأن العام، يوصلون أصواتهم لمن يُعنيه الأمر، ويحلون مشاكل اجتماعية بعيداً عن المحاكم والبيروقراطية. هذا فضاء مدني بامتياز، يمارس ما يُسمى “الديمقراطية التشاورية”، ويحفظ تماسك المجتمع بصمت. تجاهله واعتباره مجرد فولكلور هو عمى ثقافي لا يُفضي إلا إلى خطأ في التشخيص، وخطأ في الدواء.
الكثرة لا تُغني: دروس من الأردن وتركيا
ولكي لا يبدو كلامنا دفاعاً عاطفياً لا أساس له، تكشف تجارب مقارنة درساً مهماً: كثرة الجمعيات لا تعني بالضرورة ديمقراطية أكثر. في تركيا، انقسم المجتمع المدني إلى شطرين متصارعين، فتحول من ساحة حوار إلى ساحة حرب بالوكالة. وفي الأردن، سمحت الدولة بتضخم الجمعيات الخدمية، لكنها أبقت الجمعيات ذات الطابع السياسي تحت مجهر أمني دقيق. كلا المشهدين يُثبت أن المجتمع المدني ليس عصا سحرية للديمقراطية، وأن الشكل وحده لا يُنجب المضمون.
خارطة الطريق: أربع رسائل
وصلنا إلى السؤال الأثقل: ما العمل؟
رسالة إلى المشرّع:
توقف عن استنساخ القوانين. القانون الجيد هو الذي يعكس العقد الاجتماعي لبلده، لا الذي يُترجم حرفياً من قانون فرنسي أو أمريكي. إذا كانت دولتك تقوم على الرعاية والشراكة، فصمم قانوناً يُعزز الكفاءة ويُيسر التسجيل لمن يريد خدمة الناس — لا قانوناً يُعامل الجمعيات كأعداء أمنيين أو كرقباء سياسيين.
رسالة إلى المانحين الدوليين:
توقفوا عن حرق الأموال في تمويل جمعيات كرتونية لا جذور لها، فقط لأنها تُشبهكم. التغيير الحقيقي يبدأ من فهم ما هو موجود، لا من فرض ما يجب أن يكون. ادعموا الجمعيات الخيرية التقليدية لتتطور نحو التنمية، وادعموا الحوار داخل “الديوانيات”. الشراكة تبدأ بالاستماع.
رسالة إلى قادة المجتمع:
افهم ملعبك. إذا كانت بيئتك لا تتيح المواجهة، فلا تنتحر سياسياً في فراغ. الأثر يتراكم ببطء في مساحات الخدمة وبناء الشرعية الاجتماعية. حين تطعم الجائع وتُعلم الجاهل وتُكرم المحتاج، تبني قاعدة شعبية تجعل الدولة مضطرة لاحترامك لاحقاً. التأثير الحقيقي يأتي من التراكم، لا من القفز في الهواء.
رسالة إلى أنفسنا جميعاً:
المجتمع المدني في الدوحة أو الرياض أو عمّان ليس نسخة مشوهة من باريس. إنه نسخة أصيلة نابعة من تاريخ حقيقي وقيم راسخة واحتياجات فعلية. يحتاج إلى تطوير؟ نعم. يحتاج إلى حوكمة؟ بالتأكيد. لكنه لا يحتاج أبداً إلى أن يتنكر لهويته كي يحظى بشهادة حسن سلوك من خبير أجنبي يحمل مسطرة لا تصلح إلا لبلده.
لنبنِ مجتمعاً يشبهنا. لأن ما يشبهك وحده هو القادر فعلاً على خدمتك.
