في الحياة المحمدية قبل البعثة محطات يجدر الوقوف عندها، وتلمس ما تنطوي عليه من معانٍ ودلالات. وإذا كنا نعيب على بعض الباحثين احتكامهم إلى العقل المجرد في تأويل أحداث السيرة، فهذا لا يعني التوقف عند جهود تصحيح السند وتحقيق الرواية؛ بل إن واجب الاقتداء يفرض تجديد الوقوف عند هذه الأحداث، وإعمال النظر المتزن في مجرياتها، مع استحضار التوقير اللازم لصاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام.
وحادثة التحكيم هي إحدى المحطات التي قلما توقف عندها باحث وأعمل فيها فكره! إذ إن دلالتها تتخطى حدود الإشادة برجاحة عقل الرسول ﷺ، وحسن تدبيره للخلاف، صوب التمهيد للنبوة، وما أحدثته من انقلاب عظيم في النفسية العربية!.
حادثة التحكيم .. تمهيد للنبوة
قبل البعثة بسنوات قليلة، تعرضت الكعبة لتصدع بنيانها بفعل سيل جارف، فقررت قريش إعادة تشييدها لما يحظى به هذا البيت من حرمة وقداسة. وكان رسول الله ﷺ ممن شاركوا في نقل الحجارة وعمره آنذاك خمس وثلاثون سنة على الأرجح. فلما فرغوا من البناء، وأرادوا وضع الحجر الأسود موضعه، شبّ الخلاف بين أشرافهم حول من يحظى بهذه المزية، وكادت نار الحرب أن تُسعر، حتى إن بني عبد الدار وبني عدي قربوا جفنة مملوءة دماً وتعاهدوا على الموت!
دامت الخصومة أربع ليالٍ أو خمساً قبل أن يبتدرهم أحد عقلاء مكة برأي حكيم تطيب به الخواطر. ذلك أن أبا أمية بن المغيرة، وكان آنئذ أسنَّ قريش كلها، قال: “يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه”، ففعلوا. فكان أول داخل عليهم رسول الله ﷺ، فلما رأوه قالوا: “هذا الأمين، رضينا.. هذا محمد!”. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ﷺ: “هلمّ إليّ ثوباً”، فأُتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: “لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً”، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثم بُني عليه(1).
يكشف هذا الحدث إذن عن الإقرار الجماعي بحكمة النبي وسداد رأيه، وهو تتويج للاستقامة الخلقية التي وسمت علاقته بالمجتمع المكي بميسم خاص. وإذا أضفنا الإجماع على صدقه قبل أن يجهر بدعوته من فوق الصفا(2)، تبين لنا أن الإخبار بنبوته كان ينبغي أن يُقابل بالغبطة أو على الأقل بالتروي وإعمال الفكر فيما يُنادي به.
فما السر إذن في مناهضتهم له، وإنكارهم لدعوته رغم أنه لم يكن بدعاً من الرسل؟
إن محاولة فهم وتحليل الموقف القرشي من الدعوة، والذي انتقل محمد ﷺ بموجبه من مربع “الصادق الأمين” إلى مربع “الكذاب والساحر والمجنون والكاهن”، تقتضي أولاً الوقوف عند طبيعة الفكر الديني الذي ساد مكة قبل بزوغ فجر الإسلام.
كانت مكة، بعد أن رفع إبراهيم عليه السلام قواعد البيت مع إسماعيل، مركز دين التوحيد والملة الحنيفية السمحة. لكن مع تقادم العهد وتوالي الأيام، اعترى العقيدة ما يعتري الجسم من لوثة وفساد. فبعد أن آلت السيادة على مكة لقبيلة خزاعة، قرر أميرها عمرو بن لحي استبدال ما تبقى من دين إبراهيم بعقيدة جديدة، استلهم طقوسها من زياراته المتكررة لبلاد الشام والعراق. كان القرار سياسياً بالدرجة الأولى، حيث رأى في الوثنية وسيلة لإيجاد سند مادي يعتمد عليه في تدعيم نفوذه السياسي؛ لذا تخلى عمرو عن الحنيفية دين إبراهيم وإسماعيل، وأقام الأوثان عند الكعبة، ونصب كبيرها “هبل” في بطن الكعبة(3).
كان من الطبيعي أن تلقى هذه الانتكاسة الدينية معارضة من لدن العقلاء. ورغم نجاح عمرو بن لحي في إخماد صوتها، إلا أن صدى التوحيد بقي يتردد في أعماق الشعور الديني، ويحول دون تمكن الوثنية من عقل البدوي وقلبه.
حقيقة الفكر الجاهلي
ما يؤيد هذه الحقيقة هو ما يخلص إليه كل من يستقرئ الواقع التاريخي لشبه الجزيرة قبل الإسلام، وفي مقدمته:
- أن الفكر الديني آنذاك كان يتسم بالسذاجة وبناء أمر الإيمان على التقليد الأعمى لا على أساس العقل المفكر في الدين، لذا نجد تراث العرب خالياً من أي أثر للفكر النظري أو القضايا العقلية المصاحبة لفعل التدين (4).
- أنهم كانوا على يقين بأن الوثنية لم تعتمد على رسالة سماوية أو نبوة، وإنما هي تقاليد ورثوها عن أسلافهم. لذا كانت طقوسهم خالية من العاطفة الدينية والتعلق الروحي؛ بل إننا نجد من الشواهد ما يؤكد سخريتهم بهذه الأوثان، وامتعاضهم من الخضوع لها؛ ومن ذلك أن أحدهم ذهب إلى صنم يُقال له “سواع” فوجد ثعلبين يلحسان ما حوله من طعام ثم يبولان عليه، فأنشد قائلاً:
إلهٌ يبول الثعلبانُ برأســــــــــــــــــهِ
لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالبُ!
- أن ضمور العاطفة الدينية حال دون تعيينهم لرجال رسميين يتولون الخدمة الدينية لهذه الأوثان، مثلما نجد حتى في القبائل البدائية. بل انصرفت عنايتهم بالأساس لخدمة الكعبة وسدانتها.
فكيف نبرر إذن تعصبهم للوثنية؟ وهل كانت مناهضتهم لدعوة الإسلام في بدايتها دفاعاً عن الوثنية كعقيدة رسخت في صميم ماهية الإنسان العربي، أم على الوثنية كتزكية لوضع اجتماعي واقتصادي قائم؟
ابتدعت قريش قبل عام الفيل مذهب “الحُمس”، وهو مذهب يُضفي على قريش ميزة طبقية ودينية من دون سائر العرب، على اعتبار أنهم من نسل إبراهيم عليه السلام، وأنهم وُلاة البيت وأهل الحرم. وبالغوا في وضع تشريعات تربط عصبيتهم القبلية بحرمة الكعبة لتعزيز سطوتهم على العرب، وتقوية مركزهم المالي.
يخلص الدكتور محمد الفيومي بعد تحليل المحتوى الفكري لهذا المذهب إلى القول بأن قريشاً “عززت وضعها الاقتصادي برحلاتها التجارية، وعززت أيضاً وضعها القبلي بتشريعاتها الوثنية وارتباطها بالبيت، حتى أصبح كل من يتمرد على قريش، فهو يتمرد على قدسية البيت. وبهذا أصلت الوثنية الوضع القبلي، وأصبح هدم النظام القبلي يستدعي هدم النظام الوثني.. وهذه عقبات في سبيل الإصلاح”(5).
فنحن إذن في الحقيقة أمام دفاع عن امتيازات أُسبغت عليها القداسة، وعن وضع قائم يُغذيه الجهل بحقيقة الحبل المتين الذي يصل الرسالة المحمدية بدعوة إبراهيم عليه السلام.
استمرت المعارضة للوثنية دليلاً على استقرار بذرة التوحيد في النفوس. وكانت طائفة الحنفاء(6) شاهداً على نقاء الفطرة وسلامتها، فجاءت رسالة الإسلام لتنتشل العاطفة الدينية من وهدة التخبط، والركون إلى ممارسات يمجها العقل السليم. والنبي ﷺ بإيقاظه لهذه العاطفة، هز أركان النظام الوثني والقبلي على حد سواء. وهذا في الحقيقة ما أذكى عداوة قريش له بعد أن فشلت في استمالته!
إن الأحداث التي تلت جهر النبي ﷺ بالدعوة، وطبيعة الاعتراضات التي ساقتها قريش، تعكس تخبطها أمام انقلاب نسق النبوءة؛ إذ كانت علاقتها بالإله تقتصر على استدعائه واستشارته في أمور المستقبل، عبر الكهانة والاستقسام بالأزلام وضرب الأقداح. بمعنى أن مسار الحركة كان يتم من الأسفل “الإنسان” إلى الأعلى “الإله”، فإذا بها تُفاجأ بنبوة دينية تتأسس على مبادرة إلهية، وتعكس مسار الحركة!(7)
وكان لمسألة الشرف والمكانة دورها كذلك في الاعتراض على النبوة، والتنكر لمسيرة أربعين عاماً من الاستقامة الخلقية التي حظيت بالإقرار الجماعي قبل البعثة. ولعلنا لا نُبالغ إذا اعتبرناها الوقود الحقيقي لكل أشكال العنت والاضطهاد التي واجهها المسلمون بمكة. فهذا أبو جهل يُلخص موقفه من النبوة بقوله: “تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا؛ حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه!”.
الصراع على الامتيازات
إن السلوك القرشي في مواجهة النبوة لا ينبغي أن يُحمل على الأساس الديني بقدر ما يُحمل على العصبية، وما تحققه الوثنية من مكاسب مادية ورمزية.
وما ينبغي أن نستلهمه من حادثة التحكيم هو أن تجديد الكعبة كان إشارة إلهية بتجديد الرسالة استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، وأن الرضى بحكم محمد ﷺ في وضع الحجر الأسود ما هو إلا خطوة أولى للرضى بحكمه في إعلاء راية التوحيد.
أما مظاهر الشرك الساذجة التي ضجت بها مكة، فلم تنل من فطرية النسل الذي ادخره الحق سبحانه ليكون “خير أمة أخرجت للناس”.
