هذا العنوان كبير جدًّا وضخم للغاية (وجوب تعظيم النبيﷺ)، والكلام عليه مهم للغاية، ولو أُفرِد في مؤلَّف خاص، لكان في مجلد من الحجم الكبير، ولكن لما كان المقام يقتضي الاختصار؛ أحببت أن أعطي لفتات سريعة؛ لكي يكون القارئ على بيِّنة من هذه القضية الإيمانية الخطيرة التي فيها تقوية للركن من أركان الإسلام؛ أعني الشهادتين، وتثبيت للركن الرابع من أركان الإيمان – الإيمان بالرسل – هذه ناحية.
الناحية الثانية كان لا بد من هذا التمهيد قبل الشروع في موضوع الباب؛ لكي يعلم المسلم بشاعة الوقوع في سب النبيﷺ، وقد أمر الله تعالى بتعظيمه وتوقيره والتأدب معه.
والآن إليك أخي القارئ الفاضل بعض النقاط الهامة حول الموضوع.
أولًا: بيان الأدلة على وجوب تعظيمهﷺ
لقد أوجب الله تعالى على الأمة محبة نبيها وتعظيمه وتوقيره ونصرته، وتعزيره واحترامه وحفظ مقامه، وقد شرع الله تعالى من العقوبة لمن آذى رسول اللهﷺما يحفظ مقام نبينا، ويردع مَن سوَّلت له نفسه التجرؤ على هذا المقام بالسب أو الانتقاص أو الاستهزاء، وسنذكر هنا بعضًا مما يتعلق بهذه الشعبة من شعب الإيمان، ألا وهي التعظيم للنبيﷺ.
إن حق النبيﷺعلى أمته أن يهاب ويعظَّم ويوقًّر، ويُجَلُّ أكثر من كل ولد لوالده, ومن كل عبد لسيده، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة, وهو ما أمر الله به في كتابه العزيز؛ قال تعالى: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ [الفتح: 9]، وقال تعالى: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157].
فأبان أن حق الرسولﷺفي أمته أن يكون معزرًا موقرًا مهيبًا، وأخبر سبحانه أن الفلاح إنما يكون لمن جمع بين الإيمان به وتعزيره, ولا خلاف في أن التعزير ها هنا التعظيم؛ الجامع شعب الإيمان (2/125).
وفي الجمع الحاصل في الآيتين بين الإيمان به وتعظيمه، تنبيه وإرشاد إلى أن القيام بحقوقهﷺيعد من الإيمان الواجب الذي لا يتم إيمان العبد إلا به؛ قال الحليمي:
فمعلوم أن حقوق رسول اللهﷺأجلّ، وأعظم، وأكرم، وألزم لنا، وأوجب علينا من حقوق السادات على مماليكهم، والآباء على أولادهم؛ لأن الله تعالى أنقذنا به من النار في الآخرة، وعصم به لنا أرواحنا، وأبداننا، وأعراضنا، وأموالنا، وأهلينا، وأولادنا في العاجلة، فهدانا به لما إذا أطعناه فيه أدانا إلى جنات النعيم.
فأية نعمةٍ توازي هذه النعم؟ وأية منةٍ تداني هذه المنن؟
ثم إنه جل ثناؤه ألزمنا طاعته، وتوعَّدنا على معصيته بالنار، ووعدنا باتباعه الجنة.
فأي رتبةٍ تضاهي هذه الرتبة؟ وأي درجةٍ تساوي في العلا هذه الدرجة؟
فحق علينا أن نحبه، ونجله، ونعظمه، ونهابه أكثر من إجلال كل عبد لسيده، وكل ولد لوالده.
وبمثل هذا نطق القرآن، ووردت أوامر الله جل ثناؤه.” (الجامع لشعب الإيمان، 2/302-304).
فحقهﷺوشرف وكرم علينا إذًا أن نُحبه ونُجله ونُعظمه ونَهابه، فبهذا نكون من المفلحين: ﴿ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157]، فالآية بيَّنت أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان به تعزيره, ولا خلاف أن التعزير هنا التعظيم؛ الجامع لشعب الإيمان ( 302-304)، فلقد سجل الله في هذه الآية الفلاح بأسلوب الحصر للذين تأدبوا بهذا الأدب القرآني الرفيع.
وكما قال تعالى في الإنافة بمقامه الأشرف، وبيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ [الفتح: 8- 9].
وقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾، راجع إلى رسول اللهﷺومعناه: تعظموا رسول اللهﷺوتفخموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه ومجالسته.
قالابن تيميةرحمه الله: (فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان بالله ورسوله)[1].
فهذه الآيات وغيرها نزلت لتبيِّن مقام شرف رسول اللهﷺوعظيم منزلته عند ربه؛ مما يوجب على المؤمنين برسالته أن يكونوا في غاية الأدب معه والإجلال والتعظيم.
ثانيًا: صور من تعظيم الصحاب والسلف لهﷺ
فمن توقير الصحابة رضوان الله عليهم لرسول اللهﷺ: ما أخرجهالترمذيعن أنس رضي الله عنه أن رسول اللهﷺكان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس، فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر، فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويبتسمان إليه ويبتسم إليهما.
وأخرجالطبرانيوابن حبان في صحيحه عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند النبيﷺكأنما على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم إذ جاءه ناس، فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: “أحسنهم خلقًا”، وقال: ورواته محتج بهم في الصحيح، فأنت ترى أن الصحابة يهابون أن يسألوا رسول اللهﷺ، فكانوا ينتظرون أن يأتي أعرابي فيسأل، فيسرون بذلك.
وفي صلح الحديبية عند البخاري وغيره عن المسور بن مخرمة ومروان، قالا: خرج رسول اللهﷺزمن الحديبية، وساقا الحديث حتى بلغا: ثم إن عروة رضي الله عنه جعل يرمق أصحاب النبيﷺبعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول اللهﷺنخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظِّمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدًاﷺ.
وهذه بريرة لما أُعتقت أصبح لها الخيار أن تبقى عند مغيث أو تتركه، وكان مغيث يتبعها ويسألها أن تبقى معه، ولما كلم مغيث رسول اللهﷺأن يكلِّمها، فكلَّمها رسول اللهﷺ، فقالت رضي الله عنها: أتأمر أمرًا أم تشفع شفاعة؟ قال: أشفع شفاعة، قالت: لا حاجة لي فيه، ولو أمرها لأطاعت، ورُوي أنها لما ردَّتشفاعة النبيﷺ، انعكس الأمر، فصارت فيما بعد تُحب رجوعها إليه ويأباها هو[2].
