 |
|
أبو زهرة من طلاب المدرسة |
ساءت
أحوال المحاكم الشرعية في مصر، بعد أن
بدأ محمد علي وخلفاؤه في تغيير الوضع
القضائي المستقر في البلاد منذ مئات
السنين بإيجاد كيان جديد لا يعتمد على
القضاء الشرعي بل يتجه إلى التقنيات
الأوربية الحديثة، وانحصر دور المحاكم
الشرعية في نظر قضايا الأحوال الشخصية
والمواريث والوقف، وتسلل إليها الفساد
بعد أن أدارت لها الدولة ظهرها ولم تقدم
إليها يد العون، وتعالت الأصوات بضرورة
الإصلاح.
التقرير
الإصلاحي
وظل
الأمر على هذا النحو من الإهمال إلى أن
انتدبت نظارة الحقانية (العدل) الشيخ
محمد عبده لتفقد أحوال المحاكم
الشرعية، ومعرفة أدوائها، ووضع أفضل
السبل لعلاجها. فقام الإمام بمهمته على
خير وجه، وطاف على محاكم مصر الشرعية
سنة (1317هـ=1899م)، ووقف على المشكلات
بنفسه، وخالط القضاة والعاملين في
المحاكم، وقدم تقريرا شافيا لما وصلت
إليه أحوال تلك المحاكم من سوء الحال في
الأماكن والمباني والأثاث، وضعف في
مستوى القضاة والكتبة، وقصور المرافعات
فيها. وفي الوقت نفسه كشف التقرير عن
تقصير الحكومة تجاه هذه المحاكم،
وإهمالها لشأنها حتى وصلت إلى ما هي
عليه من ضعف وفساد.
وتضمن
التقرير وسائل النهوض بتلك المحاكم من
توسيع اختصاصاتها، وعدم تقييدها في
إصدار الأحكام بالمذهب الحنفي، وكسر
جمودها بوضع كتاب في أحكام المعاملات
الشرعية يتفق مع مصالح العصر، والنهوض
بمستوى القضاة وتحسين مرتباتهم،
وانتقاء العناصر الجيدة للعمل في هذا
الميدان، وتسهيل إجراءات التقاضي، وختم
التقرير بطلب إنشاء معهد خاص يختار
طلبته ممن يدرسون في الأزهر، ويعدون
إعدادا خاصا لتولي منصب القضاء.
وعقب
تقديم هذا التقرير الذي شاع أمره بين
الناس وصار حديث الساعة إلى الجهات
الرسمية تشكلت لجنة برئاسة ناظر
الحقانية (وزير العدل) وعضوية قاضي
البلاد وشيخ الجامع الأزهر والمفتي
وأحد أعضاء محكمة مصر العليا للنظر في
التقرير، ولم تكن مهمة إصلاح القضاء
بالأمر الهين، حيث وقفت عقبات في طريق
إصلاحه، لكنها لم تمنع المطالبين
بالإصلاح عن إيقاف حملتهم بإقالة
القضاء الشرعي من عثرته، وألحت في حمل
الحكومة على زيادة مرتبات القضاة
العاملين في المحاكم الشرعية، وضرورة
التدقيق في اختيارهم ووضع الشروط في
قبولهم.
إعداد
القضاة.. سبيل الإصلاح
وكان
أول طريق الإصلاح هو إعداد قضاة على
درجة من العلم والمعرفة والكفاءة في
مدرسة تنشأ لهذا الغرض وتمد المحاكم
الشرعية بالقضاة المدربين، وتشكلت لجنة
برئاسة الشيخ محمد عبده لإعداد لائحة
لمدرسة القضاة التي يلتحق بها الطلبة من
أصحاب المذهب الحنفي في الأزهر، وشملت
اللائحة المواد الدراسية المقررة التي
تشمل مواد مدنية إلى جانب المواد
الشرعية، وأن يكون التعليم بها مجانيا
مع إعطاء مكافأة شهرية، ويراعى أن يكون
مستوى التدريس بها على مستوى رفيع، وأن
يكون للحكومة الحق في مراقبة
امتحاناتها، وتكون شهادتها معادلة
لشهادة الأزهر، وأن ينزل الطلاب إلى
الميدان العملي لتدريبهم على تحرير
المحاضر والأحكام وسير المرافعات
وتطبيق اللوائح.
الميلاد
وظروفه
وشاءت
الأقدار ألا يشهد الإمام محمد عبده غرس
يده، حيث صدر بعد وفاته منشور في (16 من
صفر 1325هـ= 3 من مارس 1907م) بإنشاء مدرسة
القضاء الشرعي، وكان ذلك أثناء تولي سعد
زغلول وزارة المعارف وكان من
تلاميذ الإمام محمد عبده، وأصر على أن
تكون المدرسة تابعة لوزارته لا لوزارة
الحقانية، وأن يتولى هو تعيين ناظر
المدرسة، وأن تكون قسما من الأزهر
وخاضعة لإشراف شيخه.
وانقسمت
المدرسة إلى قسمين: الأول لتخريج
الكتبة، ومدة الدراسة فيه خمس سنوات،
يعطى بعدها الطالب شهادة تؤهله لتولي
الوظائف الكتابية. والثاني لتخريج
القضاة والمحامين. وبعد اجتياز الطالب
الامتحان يحصل على شهادة العالمية التي
تؤهله للعمل بالقضاء والمحاماة.
وبعد
إعلان إنشاء المدرسة تقدم لامتحان
القبول بها 673 طالبا نجح منهم 191 طالبا،
وفي العام التالي نقص عدد المقبولين
فوصل إلى 145 طالبا، وافتتحت المدرسة في
(27 من شعبان 1325هـ= 5 من أكتوبر1907م)
وكانت
الدراسة في المدرسة تقوم على تثقيف
الطالب ثقافة دينية من تفسير وحديث وفقه
وأصول فقه وتوحيد ونحو ذلك، وثقافة
لغوية أدبية من نحو وصرف وأدب، وثقافة
قانونية عصرية مثل: أصول القوانين
الحديثة، ونظام القضاء والإدارة ونحو
ذلك، وثقافة عصرية من الجغرافيا
والتاريخ والطبيعة والكيمياء والحساب
والجبر والهندسة.
وتولى
نظارة المدرسة محمد عاطف بركات، وكان
أول عمل قام به هو اختيار هيئة التدريس
بدقة وعناية، وكانوا مزيجا من الأزهر، ودار
العلوم، والمعاهد الدينية، ومن
أشهر هؤلاء: الشيخ محمد الخضري، ومحمد
زيد، وأحمد فهمي العمروسى، ومحمد بك زكي
الذي كان يدرس الحساب والجبر والهندسة،
والشيخ
عبد العزيز جاويش.
نظام
الدراسة.. الجدة والالتزام
 |
|
عبد العزيز جاويش من طلاب المدرسة |
وكان
نظام المدرسة صارما وشاقا جدا، فلم يعرف
(الملاحق)، وليس هناك إعادة سنة، فمن رسب
في أول امتحان آخر السنة رُفض، وفي كل
ثلاثة أشهر امتحان، ومن رسب في هذا
الامتحان الثلاثي حُرم من مكافأته التي
كانت جنيها ونصفا كل شهر، وما يجمع من
هذه المكافآت التي حرم منها بعض الطلبة
تمنح للمتفوقين.
وفي
عصر كل يوم ثلاثاء تعقد ندوة في فناء
المدرسة، يدعى فيها أستاذ من خارج
المدرسة أو من داخلها، وقد يكون المحاضر
أحد الطلبة النابهين، وأحيانا يشترك في
سماع هذه المحاضرات سعد زغلول وقاسم
أمين وغيرهما من كبار رجال مصر.
وعرفت
امتحانات المدرسة بشدتها وصرامتها، فلا
يجتازها إلا من استعد لها استعدادا
جيدا، ففضلا عن الامتحانات التحريرية
كانت تعقد امتحانات شفهية ذات لجان
متعددة، فلجنة تتكون من كبار علماء
الأزهر تضم المفتي وشيخ المالكية وشيخ
الحنابلة في الجامع الأزهر، ولجنة من
كبار رجال القضاء الأهلي تضم أحمد
فتحي زغلول، وعبد العزيز فهمي،
ولجنة من أساتذة الرياضيات والطبيعة
والتاريخ والجغرافيا.
وابتدعت
المدرسة في ذلك الوقت نظام المعيدين،
فكانت تعينهم من أوائل الناجحين،
وأتبعت كل معيد بأستاذ كبير يُحضر معه
الموضوع ويدخل معه في المحاضرة. وذكر أحمد
أمين في مذكراته ما كان يعانيه من
جهد في تحضير دروسه وهو معيد في تلك
المدرسة، فقال: "لازمت عاطف بك في درس
الأخلاق هذه سنين، وكنت كلما تقدمت في
تحضير الدروس معه حملني عبء تدريس هذا
العلم معه، هذا إلى دروس أخرى كنت أستقل
بتدريسها من فقه أحيانا، وتاريخ إسلامي
أحيانا أخرى، وكان عنائي بالدرس أيام
كنت مدرسا لا يقل عن الدرس أيام كنت
طالبا".
وقد
نجحت المدرسة في أول عهدها نجاحا باهرا
على الرغم من الهجوم التي تعرضت له،
وأمدت المحاكم الشرعية بمئات من القضاة
الأكفاء، فضلا عن عدد من رجالات الفقه
والفكر، يأتي في مقدمتهم أحمد أمين، والشيخ
محمد أبو زهرة.
إغلاق
أم ضم؟
ظلت
المدرسة تؤدي واجبها على خير وجه حتى
ألغيت في سنة (1347هـ =1928م) وألحقت
بالجامعة الأزهرية الناشئة. وكان قد ظهر
قانون جديد ينظم الدراسة بالأزهر في
ثلاث كليات جديدة هي كلية الشريعة،
وكلية اللغة العربية وكلية أصول الدين.
وأنشئ نظام التخصص بعد الكليات، وهو على
نوعين: تخصص في المهنة، أو تخصص في
المادة، واشتمل التخصص في المهنة
القضاء الشرعي لإعداد القضاة الشرعيين،
وناب هذا التخصص عن مدرسة القضاء الشرعي.
أهم
مراجع الموضوع :
-
لطيفة
محمد سالم: النظام القضائي المصري
الحديث- الهيئة المصرية العامة
للكتاب -2000م.
-
سعيد
إسماعيل علي: قضايا التعليم في عهد
الاحتلال- عالم الكتب- القاهرة -1974م.
-
حمدي
صادق الجمال: اتجاهات الفكر الإسلامي
المعاصر في مصر – دار عالم الكتب –الرياض
-1414هـ=1994م.
-
أحمد
أمين: حياتي- دار المدى للثقافة
والنشر- القاهرة 2003م.
|