يرتبط الإتقان بأصحاب النفوس الكبيرة الذين يسعون  إلى أرقى مستويات الجودة مهما كلفهم ذلك من جهد ووقت، ويأبى عليهم  شرف نفوسهم أن يقايضوا الراحة بإنجاز العمل على أي صورة كانت. ويتسع مفهوم الإتقان ليشمل ظاهر  الإنسان وباطنه وما يتعلق بالفرد وما يتصل بالمجتمع.  ويرتبط الإتقان بعدة مفاهيم تزكيه في النفس الإنسانية: 

1- تبدأ من الشعور برقابة الله تعالى على العبد المعبر عنها بقوله ﷺ: الْإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ” وثمرة هذا الشعور : أن يكون الإتقان منهج حياة لا يتوقف على رقابة خارجية ولا يبحث عن الحصول على علامة الجودة فإن عجز عن الحصول عليها توقفت مسيرة الإتقان وخفتت الهمة العالية.  ويرتبط كذلك باليقين في أن الجهد الذي يبذله الإنسان المتقن سيجد أثره يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وسيجده قبل ذلك في الدنيا ؛سعادة في قلبه وراحة في نفسه وزيادة في رزقه وبركة في الأهل والمال والولد. 

2- استحضار قوله تعالى﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105] وملاحظة المسلم لرؤية الله تعالى لعمله يدعوه إلى تجويد العمل وإصلاح الخلل والحرص على الإتقان في شكل العمل ومضمونه وأداء الوظيفة التي يصنع من أجلها. 

3- شمول الإتقان لكل عمل يقوم به المسلم «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» «و(الإحسان) هنا بمعنى: الإحكام، والإكمال، والتحسين في الأعمال المشروعة، فحقُّ من شرع في شيء منها أن يأتي به على غاية كماله، ويحافظ على آدابه المصححة، والمكمِّلة، وإذا فعل ذلك قُبِل عمله، وكَثُر ثوابه.» إن الأعمال التي يقوم بها الفرد والمؤسسة والمجتمع كثيرة، وكلها تحتاج إلى إتقان يلائم قيمة الإنسان الذي كرمه الله تعالى ،ويواكب منزلة خير أمة أخرجت للناس، ويجعل من الإتقان روحا تسري في كل عمل حتى تنهض الأمة كلها ويعين بعضها بعضا على هذا.

 الأسس الجوهرية للإتقان في حياة المسلم

ويتأسس الإتقان في حياة المسلم على عدة أسس منها:

1- التأمل في الكون وعظمة الخالق:

النظر في الكون وما يترتب عليه من الشعور بعظمة الخالق سبحانه وتعالى، ويزداد هذا الشعور كلما استجبنا لداعي الله سبحانه وتعالى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101] وكلما قرأنا عتاب الله تعالى للذين لا يؤمنون  ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: 6]   هذه السماء على اتساعها وما حوت من زينة، لا تجد فيها شقا واحدا، أفلا يدعونا هذا النظر المستمر في السماء والذي يمثل عبادة و أساسا لحضارة تقوم على التأمل والتعلم وينتشر فيها حب الإتقان وتجويد العمل بحيث لا يكون فيه خلل مهما كان بسيطا  حسب قدرة العامل وما يتاح له من إمكانات. 

2- التقدير والدقة في الصناعة:

خاطب الله تعالى داود – عليه السلام- وكان يعمل بصناعة الدروع الحديدية ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: 11] ولابد للدرع من شيء يشبه الأزرار التي تغلق بها الثياب، ولابد لهذه الأزرار أن تكون دقيقة متقنة فلا تصنع واسعة بحيث لا ينفتح الدرع عند أول حركة أو ضيقة بحيث لا ينغلق الدرع وبذلك لا يؤدي وظيفته في تحقيق الحماية لمن يرتديه. 

  نماذج نبوية وتاريخية ملهمة في الإتقان

نموذج طلق بن علي في إتقان البناء

وفي السنة المطهرة نموذج لتوجيه نبوي كريم يتعلق بالإتقان في البناء، فأثناء بناء المسجد النبوي حضر طلق بن علي – رضي الله عنه –  من اليمامة وشارك في العمل وكان النبي – ﷺ – يلاحظ العمل والعمال، ووجد من خلال متابعته مدى إتقانه – رضي الله عنه – لإعداد قوالب الطوب التي تحضر لبناء حوائط المسجد،  قال طلق رضي الله عنه «جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْمِسْحَاةَ، فَخَلَطْتُ بِهَا الطِّينَ، فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ أَخْذِي الْمِسْحَاة وَعَمَلِي، فَقَالَ: ” دَعُوا الْحَنَفِيَّ وَالطِّينَ، فَإِنَّهُ أَضْبَطُكُمْ لِلطِّينِ “» وعن  «طَلَّقَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ: بَنَيْتُ الْمَسْجِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ يَقُولُ: ” قَرَّبِ الْيَمَامِيَّ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّهُ أَحْسَنُكُمْ لَهُ مَسًّا، وَأَشَدُّكُمْ مَنْكِبًا “» جمع طلق رضي الله عنه بين المهارة في خلط الطين والقوة وكلاهما أدوات المتقن 

زيد بن ثابت وإتقان اللغات الأجنبية

تأتي قصة زيد بن ثابت رضي الله عنه وهو في مقتبل عمره عندما يطلب منه النبي ﷺ أن يتعلم لغة اليهود.  

«قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَعُمَرُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، فَقَرَأَ زَيْدٌ سَبْعَ عَشْرَةَ سُورَةً قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَأَعْجَبَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ الْيَهُودِ قَالَ[زيد]: فَمَا مَضَى لِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ وَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْعِبْرَانِيَّةِ أَوْ السُّرْيَانِيَّةِ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. «فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ وَأَقْرَأُ لَهُ إِذا كُتِبَ إِلَيْهِ»  هذه الفترة الزمنية القصيرة 

تفتح لنا باب التأمل في كيفية تعلم لغة وإتقانها خلال مدة بسيطة ولم تكن مسؤولية زيد رضي الله عنه  مجرد تعلم لغة أجنبية بل يقع عليه عبء ترجمة مكاتبات بين النبي ﷺ واليهود ينبني عليها آفاق العلاقات ووضع حدود  الالتزامات والفواصل بين أمتين ولم يتوقف زيد عن تعلم هذه اللغة حتى أتقنها إتقانا تاما.

من روائع الإتقان في الحضارة الإسلامية

أثمرت توجيهات الإسلام بشأن الإتقان في الممارسة العملية في حياة المسلمين وتجلى في مظاهر حضارتهم في صور عدة بدأ من تأليف الكتب إلى إنجاز الأعمال العلمية الجليلة التي تجمع بين النظرية والتطبيق.

نموذج الإمام المُزني في التأليف:

قال الدكتور عبدالله شرف الدين الداغستاني:

اجتهد المُزَني وجهد في تأليفه للمختصَر غاية الجهد، فأفنى فيه ريعان عمره وحشاشته، قال البَيْهَقي نقلا عن المزني: « كنت في تأليف هذا الكتاب عشرين سنة، وألَّفته ثلاث مرات، وغيَّرْتُه، وكنت كلما أردت تأليفه أصوم قبله ثلاثة أيام، وأصلِّي كذا كذا ركعة».

وقد يستغرب من لا خبرة له بكلام الشافعي ويستبعد هذه المدة المديدة، ولا غرابة، فإن الاختصار الذي قام به المُزَني رحمه الله لم يكن ليتمَّ إلا بعد جمع استقرائي لكتب الشافعي الكثيرة، ثم تفهم للمجموع وتفسير له، ثم تطلع إلى الأصول التي بنى عليها الشافعي، ومن ثم التعبير عن فقهه بأقرب لفظ وأدقِّ عبارة، «وفي نظم كلام الشافعي تعقيد لا يطَّلع عليه إلا من جمع إلى فهمه أوفر حظّ من اللغة» كما قال إمام الحرمين، فلم يكن بُدٌّ من التهذيب والتدقيق على مدار السِّنِي العشرين، بل مع كل رجوع للكتاب ومع كل درس وتسميع له. و تمَّ له ما أراد من تأليفه على أحسن نظم ثم من تهذيبه وتدقيقه” 

ويمثل علم “الحيل النافعة” الجانب التقني المتقدم في علوم الحضارة الإسلامية حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها تقنيا في كل ما يخدم الدين ويحقق مظاهر المدنية والإعمار.

وقد جعلوا الغاية من هذا العلم “الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير، ويقصد به استعمال الحيلة مكان القوة، والعقل مكان العضلات، والآلة بدل البدن، ذلك أن الشعوب السابقة كانت تعتمد على العبيد، وتلجأ إلى نظام السخرة في إنجاز الأعمال التي تحتاج إلى مجهود جسماني كبير، فلما جاء الإسلام ونهى عن السخرة وإرهاق الخدم والعبيد وتحميلهم فوق ما يطيق الإنسان العادي، إلى جانب تحريمه المشقة على الحيوان أتجه المسلمون إلى تطوير الآلات لتقوم بالأعمال الشاقة، وبعد أن كانت غاية السابقين من علم “الحيل” لا تتعدى استعماله في التأثير الديني والروحي على أتباع مذاهبهم، مثل استعمال التماثيل المتحركة أو الناطقة بواسطة الكهان، ، فقد جاء الإسلام وجعل الصلة بين العبد وربه بغير حاجة إلى وسائل وسيطة أو خداع حسى أوبصرى وأصبح لعلم “الحيل النافعة” هدف جديد هو التيسير على الإنسان باستعمال آلات متحركة. 

وقد ظهر هذا التوجه عند المسلمين الأوائل على أيدي نفر من العلماء الأعلام، لعل أشهرهم أبناء موسى بن شاكر الذين عاشوا فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) وألفوا كتابهم المعروف باسم “حيل بنى موسى” وقد قام دونالد هيل ” D.Hill” بترجمته إلى الإنجليزية كاملا فى عام 1979م، ويحتوى هذا الكتاب على مائة تركيب ميكانيكي مع شروح تفصيلية ورسوم توضيحه لطرائق التركيب والتشغيل، وهو ما يدخل اليوم في نطاق علم “الهندسة الميكانيكية” المعتمدة على حركة الهواء، أو حركة السوائل والتزامها.

وقد استعملوا نظام الصمامات الآلية ذات التشغيل المتباطىء وعرفوا طريقة التحكم الآلي والتشغيل عن بعد.

كذلك تضمنت ابتكارات المسلمين الأوائل فى علم الحيل النافعة تصميمات متنوعة لساعات وروافع آلية يتم فيها نقل الحركة الخطية إلى حركة دائرية بواسطة نظام يعتمد على التروس المسننة وهو الأساس الذي تقوم عليه جميع المحركات العصرية.»

ولا يمكن أن تتحرك هذه الآلات إلا بدقة متناهية وإتقان منقطع النظير  فانظر كيف تحول الإتقان في الحضارة الإسلامية إلى رحمة للخلق ونفعا للناس وتيسير عليهم

مكانة المتقنين في الدنيا والآخرة 

«يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» هي دعوة لأن تضع المجتمعات أهل الإتقان في المكانة اللائقة بهم لكي تجني الثمار الطيبة لوجود الرجل المناسب في المكان المناسب وهذا الاختيار يؤهل المجتمع ليحتل موقعه المناسب في السباق الحضاري  للأمم كما يساعد على تكوين بيئة اجتماعية تشجع التفوق وترعى أهله

وينتظر أهل الإتقان في الآخرة درجات رفيعة جزاء ما بذلوه من جهد وصبر قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ” 

«قال المهلب: المهارة جودة القراءة  بجودة الحفظ، ولا يتردد فيه، يسره الله عليه كما يسره على الملائكة فهو معها في مثل حالها من الحفظ وفى درجة واحدة إن شاء الله.

قال القاضي: يحتمل – والله أعلم – أَنَّ له في الآخرة منازل يكون فيها رفيقاً للملائكة السفرة، لاتصافه بوصفهم بحمل كتاب الله، ويحتمل أن يكون المراد: أنه عامل بعملِ السفرة وسالك مسلكهم كما يقال: فلان مع بنى فلان، إذا كان يرى رأيهم ويذهب مذهبهم»