الإيثار مبدأ جليل في الإسلام أشاد به القرآن الكريم في مواضع متعددة ، وخصلة نبيلة تحلى بها المسلمون الأوائل من الصحابة الكرام، ولم يصل المسلمون إلى درجات الرفعة والمكانة والعزة إلا حين تخلصوا من الأنانية وحب الذات وحب الدنيا والأثرة بها، وامتثلوا تعاليم القرآن الكريم التي تدعو إلى السماحة والعفو والصفح والإيثار والأخوة الإيمانية الحقيقية، ووصلوا بهذه الأخلاق إلى قمة العبودية لله تعالى والإحسان فيها والمسابقة إلى الخيرات فكانوا من الفائزين المفلحين، يقول الله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الفيء من أموال بني النضير بين المهاجرين فقط، ولم يعط من الأنصار إلا ثلاثة أنفار، وأما الأنصار فكانوا ممن وُقِيَ شُحَّ نفسه حين طابت أنفسهم بترك الفيء للمهاجرين[1].

حقيقة الإيثار ومعناه  

ومعنى الإيثار أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه وهو النهاية في الأخوة[2]. وقال ابن مسكويه: الإيثار: هو فضيلة للنفس بها يكف الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصه حتى يبذله لمن يستحقه[3].

ويعد خلق الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق، فقد ذكر ابن القيم رحمه الله فروقاً بين كل من السخاء والجود والإيثار مع أنها كلها أفعال بذل وعطاء، قال ابن القيم رحمه الله: وهذا المنزل – أي الإيثار-: هو منزل الجود والسخاء والإحسان وسمي بمنزل الإيثار لأنه أعلى مراتبه فإن المراتب ثلاثة:

إحداها: أن لا ينقصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة السخاء.

الثانية: أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئاً أو يبقي مثل ما أعطى فهو الجود.

الثالثة: أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهي مرتبة الإيثار[4].

الإيثار كما سبق درجة من حالات الجود والكرم بل يعتلي أعلى درجاته يقول الغزالي: اعلم أن ‌السخاء ‌والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات، فأرفع درجة السخاء الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة، وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج والبذل مع الحاجة أشد.. وليس بعد الإيثار درجة في السخاء[5].

ثم يمثل لنا الإمام الغزالي خلق الإيثار من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان قدمه عاليا في هذا الخلق الرفيع، وكان نموذجا فريدا في الإيثار، يقول الغزالي: وكان ذلك من دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سماه الله تعالى عظيما فقال تعالى: {وإنك لعلى خلق عظيم}.. وقد نزل برَسُول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فَلم يجد عِنْد أَهله شَيْئا فَدخل عَلَيْهِ رجل من الْأَنْصَار فَذهب بالضيف إِلَى أَهله، ثمَّ وضع بَين يَدَيْهِ الطَّعَام وَأمر امْرَأَته بإطفاء السراج، وَجعل يمد يَده إِلَى الطَّعَام كَأَنَّهُ يَأْكُل وَلَا يَأْكُل، حَتَّى أكل الضَّيْف فَلَمَّا أصبح قَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم «قد عجب الله من صنيعكما ‌بضيفكما الليلة» وَنزلت {ويؤثرون عَلَى أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة}[6].

الترغيب والحث على الإيثار في الإسلام

أكد الإسلام على فضائل الإيثار وثمراته في دلالته على قوة الإيمان في القلب وتصديقه على الجوارح بالأعمال، فالإيثار من محاسن الأخلاق الإسلامية، فهو مرتبة راقية من مراتب الجود والسخاء، ومنزلة عظيمة من منازل العطاء، ومن فضائل الإيثار:

1 – أثنى الله تعالى على الصحابة رضوان الله عليهم والمؤثرين على أنفسهم، وبين جزاءهم في الآخرة أنهم من المفلحين بسبب الإيثار، قال الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]

قال الطبري: يقول تعالى ذكره: وهو يصف الأنصار ويؤثرون على أنفسهم أي يعطون المهاجرين أموالهم إيثارا لهم بها على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم[7].

وقال ابن كثير: أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك[8].

يقول ابن تيمية: وأما الإيثار مع الخصاصة فهو أكمل من مجرد التصدق مع المحبة فإنه ليس كل متصدق محبا مؤثرا ولا كل متصدق يكون به خصاصة بل قد يتصدق بما يحب مع اكتفائه ببعضه مع محبة لا تبلغ به الخصاصة).[9]

2-الإيثار من البر والإحسان وطريق الحصول على الأجر العظيم من الله تعالى، قال الله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} [آل عمران: 92].

يقول السعدي: لن تنالوا وتدركوا البر، الذي هو اسم جامع للخيرات، وهو الطريق الموصل إلى الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون، من أطيب أموالكم وأزكاها. فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفوس، من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها، ومن أدل الدلائل على محبة الله، وتقديم محبته على محبة الأموال، التي جبلت النفوس على قوة التعلق بها، فمن آثر محبة الله على محبة نفسه، فقد بلغ الذروة العليا من الكمال، وكذلك من أنفق الطيبات، وأحسن إلى عباد الله، أحسن الله إليه ووفقه أعمالا وأخلاقا، لا تحصل بدون هذه الحالة[10].

3-الإيثار من ثمرات الإيمان، قال تبارك وتعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177]

فبين الله تبارك وتعالى أن من البر بعد الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والأنبياء .. إطعام الطعام لمحتاجيه، وبذله لمريديه، مع حبه واشتهائه والرغبة فيه، وقد جاء به الله تعالى – أي إطعام الطعام – بعد أركان الإيمان مباشرة وفي ذلك دلالة على عظمته وعلو منزلته.

قال ابن مسعود في قوله (على حبه): هو أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء، وتخشى الفقر.

4 – الغرض من الإيثار عند المحسنين رضا الله تعالى وخوف يوم القيامة، يقول الله تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا. يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا. ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: 6 – 9].

قال في التفسير المنير: إن علة أو سبب هذا النعيم للأبرار أمور ثلاثة: وفاؤهم بالنذور وأداؤهم ما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة وغيرها من الواجبات؛ وخوفهم من يوم القيامة ذي الشدائد والأهوال الفاشية المنتشرة في كل مكان؛ وإطعامهم الطعام على قلته وحبهم له وشغفهم به ذا مسكنة وفقر وحاجة، ويتيما من يتامى المسلمين، والأسير المؤمن أو الكافر الذي يؤسر فيحبس.

وإطعام هؤلاء بقصدين أو غرضين: رضا الله عنهم، وخوف يوم القيامة.. وقد أعطى الله الأبرار ما يحقق الغرضين، فوقاهم ودفع عنهم شرور ومحاذير ومخاطر يوم القيامة وآمنهم من خوفهم، وأعطاهم وآتاهم حين لقوه نضرة أي حسنا، وسرورا، أي حبورا، فتحقق لهم الغرضان: الحفظ من هول القيامة، وطلب رضا الله تعالى[11].

الترغيب والحث على الإيثار من السنة النبوية

1- عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم))[12].

يقول الإمام العيني: (فيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه …. وفيه فضيلة الإيثار والمواساة)[13].

وقال أبو العباس القرطبي: (هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار، والمواساة عند الحاجة، كما دل الحديث المتقدم على أن الغالب عليهم القراءة والعبادة، فثبت لهم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم علماء عاملون، كرماء مؤثرون)[14].

2 – وعن أبي هريرة– رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربع))[15]. وفي لفظ لمسلم: ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية))[16].

قال المهلب: والمراد بهذه الأحاديث الحض على المكارمة في الأكل والمواساة والإيثار على النفس الذي مدح الله به أصحاب نبيه، فقال: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر:9] (ولا يراد بها معنى التساوي في الأكل والتشاح؛ لأن قوله عليه السلام: (كافي الثلاثة) دليل على الأثرة التي كانوا يمتدحون بها والتقنع بالكفاية، وقد هم عمر بن الخطاب في سنة مجاعة أن يجعل مع كل أهل بيت مثلهم وقال: (لن يهلك أحد عن نصف قوته)[17].

أنواع الإيثار

لو نظرنا إلى موضوع الإيثار وآثاره نجد أن الإيثار يمكن دراسته من جهة اتصاله بنفس الإنسان أو غيره، ولكل واحد منهما أقسام، ومن جهة السبب الباعث على الإيثار والغاية المراد تحقيقها منه، وبيان ذلك كما يلي:

أولا: أقسام الإيثار من حيث تعلقه بالغير

ينقسم الإيثار من حيث تعلقه بالغير إلى قسمين:

القسم الأول: إيثار يتعلق بالخالق

وهو أفضل أنواع الإيثار وأعلاها منزلة، وأرفعها قدرا، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا – أي من الإيثار المتعلق بالخلق- وأفضل وهو إيثار رضاه على رضى غيره وإيثار حبه على حب غيره وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره)[18].

ولهذا النوع من الإيثار علامات دالة عليه، وشواهد موضحة له، لا بد أن تظهر على مدعيه، وتتجلى في المتحلي به وهي علامتان:

إحداها: أن يفعل المرء كل ما يحبه الله تعالى ويأمر به، وإن كان ما يحبه الله مكروها إلى نفسه، ثقيلا عليه.

الثاني: أن يترك ما يكرهه الله تعالى وينهى عنه، وإن كان محببا إليه، تشتهيه نفسه، وترغب فيه.

يقول ابن القيم: فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار.

صعوبة هذا الإيثار على النفس

جبلت النفس إلى الراحة والدعة والميل إلى الملاذ والمتع، كما جبلت على البعد عن كل ما يشق عليها أو ينغص متعتها أو يحد من ملذاتها، ولما كان هذا النوع من الإيثار يضاد ما جبلت عليه النفس من الراحة والدعة كان صعبا عليها التلبس به، أو التخلق والتحلي بمعناه.

يقول الإمام ابن القيم مبينا صعوبة هذا النوع من الإيثار وثقله على النفس:

ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به وإنه ليسير على من يسره الله عليه[19].

وإن كان هذا النوع من الإيثار شديدا على النفس صعبا على الروح إلا أن ثمراته وما يجنيه الشخص منه تفوق ثمرات أي نوع من الأعمال، فنهايته فوز محقق وفلاح محتوم، وملك لا يضاهيه ملك.

“فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المحنة ويحمل فيه خطرا يسير لملك عظيم وفوز كبير فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال ويسير منه يرقي العبد ما لا يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”[20].

القسم الثاني: إيثار يتعلق بالخلق

وهذا هو النوع الثاني من أنواع الإيثار من حيث تعلقه بالخلق .. وقد قسم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله هذا النوع من الإيثار إلى ثلاثة أقسام:

1. الأول: ممنوع والثاني: مكروه أو مباح، والثالث: مباح.

– القسم الأول: وهو الممنوع: وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعا فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعا …. فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل لأنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.

– القسم الثاني: وهو المكروه أو المباح: فهو الإيثار في الأمور المستحبة وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحة.

– القسم الثالث وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحبا وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي[21].

شروط هذا النوع من الإيثار:

للإيثار المتعلق بالمخلوقين شروط تنقله من حيز المنع أو الكراهة إلى حيز الإباحة ولعلنا نجملها فيما يلي:

1 – أن لا يضيع على المؤثر وقته.

2 – أن لا يتسبب في إفساد حاله.

3 – أن لا يهضم له دينه.

4 – ألا يكون سببا في سد طريق خير على المؤثر.

5 – أن لا يمنع للمؤثر واردا

فإذا توفرت هذه الشروط كان الإيثار إلى الخلق قد بلغ كماله، أما إن وجد شيء من هذه الأشياء كان الإيثار إلى النفس أولى من الإيثار إلى الغير فالإيثار المحمود كما قال ابن القيم رحمه الله هو: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب[22].

ثانيا: أقسامه من حيث باعثه والداعي إليه

– الأول: قسم يكون الباعث إليه الفطرة والغريزة: كالذي يكون عند الآباء والأمهات وأصحاب العشق وهذا كما يقول عبد الرحمن الميداني الباعث إليه فطري في النفوس ينتج عنه حب شديد عارم، والحب من أقوى البواعث الذاتية الدافعة إلى التضحية بالنفس وكل ما يتصل بها من مصالح وحاجات من أجل سلامة المحبوب أو تحقيق رضاه أو جلب السعادة أو المسرة إليه[23].

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها. فأطعمتها ثلاث تمرات. فأعطت كل واحدة منهما تمرة. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها. فاستطعمتها ابنتاها. فشقت التمرة، التي كانت تريد أن تأكلها، بينهما. فأعجبني شأنها. فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة. أو أعتقها بها من النار))[24].

فهذا الإيثار دافعه حب الأم لابنتيها ورحمتها بهما.

الثاني: وقسم يكون الدافع هو الإيمان وحب الخير للغير على حساب النفس وملذاتها ومشتهياتها وهو كما قال الميداني: ليس إيثارا انفعاليا عاطفيا مجردا ولكنه إيثار يعتمد على محاكمة منطقية سليمة ويعتمد على عاطفة إيمانية عاقلة»[25].

‌‌فوائد الإيثار

للإيثار فوائد عظيمة وثمار جليلة يجنيها أصحاب هذا الخلق العظيم منها:

1. دخولهم فيمن أثنى الله عليهم من أهل الإيثار، وجعلهم من المفلحين.

2. الإيثار طريق إلى محبة الله تبارك وتعالى والتعرض لمحبته.

3. تحقيق الكمال الإيماني، فالإيثار دليل عليه وثمرة من ثماره فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (1) والنفي هنا لا يقصد به نفي الأصل وإنما نفي الكمال كما هو مقرر عند أهل العلم، وعليه يفهم من الحديث أن من أحب لأخيه ما يحب لنفسه تحقق فيه الإيمان الكامل.

4. ومن أعظم الثمار والفوائد أن التحلي بخلق الإيثار فيه اقتداء بالحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

5. أن المؤثر يجني ثمار إيثاره في الدنيا قبل الآخرة وذلك بمحبة الناس له وثناؤهم عليه، كما أنه يجني ثمار إيثاره بعد موته بحسن الأحدوثة وجمال الذكر فيكون بذلك قد أضاف عمرا إلى عمره.

6. الإيثار يقود المرء إلى غيره من الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة كالرحمة وحب الغير والسعي لنفع الناس، كما أنه يقوده إلى ترك جملة من الأخلاق السيئة والخلال الذميمة كالبخل وحب النفس والأثرة والطمع وغير ذلك.

7. وهو جالب للبركة في الطعام والمال والممتلكات.

8. وجود الإيثار في المجتمع دليل على وجود حس التعاون والتكافل والمودة، وفقده من المجتمع دليل على خلوه من هذه الركائز المهمة في بناء مجتمعات مؤمنة قوية ومتكاتفة.

9. بالإيثار تحصل الكفاية الاقتصادية والمادية في المجتمع فطعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، والبيت الكبير الذي تستأثر به أسرة واحدة مع سعته يكفي أكثر من أسرة ليس لها بيوت تؤويها وهكذا.