شكوى مرة باتت تتردد على على ألسنة كثير من الآباء والأمهات، وتعكس جانبا من معاناتهم في التربية، وهذه الشكوى تتمثل في غياب الشعور بالمسؤولية لدى الأولاد.
وتربية الأولاد على تحمل المسؤولية جزء مهم من عملية التربية؛ لأنها تساعد الأولاد على مواجهة التحديات بثقة، والمسؤولية ليست عبئا، بل شعور بالأهمية والقدرة على التأثير.
والتربية على المسؤولية ليست مهمة سهلة، بل هي عملية مستمرة تبدأ منذ الصغر، وتهدف إلى إعداد فرد قادر على اتخاذ القرار، وتحمل نتائج أفعاله، والمساهمة الإيجابية في أسرته ومجتمعه.
مفهوم المسؤولية عند الأطفال
المسؤولية تعني إدراك الطفل لواجباته، والالتزام بأدائها دون تهرب أو تذمر، وتحمل نتائج تصرفاته، سواء كانت إيجابية أم سلبية، وهي لا تعني القسوة أو تحميل الطفل ما لا يطيق، بل تعني منحه فرصا مناسبة لعمره ليتعلم الاعتماد على نفسه تدريجيا.
والتربية على المسؤولية تعزز الثقة بالنفس وتشعر الطفل بقيمته وقدراته، وتنمي مهارات اتخاذ القرار، واختيار الأفضل من بين البدائل المختلفة، وتعلم الطفل الانضباط والالتزام بالوقت والواجبات، وفيها بناء لروح التعاون وإدراك لدوره داخل الأسرة، وأنه ليس نزيلا في فندق أو عالة على العائلة والمجتمع.
وتشير بعض الدراسات إلى وجود علاقة بين مشاركة الأطفال في الأعمال المنزلية المناسبة لأعمارهم وبين بعض مؤشرات الكفاءة الذاتية والسلوك الاجتماعي والشعور بالقدرة على الإنجاز. ففي دراسة شملت 9,971 طفلا، ارتبط أداء الأعمال المنزلية في مرحلة الروضة بمؤشرات أعلى للكفاءة الاجتماعية والأكاديمية والرضا عن الحياة في الصف الثالث، كما ارتبط أداء الأعمال المنزلية بتحسن في درجات الرياضيات [1].
كما وجدت دراسة أخرى علاقة بين المسؤوليات المنزلية التي تحملها الأبناء في أثناء نشأتهم وبعض مؤشرات الكفاءة الذاتية في مرحلة الشباب [2]. وهذه النتائج تدعم أهمية إشراك الطفل في المسؤوليات المنزلية المناسبة لعمره، مع الانتباه إلى أن هذه الدراسات تكتفي بكشف وجود علاقة بين الأمرين، ولا تثبت وحدها أن الأعمال المنزلية هي السبب المباشر في ارتفاع الكفاءة الذاتية.
ومن هنا، يمكن أن تكون المسؤوليات المنزلية المناسبة للعمر وسيلة لتدريب الطفل على الاستقلال والمشاركة، لا مجرد أعمال إضافية تلقى على عاتقه. وتسهم المسؤولية، حين تمارس بطريقة مناسبة للعمر، في تنمية مهارات اتخاذ القرار، وتعويد الطفل الانضباط والالتزام بالوقت والواجبات، وبناء روح التعاون وإدراك دوره داخل الأسرة.
والطفل الذي لا يتعبه والداه في العمل وأداء المهام المناسبة للمرحلة العمرية التي يعيشها، قد يتعبان ويعانيان معه أشد المعاناة وهو صغير وعندما يكبر أيضا!
الشيخ علي الطنطاوي والتربية على المسؤولية
من الخرافات الشائعة ومن الأخطاء في التربية أن الوالدين يجب أن يضحوا من أجل أولادهم! وصرنا نرى نماذج غريبة من هذه التضحيات، وأشهرها أن يكلف الأب نفسه فوق طاقته أو أن تذهب الأم صحتها لكي يوفرا لأولادهما حياة الرغد والرفاهية، بينما يحرمان نفسيهما من المقومات الضرورية للحياة الكريمة!
ومن المعاني اللافتة في كتابات الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله حديثه عن تعويد الأبناء على العمل والاعتماد على النفس. ففي مقالته “شغلوا الطلاب في عطلة الصيف” من كتاب مع الناس، لا يجعل الطنطاوي العمل وسيلة لكسب المال فحسب، بل يربطه بتعويد الأبناء على العمل ومواجهة الحياة والاعتماد على النفس، فيقول:
“إن القصد ليس المال وحده، بل الاشتغال في العطلة والتعود على العمل والتمرن على مواجهة الحياة والاعتماد على النفس” [3].
وهذا المعنى ينسجم مع ما يراه الكاتب من ضرورة ألا يتحول حب الوالدين وشفقتهم على الأبناء إلى قيام الوالدين بكل الأعمال عنهم، وتحضير لوازمهم، وتهيئة سبل الراحة لهم، بما يربيهم على الاتكالية بدل الاعتماد على النفس.
وإني أتساءل: ما المشكلة لو تحمل صغيرك المسؤولية؟ ماذا لو عمل وأنجز، وشعر بالمعاناة وتألم؟ فالدنيا دار كد وكدر، والأم الحكيمة تترك صغيرها ليتحمل بعض مشاقها، وتعينه بتوجيهاتها، وتسنده بعواطفها، فيشتد عوده ويصبح قادرا على مواجهة مسؤولياته وحده.
حملوا أبناءكم المسؤولية، وأخرجوا منهم رجالا يعتمدون على أنفسهم، يحملون ولا يحملون.
الطفل والاعتماد على النفس
الطفل مفطور على حب التجربة وعلى الاعتماد على النفس، ولكننا نربيه ونعوده على الكسل والاتكالية، فالطفل وهو صغير تجده يحاول أن يتناول الطعام بمفرده، ولكننا نجد أن الأم تتدخل بسرعة وتمنعه من ذلك خشية توسيخ ملابسه أو المكان، وتفضل أن تقوم هي بإطعامه.
ونجد الطفل الصغير وهو يحاول ارتداء ملابسه أو حذائه بنفسه، ولكن الأب أو الأم يقومان بذلك نيابة عنه، والغريب بعد ذلك أن نسمع شكوى الأم أو الأب من اتكالية الطفل وعدم تحمله للمسؤولية عندما يكبر!
ومع تكرار هذا السلوك قد يحرم الطفل من فرص مهمة للتعلم والممارسة؛ لذلك ينبغي للوالدين أن يوازنا بين مساعدة الطفل وحمايته من جهة، وإتاحة المجال له للمحاولة والاستقلال من جهة أخرى.
وفي عصر السرعة والرفاهية، يميل الكثير من الآباء والأمهات إلى تدليل أبنائهم والقيام بجميع المهام نيابة عنهم بدافع الشفقة والحب، لكن “الحب الذكي” هو الذي يمنح الطفل المهارات اللازمة لكي يدير حياته مستقبلا، وهذا لا يحدث إلا من خلال غرس بذور المسؤولية منذ الصغر.
كلكم راع وكلكم مسؤول
من محاسن الإسلام أنه وزع المسؤولية على الجميع، كل بحسب طاقته وقدرته وموقعه في المجتمع، وشدد على أهمية المسؤولية الفردية، فكل فرد في المجتمع لديه واجبات تجاه الآخرين وهو مسؤول عنها.
وقد قال رسول الله ﷺ: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته…” [4]، الحديث يقرر مبدأ المسؤولية والرعاية، ويجعل الإنسان مسؤولا عما وكل إليه، كل بحسب موقعه ودوره. وهذا المعنى مهم داخل الأسرة؛ فالوالدان لا يقتصر دورهما على توفير الطعام والملبس والتعليم، بل يشملان تدريب الأبناء على القيام بواجباتهم، وتعليمهم المشاركة، ومساعدتهم على الانتقال التدريجي من الاعتماد الكامل على الوالدين إلى قدر مناسب من الاعتماد على النفس.
نماذج للتربية على المسؤولية
من النماذج الفذة في التربية على المسؤولية قصة هند بنت عتبة مع ولدها معاوية؛ فقد رأى أبو سفيان معاوية وهو غلام، فقال لهند: “إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه”، فأجابته هند بطموح وعزة نفس: “قومه فقط؟! ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة” [5]. ويمكن الاستئناس بهذه الرواية في الحديث عن طموح الوالدين لأبنائهم، وتوقعهم منهم مكانة عالية، وما لذلك من أثر في نظرة الطفل إلى نفسه ومستقبله.
وصفية بنت عبد المطلب كانت شديدة في تربية ولدها الزبير بن العوام، وكانت تضربه ضربا شديدا وهو يتيم، وروي عنها قولها: “إنما أضربه كي يلب ويجر الجيش ذا الجلب” [6]. وقد أسهم هذا الأسلوب في صقل شخصية الزبير وإعداده لتحمل المسؤولية والشجاعة، حتى أصبح حواري النبي ﷺ وأحد أبرز فرسان الإسلام. ولا شك أن هذه الرواية تنتمي إلى سياق تاريخي وتربوي مختلف، لكن الكاتب يستأنس بها في إبراز أهمية إعداد الطفل منذ صغره لتحمل المسؤولية وعدم الاتكال على غيره.
ومن الأمور المثيرة للدهشة والتي تبين مقدرة الإنسان على التعلم وهو لا يزال في مرحلة الرضاعة، تدريب الرضع على السباحة! فهناك آباء وأمهات يبدؤون بتعليم أولادهم السباحة وعمرهم أقل من سنتين، والعجيب أن مدرب السباحة يلقي هؤلاء الأطفال في الماء ولا يقدم لهم أي مساعدة، وهنا يدرك الطفل أن نجاته من الغرق هي مسؤوليته أولا قبل المدرب وقبل الوالدين، وفي المقابل تنقضي أعمار الكثير من الناس في هذه الحياة، ولا يتعلمون السباحة خوفا من الغرق!
وتجدر الإشارة إلى أن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال تشير إلى أن الرضع دون السنة غير قادرين نمائيا على تعلم الحركات المعقدة اللازمة للسباحة، ولا توجد أدلة على فائدة برامج السباحة لهم في هذه السن، كما تؤكد ضرورة الإشراف البالغ والقريب والمستمر على الأطفال الرضع وغير المتمكنين من السباحة عند وجودهم في الماء أو بالقرب منه [7].
كيف نغرس المسؤولية في نفوس الأولاد؟
السؤال المهم الذي يحتاج إلى إجابة هو: كيف نغرس المسؤولية في نفوس الأولاد؟ وهناك عدة طرق ووسائل عملية لتحقيق ذلك، منها ما يلي:
- الطفل الصغير لديه حب الاستكشاف وفضول التجربة، ولذلك اتركه يجرب القيام بالأمور التي يستطيعها بنفسه، مع قيد واحد وهو ألا يشكل ذلك خطرا عليه أو على المحيطين به، كاللعب بالنار أو استخدام الآلات الحادة.
- كلفه بمهام على قدر سنه، كالاعتناء بحيوان أليف، أو العناية بنبتة أو شجرة يرعاها هو بنفسه ويتابعها بشكل يومي، أو المساعدة في رعاية الأخ أو الأخت الصغيرة لفترة قصيرة وتحت إشراف أحد الوالدين، والطفل من عمر 2-3 سنوات يمكن تكليفه بجمع الألعاب، ووضع الملابس في السلة، ومسح السوائل المسكوبة، والطفل من عمر 4-7 سنوات يمكن تكليفه بترتيب السرير، وري النباتات، والمساعدة في إعداد المائدة، والطفل من عمر 8-12 سنة يمكن تكليفه بغسل الأطباق، وترتيب الغرفة بالكامل، والمساعدة في غسيل السيارة، بينما المراهقين يمكن تكليفهم بالتسوق وشراء حاجيات المنزل، والقيام بأمورهم الخاصة، وإدارة ميزانية بسيطة.ومن المهم ألا نحمل الطفل مسؤوليات تفوق قدراته؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كالشعور بالإحباط أو التمرد. لذلك فإن التدرج، والصبر، ومراعاة الفروق الفردية بين الأطفال عوامل أساسية في نجاح التربية على المسؤولية.
- علمه أن كسب المال يحتاج إلى عمل وجهد، لأن الأطفال الصغار يعتقدون أن الآباء يحصلون على المال بمجرد وضع البطاقة في جهاز الصراف الآلي، وعوده كذلك على كيفية التعامل مع المال والاقتصاد في الإنفاق.
- علمه أن الشعور باللذة والراحة يأتي بعد الجهد والتعب، وليس بمجرد الكسل وعدم فعل أي شيء أو بذل أي مجهود.
- كن قدوة حسنة لأولادك، فالطفل يتعلم بالملاحظة أكثر من النصح والتوجيه، وعندما يرى الطفل والديه وهما يقومان بواجباتهما ويتحملان مسؤولياتهما تجاه الأولاد والبيت، يتشرب ذلك السلوك تلقائيا.
- لا تتول باستمرار واجبات طفلك نيابة عنه، بل ساعده على القيام بها، وأخبره بأنه سيتحمل نتائج اختياراته. فمواجهة تبعات القرارات جزء من تعلم المسؤولية، ومن المهم ألا يسارع الأهل دائما إلى إصلاح أخطاء الطفل؛ فإذا نسي واجبه المدرسي، فمن المفيد أن يواجه نتيجة نسيانه ليتعلم الانتباه في المرات القادمة، وعند قيام الطفل بمسؤولياته، ينبغي مدحه وتشجيعه، أما عند التقصير، فيفضل التوجيه الهادئ بدل الصراخ أو العقاب القاسي، حتى لا ترتبط المسؤولية بالخوف.
- علمه إدارة الوقت، وساعده على وضع جدول يومي يوازن بين الدراسة واللعب والراحة، مما يعزز إحساسه بالالتزام والتنظيم.
- ابدأ مبكرا في تدريب الطفل على المسؤولية وتعويده عليها، ولا تنتظر حتى يبلغ الطفل سن العاشرة لتعلمه الترتيب؛ فالطفل بمجرد أن يستطيع المشي وحمل الأشياء، فهو قادر على البدء بمهام بسيطة، مثل وضع الملابس المتسخة في السلة، أو ترتيب ألعابه بعد الانتهاء منها. يقول أبو العلاء المعري:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوهوما دان الفتى بحجى ولكن
يعلمه التدين أقربوه [8]
- علمه قيمة المشاركة ولا تجبره عليها، فالطفل يجب أن يشعر أنه جزء من العائلة، وليس مجرد ضيف في فندق. والمشاركة يمكن أن تتم من خلال توزيع المهام داخل البيت، وإعطاء الطفل فرصة اختيار المهمة التي يفضل القيام بها.
- فرق بين “الواجبات” و”المكافآت”، فمن الأخطاء الشائعة في التربية ربط أداء الواجبات بالمكافآت المادية، فالمسؤولية الشخصية للطفل، مثل أداء الصلاة أو حل الواجبات أو ترتيب السرير، هي واجبات أساسية ينبغي عليه أن يؤديها ولا يجب أن ندفع مقابلها. والمكافآت تمنح فقط للمجهود الاستثنائي أو المهام التي تخرج عن نطاق مسؤولياته الشخصية.
خاتمة
التربية على تحمل المسؤولية بحاجة إلى صبر وأناة، فقدرات الطفل لا تزال محدودة، والخطأ والقصور في أداء المهام أمر متوقع. فإذا كلفنا الطفل بغسل الصحون مثلا، فقد لا تكون نظيفة تماما في المرات الأولى، والسخرية والنقد اللاذع سيجعلانه يترك تلك المهمة ولن يعود إليها مرة أخرى، والقاعدة الذهبية هي: ركز على “الجهد والمحاولة” أكثر من “النتيجة النهائية”، وشجع طفلك بقولك: “أنا فخور بك لأنك شاركت معنا وحاولت المساعدة”.
إن الهدف من تربية طفل مسؤول هو بناء إنسان يؤمن بأنه قادر، ومؤثر، ومحل ثقة، وفي المقابل تخفف المسؤولية من العبء عن كاهل الأبوين. وتربية الأولاد على المسؤولية استثمار طويل الأمد، يثمر أفرادا قادرين على قيادة حياتهم بثقة ووعي، والمسؤولية لا تفرض بالقوة، بل تزرع بالمحبة، وتنمى بالممارسة، وتترسخ بالتشجيع المستمر، وكلما بدأنا مبكرا، كانت النتائج أفضل وأدوم في بناء جيل واع ومسؤول.
وختاما، تذكر أن الطفل الذي يتربى على المسؤولية مبكرا ينشأ واثقا من نفسه، منظما في حياته، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، فلا تحرم ولدك من هذه المهارات الحياتية.