في الرابع عشر من فبراير  تهب موجة من الفتاوى التي تحرم وتجرم الاحتفال بعيد الحب لأنه من أعياد غير المسلمين، ولا يجوز للمسلم أن يحتفل بأعياد الآخرين، ومع الرغبة العميقة لمن أفتوا بهذه الفتاوى، ومن يعيدون نشرها في تطهير عقائد الناس وعاداتهم من الدخيل الذي لا يتفق مع ديننا وخلقنا، ورغبتهم في إعادة الناس إلى ما كان عليه النبي وأصحابه، إلا أننا نحتاج طوال الوقت للحديث عن الحب واتساع مجالاته، وما يمكن أن يقدمه للإنسانية من خدمات جليلة تهون من مصائب الحياة، وتعيننا على تجاوز أزماتها، ونحتاج إلى تصحيح مفهومه لأنه قد حشر في زاوية ضيقة من علاقة بين شاب وفتاة أو رجل وامرأة لا تحل له.

بداية نحب أن نؤكد على العلاقة بين الإيمان والعواطف القلبية من حب أو كره، قال : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْعَبْدَ لا يُحِبُّهُ إِلا للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أن يلقى في النار»[1]، فانظر كيف ارتبط الحب والكره بإدراك حلاوة الإيمان التي من بين معانيها الشعور بلذة الطاعة وتحمل المشقات حتى يصل المسلم إلى رضوان الله تعالى.

وللحب منافع أخرى فهو يرفع صاحبه إلى درجة في الجنة لا يستطيع أن يصل إليها بعمله، وهذه الدرجة من أعظم الدرجات، قال النبي صلَّى الله عليه وسلم: “إن مِنْ عِبادِ الله لأناساً ما هُمْ بأنبياء، ولا شُهَداء، يَغبِطُهُم الأنبياءُ والشهداء يَوْمَ القيامة لِمكانهم من الله” قالوا: يا رسولَ الله تُخبرنا مَنْ هم، قال: “هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بروُحِ الله على غيرِ أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يتعاطَونْها، فواللهِ إن وجوهَهُمْ لنورٌ، وإنهم لعَلى نُور: لا يخافونَ إذا خافَ الناسُ، ولا يحزنُون إذا حَزِنَ الناسُ”، وقرأ هذه الآية {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس:62][2] فمع رفعة مقام الأنبياء والشهداء إلا أن أهل الحب يضعهم الله في مكانة عظيمة تستحق الغبطة من خير الناس وأعلاهم مقاما.  

ولأهمية  الحب في تحديد مكان الإنسان في الدار الآخرة، جاء عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه – أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ – – عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا». قَالَ: لاَ شَيْءَ إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ – -. فَقَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ – -: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ – – وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ.[3] فانظر إلى الحب كيف يرفع الإنسان ويمكنه من صحبة أهل الدرجات العلا في الجنة.

مجالات الحب عند المسلم؟

تتسع مجالات الحب وتتعدد وعلى رأسها في نظر المسلم:

  • حب الله تعالى فهو سبحانه المنعم التواب الرحيم اللطيف ومعرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وتاثيرها في الإنسان ينمي حب العبد لربه وتأمل إحسان الله تعالى للإنسان ولطفه جل جلاله أيضا ينمي الحب.
  • حب رسول الله : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[4] وفضله على البشرية أعظم من فضل الوالد على ولده وفضل كل صاحب فضل، فبه أنقذ الله تعالى البشر من الضلال والهلكة في الدنيا والآخرة، وأرشدهم إلى السعادة والفوز في الدنيا والآخرة، بينما إحسان البشر بعضهم لبعض مؤقت ومحدود.
  • حب الناس: يتنافس الناس فيما بينهم على الدنيا بطريقة تصان فيها أخلاق الشرف أو تهدر، ولذلك تكثر العداوات بينهم، ويحب كل منهم الاستئثار بأكثر من حقه في وسط هذا الجو تنمو الكراهية والأحقاد، لكن النبي يربط بين الناس برباط من الطهر والمحبة، حين يجعل من الحب في الله وحب الخير للناس من أفضل خصال الإيمان وأعلى درجاته، وهذا اختبار حقيقي يسقط فيه من يدعي الإيمان بظاهره.

والواقع أن الأنانية تقتله، عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَفْضَلِ الْإِيمَانِ قَالَ: ” أَنْ تُحِبَّ لِلَّهَ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللهِ . قَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ” وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ “[5]، وكلمة “الناس” تشمل المؤمن وغير المؤمن فنحب لغير المؤمن  ما نحن فيه من خير وهداية وأن تدركه رحمة الله فيرى الحق ويوفقه ربنا لاتباعه والثبات عليه.  

ويعيد النبي التأكيد على الارتباط بين دخول الجنة والإيمان والحب قال رسولُ الله --: لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[6]، وإن إفشاء السلام سبب للمحبة، والمحبة سبب لتحقيق التعاون، وتحقيق التعاون يعني التناصر في الحق وبالحق، أما الشحناء والبغضاء فسبب لوهن المسلمين.

إذا تحققت المحبة بين المسلمين استطاعوا أن يكون رقما صعبا في كل معادلة، واستحقوا أن يسمع لصوتهم حين يقولون مع الصديق رضي الله عنه فديناك بآبآنا وأمهاتنا يا رسول الله، وأدرك من يراهم أن نصرتهم للنبي ستغير كل مشهد، فقد رأى نعيم بن مسعود حب أصحاب النبي له أثناء التفاوض في عمرة الحديبية، وذكر لقريش من مظاهر هذا الحب والاحترام الشيء الكثير، ورأى أن هذا الحب يدفعهم إلى حمايته بكل وسيلة حتى لو ضحوا بأرواحهم.  

  • داخل الأسرة: يسأل النبي عن أحب الناس إليه فيجيب مباشرة وبلا مواربة عائشة، ويبقي حب السيدة خديجة في قلبه حتى بعد موتها بأعوام  كلما مر ما يذكر بها، ولنسأل مالذي يحبه الرجل في المرأة شكلها أم جوهرها أم كلاهما؟ الشكل يتغير فإذا تغير الشكل تغير القلب، أما الجوهر فتزيده المواقف الطيبة جمالا وبهاء، وإن العشرة الحسنة ترسخ الحب، بل تحول الفتور إلى ارتباط عاطفي تزيده الأيام قوة،  ونحب أن ننبه إلى أن حبك الشئ يعمي ويصم فتفاجئ بأن العيوب التي منع الحب من رؤيتها كثيرة.

إن غياب الحب داخل الأسرة يولد المشاكل، والواجب البحث عن حلول لتعود مياه الحب إلى مجاريها نبحث عن حلول داخل نطاق الأسرة، فإن عجز الزوجان لجأ إلى أقرب الناس علاقة وأكثرهم صدقا وإخلاصا، أما اللجوء لكل من يفتح أذنه ويستعد للسماع دون التأكد من صدقه وحرصه على الإصلاح فأمر يفسد العلاقة بين الزوجين.

المحبة توفر الاستقرار النفسي والأمان العاطفي وتجنب ويلات العنف وتشعر الإنسان بكينونته وتساعده على النجاح، الشخص الذي يشعر بفتور في المشاعر تجاهه أو كراهية كيف له أن يعمل أو ينتج أو يتعاون مع الآخرين وإذا عمل أو تعاون كان لتجنب العتاب أو العقاب، ومتى ما أمكنه التملص من العمل سارع بالفرار.

وأحب أن ألفت النظر إلى أن من يحتفلون بعيد الحب وإن كنت لا أوافقهم بهذا الاحتفال ولا أشعر أن التعبير عن الحب يكون في يوم واحد بهدية أو قبلة أو بما هو أعظم من ذلك أو بغرض إمالة قلب طرف تبتزه بهذه العلاقة وتنجرفان معا في مسار بعيد عن الأخلاق.    

وأرى أنهم يبحثون عن السعادة في الطريق الخاطيء والطريق الصواب هو تأسيس علاقة شرعية بين اثنين يملؤها الحب وتغذيها العشرة الطيبة ويصونها الميثاق الغليظ الذي ربط الله تعالى به بين الزوجين.


[1] صحيح مسلم

[2] سنن أبي داود وحسنه في  جامع الأصول

[3] صحيح البخاري

[4] صحيح البخاري

[5] مسند أحمد

[6] صحيح مسلم