الحداثيون والسنة النبوية

الحداثيون والسنة النبوية

تواجه السنة النبوية في عصرنا الراهن تحديات عديدة تتعلق بنفي صفة الوحي عنها والطعن في حجيتها وصلاحيتها للتشريع، وهي المقولات التي يرددها الحداثيون و أصحاب القراءة المعاصرة الذين اتجهوا إلى تأويل النص الديني بشقيه القرآني والحديثي وأخضعوه للمناهج النقدية التي خضعت لها نصوص المسيحية واليهودية.

وفي السطور التالية أسعى إلى عرض ومقارنة آراء بعض أصحاب القراءة المعاصرة بشأن السنة القولية على نحو تتبدى معه الافتراضات الرئيسة والقضايا المبحوثة وحدود الاتفاق والاختلاف في الأطروحات المقدمة، ووقع اختيارنا على ثلاثة نماذج وهم: جمال البنا ومحمد شحرور وحسن حنفي ولكل منهم إصدار أو ما يزيد في موضوع السنة.  

نحو إعادة تعريف السنة

يعد العبث بمحتوى المفاهيم المستقرة وإحلال أخرى محلها مسألة مركزية لدى أصحاب القراءة المعاصرة ولدى شحرور على الأخص ولع بالغ بها، فهو يطيح بكل التعاريف القديمة ويفرض عنوة تعريفات وتقسيمات غير معهودة ولا فائدة ترجى منها، ومن ذلك تعريفه للسنة بأنها” منهج في تطبيق أحكام أم الكتاب بسهولة ويسر دون الخروج عن حدود الله أو وضع حدود عرفية مرحلية في بقية الأمور، مع الأخذ بعين الاعتبار عالم الحقيقة (الزمان والمكان والشروط الموضوعية التي تطبق فيها هذه الأحكام”[1] وبغض النظر عن الرطانة وعدم الإحكام اللفظي التي تنافي اشتراطات العلماء للتعريفات الجامعة المانعة، فإن ما يمكن استخلاصه من خلال هذا التعريف هو التأكيد على زمانية السنة ونسبيتها.  

ويلتقي حسن حنفي مع شحرور في تأكيده على الطابع التاريخاني للسنة ولكنه يضفي عليها طابعا إنسانيا بل يجعلها أقرب للشعور النفسي إذ يعرفها بكونها “مجموعة من المواقف الإنسانية يعمل فيها شعور النبي، ويقوم بدور المشرع للواقع إما بناءً على الوحي الأول أو بناءً على وحي جديد أو على الفهم التلقائي للنبي لهذا الواقع”[2]، ويبتغي هذا التعريف إخضاع السنة لاسيما القولية إلى مناهج التحليل النفسي، بحيث تصبح الحالة الشعورية والنفسية للنبي صلى الله عليه وسلم من عوامل تقييم الحديث.

ويحجم جمال البنا عن تقديم تعريف محدد مكتفيا بالقول ” إن كلمة السنة إنما تعني عملا وفعلا، وهي بهذا المعنى بعيدة عن كلمة حديث بعد القول عن الفعل” مستخلصا أنه لا يجوز القول أن السنة فعلية لأن السنة وفقا لقواميس اللغة ليست إلا فعلا، كما لا تصح تسمية السنة القولية لأن السنة بطبيعتها عملية وفعلية[3]” الأمر الذي يعني عدم اندراج الحديث ضمن السنة.

مسلمات القراءة المعاصرة في التعامل مع النص الحديثي

ينطلق الحداثيون في مقاربة موضوع السنة النبوية من مسلمتين أساسيتين على الأقل وهما:

المسلمة الأولى، محاولة إيجاد رابط بين اليهودية والمسيحية وبين الإسلام في مسألة الوحي، فها هو جمال البنا يفترض أن الأحاديث مدسوسة على الإسلام وليس لها أي تعلق بالوحي فيقول: “إن ما حدث للإسلام هو ما حدث لليهودية والمسيحية، فما تحدث المسيح بكل ما جاء في الأناجيل أو أعمال الرسل أو غيرها من مراجع المسيحية، وما تحدث موسى بكل ما جاء في التوراة والتلمود والمشنا، إن الأغلبية العظمى في مراجع كل دين هي من إضافات الإكليروس أو المؤسسة الدينية”[4]، أما حسن حنفي فلم يبلغ به الشطط هذا الحد ولكنه فيما يبدو يعتقد أن عملية تدوين الأحاديث كان ينبغي أن تقتفي الأثر الإنجيلي إذ ” لا توجد حتى الآن طبعة للحديث متقابلة في عواميد متوازية لمعرفة التشابه والاختلاف، الزيادة والنقصان بينهم كما هو الحال في الأناجيل المتقابلة” [5] كما يطلق على مدونات الحديث الصحيحة لفظ ” الإصحاحات الستة”، وينعت صحيح البخاري بالإصحاح الأول، وهكذا.

والمسلمة الثانية، التشكيك في الأحاديث بدعوى أنها موضوعة، ثمة إجماع بين الحداثيين الثلاثة على كون الحديث لم يصدر عن النبي وأنه وضع لأغراض أيديولوجية فتضخم القضايا كما يعتقد البنا كان يتطلب من المحدثين سندا تشريعيا بعد انغلاق القرآن، وكذلك كان هناك الحكام الذين يريدونها من أجل المشروعية، كما كان هناك الذين أرادوا إنقاذ الناس من البلبلة الفكرية والتخبط السلوكي[6]، ويذهب شحرور إلى أن جمع وتدوين الحديث غير ذي فائدة فالرسول “لم يفعله بنفسه ولم يفعله الصحابة من بعده لسبب واحد وذلك لعلمهم أن جمعه ليس ضروريا وأن الحديث هو مرحلة تاريخية”[7] على حين يرجح حسن حنفي أن التدوين “ليس بريئا “[8].  

القضايا المركزية

يثير الحداثيون جملة من القضايا التي تتعلق بالسنة النبوية وعلى الأخص القولية منها، ونجدها لدى جميع أصحاب القضايا المعاصرة دون اختلاف إلا في زاوية النظر والتناول، ومن أهم هذه القضايا ما يأتي:

كون السنة وحيًا

وهي القضية الأهم بالنسبة للحداثيين الذين يميلون إلى أنها ليست وحيا، وعلى سبيل المثال يميز شحرور بين جانبين من جوانب الإسلام؛ الجانب المطلق وهو الله سبحانه وتعالى وقد عبر عنه الكتاب الموحى به من عند الله المتضمن الأحكام والحدود والذي يطلق عليه اسم الرسالة، والجانب النسبي في الإسلام المتمثل في النبي وسنته، حيث أخذ النبي المطلق في الإسلام  وحوله إلى عالم الحقيقة النسبي الذي عايشه في القرن السابع.

وإذا ما احتج قائل بأن السنة وحي مصداقا لقوله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) فهذا ما لا يقبله شحرور استنادا إلى أن الضمير هو لا يعود إلى النبي بل إلى الكتاب، واستنادا كذلك إلى قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم) إذ كيف كمل الدين والحديث لم يدون لا في عهد الرسول ولا في عهد صحابته؟ [9]، وتلك حجة واهية إذ أن الجمع والتدوين مجرد عملية إجرائية فنية لا علاقة لها باكتمال نزول الوحي على الرسول، فالقرآن ذاته لم يجمع إلا بعد سنوات من وفاته صلوات الله عليه.  

أما جمال البنا فيؤثر العنف اللفظي على التقعيد النظري الذي لا تؤهله قدراته على القيام به لذا يفرط في استخدام العنف، ومن أمثلته قوله إنه من غير المعقول أن تكون الأحاديث توارت بعد نطق الرسول لها ” حتى كشف عنها المحدثون كما يكشف علماء الأثار عن المومياوات والتماثيل التي أودعها الفراعنة أعماق الأرض”[10]، ويبلغ به الشطط حد الزعم أن عملية “توثين الأحاديث” لم تحدث إلا في عهد معاوية الذي بث القصاص في المساجد لتقصي الأحاديث[11].

ويسلك حسن حنفي سبيلا وسطا حيث يقر أن الحديث وحي لكنه مشوب بالشخصانية ممثلة في تفسير الرسول وفهمه للوحي، وكذلك احتمالية الخطأ من جانبه صلى الله عليه وسلم وفي هذه الحالة يقوم الوحي الأول بتصويب الوحي الثاني كما في واقعة الأعمى الشهيرة التي خلدها القرآن[12] فكون الحديث وحيا ليس بمعنى أنه أوحي بلفظه أو بمعناه، وإنما بمعنى أن مبين ومفسر لما في القرآن فسلطته مستمدة من القرآن وليس له سلطة ذاتية. وعلم الحديث بالتالي “ليس علما مقدسا الصواب فيه من جانب واحد وإنما هو علم نسبي لا إطلاق فيه مع أنه ضمن العلوم النقلية التي لا اجتهاد فيها ولا إعمال للعقل، مما يدل على أن النقل الخالص لا وجود له، مجرد ادعاء غير صحيح”[13].

تاريخانية السنة

يفضي نفي صفة الوحي عن السنة إلى القول بأنها بناء تاريخي ارتبط بظروف زمانية معينة وليس لها صفة الإطلاق، وهو ما يعتقده شحرور الذي يقول أن كل ما ورد على لسان النبي وليس له أصل في القرآن يعد من الأحكام المرحلية أو هو من الأحكام التاريخانية غير المتعدية التي لا يمكن تصنيفها ضمن التشريعات المطلقة مثل: منع النحت والتصوير والموسيقى، وتحريم لبس الحرير[14] ويصدق حسن حنفي على ذلك بقوله إن: الحديث لا يأتي بجديد بالنسبة للقرآن..

فكل ما أتى مخالفا للقرآن ومعارضا له يكون أدعى إلى التشكيك، وهو يتعدى تاريخانية السنة إلى القول بتاريخانية الوحي في حد ذاته قائلا “الوحي إما من أعلى وإما من أدنى، إما نازل وإما صاعد، إما من الوحي إلى العقل والواقع، وإما من العقل والواقع.. إلى الوحي كما كان يحدث لعمر محدث هذه الأمة” [15].

نقد الحديث اقتصر على السند دون المتن

يتفق الحداثيون الثلاثة في موضوع السنة النبوية على أن نقد المحدثين للحديث تعلق بالسند دون المتن، ولذلك جاءت كثير من الأحاديث فقيرة المعنى ركيكة الصياغة، وحول هذا المعنى يقول شحرور إن آية الاهتمام بالسند دون المتن هي وجود العديد من الأحاديث التي وإن صح سندها، بمعنى وجودها في كتب الحديث الصحيحة، إلا أن متونها ضعيفة أو موضوعة، معتبرا أن صحة حديث ما هي صحة اصطلاحية مجازية نسبية وليست مطلقة، وأن صحة الخبر سندا لا تعني إطلاقه متنا[16] ويوافقه جمال البنا الذي يضيف أن الانصراف إلى السند سمح بدخول أحاديث الغيبيات الموضوعة التي أورثت المسلم عقلية نمطية وثبطت ملكات الإبداع والخيال لديه[17].

أما حسن حنفي فقد اتخذ من فكرة الاهتمام بالسند دون المتن منطلقا وركيزة لمشروعه الفكري القائم على إعادة بناء علم الحديث على أسس مغايرة أهمها الاعتناء بالمتن ونقده وفقا لمنهجي النقد التاريخي والتحليل النفسي، وبحسب حنفي يفضي النقد إلى نتيجتين: الأولى هي “عودة الفاعلية إلى التوحيد في حياة الفرد والجماعة وإلى حركة التاريخ، وتحريره من تدوين الحديث ونسبته إلى الرسول…”

والثانية ربط الحديث بالعلوم الإنسانية النفس والأخلاق والاجتماع والفلسفة، من أجل معرفة مدى تطابقه مع العقل ومع الواقع، وهما الركيزتان الرئيسيتان للوحي، وبالتالي تظهر وحدة العقل والوحي والطبيعة”[18].

الخلاصة

استخلاصا مما سبق نتبين أن السنة النبوية كانت أحد شواغل الحداثيين حيث تم تناولها في عدة مشروعات فكرية، ورغم تفاوت المناهج وزوايا النظر فيما بينها إلا أن المسلمات والقضايا المبحوثة تظل على الدوام مستوحاة من الفكر الاستشراقي الذي يتم إعادة إنتاجه في ثوب جديد هو ثوب القراءة المعاصرة للنص الديني.


[1] محمد شحرور، الكتاب والقرآن، دمشق: دار الأهالي، 1990، ص 549.
[2] حسن حنفي، التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم، القاهرة: مكتبة هنداوي.
[3] جمال البنا، نحو فقه جديد، ج2 ، ص 9.
[4] جمال البنا، تجريد البخاري ومسلم من الأحاديث التي لا تلزم، القاهرة: دعوة الإحياء الإسلامي، ص 11.
[5] حسن حنفي، من النقل إلى العقل، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2014، ج2، ص 19.
[6] تجريد البخاري ومسلم، ص 10.
[7] الكتاب والقرآن، ص 547.
[8] من النقل إلى العقل، 2/16
[9] الكتاب والقرآن، ص 545-450.
[10] تجريد البخاري ومسلم، ص9.
[11] نحو فقه جديد، 2/17.
[12] من النقل إلى العقل، 2/10.
[13] نفسه، 2/16-17.
[14] الكتاب والقرآن، 547-548.
[15] من النقل إلى العقل، 2/14.
[16] الكتاب والقرآن، ص568.
[17] تجريد البخاري ومسلم، ص12.
[18] من النقل إلى العقل، 2/487-488.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين