الحديث المسكوت عنه بين الصحة والضعف

كتب دينية في مكتبة الجامع

يقصد بالحديث المسكوت عنه الحديث المروي في الكتب المسكوت عن حكمه من جهة قبوله فيكون صحيحا أو رفضه فيكون ضعيفا وذلك حسب درجته في الصحة والضعف، ويأتي هذا النوع من الحديث على ضربين:

أحدهما: أن يكون الحديث المسكوت عنه مرجعه إلى منهج وشرط راوي الحديث أو مصنف كتاب الحديث. ومن ذلكم:

1- سكوت أبي داود في سننه، ولعل الإمام أبو داود السِّجستاني أول من نوه بهذا النهج وأبانه في سننه حتى عرف في علم الحديث بـــ”سكوت أبي داود”، وقد قال في رسالته إلى أهل مكة:  ” ما كان في كتابي من حديث فيه وَهَنٌ شديد فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض “[1] وتباينت أنظار وآراء العلماء في الاعتماد على سكوت أبي داود بناء على قوله “وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح” ومنهم من احتج به إذا لم ينص على ضعفه أحد ممن يعتمد قوله، وهذا ما مال إليه الإمام النووي وغيره، حيث صرح في مقدمة كتابه رياض الصالحين بأنه يحشر فيه “مختصرا من الأحاديث الصحيحة” ويلتزم فيه أن لا يذكر “إلا حديثا صحيحا من الواضحات، مضافا إلى الكتب الصحيحة المشهورات”[2] لكنه أورد فيه بعض الأحاديث الضعيفة بسبب اعتماده على سكوت أبي داود على الحديث وغيره.

وكذا اعتمد الإمام المنذري على سكوت أبي داود على قبول الحديث في كتابه الترغيب والترهيب.

وقد انتهى تحقيق الحافظ ابن حجر إلى أنه:”..لا ينبغي للناقد أن يقلده- أي أبا داود- في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ إلى أن قال: فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته”[3]

2- سكوت عبد الحق الإشبيلي، وكان الإمام عبد الحق ممن سار على غرار منهج أبي داود في السكوت عن الحديث في كتابه “الأحكام الوسطى” حيث اشترط على أن ما سكت عنه من الحديث فهو صحيح، وبه يقول في خطبة الكتاب:” وإن كانت الزيادة أو الحديث الكامل بإسناد معتل ذكرت علته ونبهت عليها، بحسب ما اتفق من التطويل أو الاختصار؛ وإن لم تكن فيه علة كان سكوتي عنه دليلاً على صحته”[4]

ولكن تعقبه ابن القطان في كتابه “بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام” ولم يسلم له هذا السكوت بل ناقشه في حديث كثير وبين ضعفها.

3- سكوت ابن خزيمة عن الحديث في كتابه التوحيد دليل على صحته عنده لقوله :” لست أحتج في شيء من صفات خالقي عز وجل إلا بما هو مسطور في الكتاب أو منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد الصحيحة الثابتة”[5]

4- سكوت الطحاوي على الحديث في كتابه مشكل الآثار يفيد الصحة، وقد أوضح الإمام في مطلع الكتاب السبب الباعث إلى التأليف: أنه وجد الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها والأمانة عليها وحسن الأداء له، ولكن فيها أشياء يسقط معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس وعلى إثرها وضع هذا الكتاب ليزيل اللبس ويجمع  بين تلك الآثار المقبولة.

5- سكوت الطبري في كتابه تهذيب الآثار، وإنه التزم بذكر ما صح لديه مما رواه الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

6- سكوت البيهقي على الحديث في جميع كتبه يستفاد منه ثبوت الحديث، وقال في دلائل النبوة:” وعادتي في كتبي المُصنّفة في الأصولِ والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها ومالا يصح” [6]

7- سكوت الذهبي في تلخيصه للمستدرك، موافقة له على حكم الحاكم في فهم بعض العلماء الأجلاء، لكن الظاهر – كما حققه بعض أهل العلم – أن مجرد سكوته ليس موافقة منه له لعدم وجود دليل صريح منه يدل على الموافقة، ولذا يجب التحفظ في الحكم على حديث المستدرك وفق مجرد سكوت الذهبى عليه.

8- سكوت ابن حزم في كتابه المحلَّى، ولا يذكر فيه حديثا في معرض الاحتجاج إلا وهو صحيح عنده. يقول رحمه الله في مقدِّمة الكتاب: “وليعلم من قرأ كتابنا هذا أننا لم نحتج إلا بخبر صحيح من رواية الثقات مسند، ولا خالفنا إلا خبرا ضعيفا فبينا ضعفه أو منسوخا فأوضحنا نسخه”[7]

9- سكوت الحافظ ابن حجر على الحديث في “الفتح” يقتضى التحسين عنده على الأقل، حسبما قرره في هدى السارى، ولذا قوى المباركفوريُّ بعض الأحاديث في تحفة الأحوذي متمسكا بسكوت الحافظ عليه، إلا أن العلماء انتقدوا هذا المسلك لوجود بعض الأحاديث التى سكت عليها الحافظ وهي ضعيفة.

والحاصل أن هذا التقرير بإفادة السكوت عن حكم الحديث صحة الخبر أو حسنه قد تركن إليها النفس لمكانة أصحابها، إلا أنها لا تؤخذ كالقاعدة المطردة في مسمى الحديث الصحيح أو الحسن، بل لا بد لمن لديه المكنة العلمية وأهلية دراسة الحديث البحث عن حال الحديث المسكوت عنه والحكم عليه بما يليق به من الصحة أو الحسن أو الضعف.

الضرب الثاني: سكوت المحدث على الحديث ابتداء دون تنصيص على ما يقتضى سكوته من حيث الحكم، والقاعدة في هذه الحالة أنه لا ينسب إلى ساكت قول، فلا ينسب إلى المحدث قول، لا بالتصحيح ولا بالتضعيف إلا بدلالة القرائن المرجحة، بل لا بد أن يخضع كل حديث لمعيار النقد سندا ومتنا.

ويتحرر هنا أيضا أن فتوى المفتي أو عمل العالم بالحديث لا ينتج حكما صريحا لاحتمال اعتماده على مستند قوي آخر غير هذا الحديث.

وذكر زكريا الأنصاري رحمه الله أن جمهور أئمة الأثر لم يروا فتوى أو عملَ أحد العلماء – سواء كان مجتهداً أو مقلداً – على وفاق حديث تصحيحاً له، ولا تعديلاً لرواته، لإمكان أن يكون ذلك منه احتياطاً، أو لدليل آخر وافق ذلك الحديث، أو لكونه ممن يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس

كما حُكي عن الإمام أحمد أنه يقدم الحديث الضعيف – الذي هو الحديث الحسن لغيره في اصطلاح المتأخرين- على القياس. ولأنه لا يلزم المفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته بل ولا بعضها في فتياه[8]

أسباب سكوت المحدث عن حكم الحديث

1- يكون تارة اكتفاءً بروايته للحديث مسندا مما يبرأ به الذمة والعهدة، وكانوا يقولون: من أسند لك فقد أحالك لتنظر في السند، ومن أحالك فقد برئ.
ولذا قال العراقي بعد ذكره لحديث ساقط مروي عن أُبي بن كعب في فضائل القرآن سورةً سورة : وكل من أودع حديث أُبي المذكور في تفسيره، كالواحدي، والثعلبي، والزمخشري، مخطئ في ذلك، لكن من أبرز إسناده منهم، كالثعلبي والواحدي، فهو أبسط لعذره؛ إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، وأما من لم يُبرز سنده، وأورده بصيغة الجزم، فخطؤه أفحش كالزمخشري .

وأيد ابن حجر هذا القول معلقا:” والاكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد، طريقة معروفة لكثير من المحدثين، وعليها ما صدر من كثير منهم، من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحًا، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان.[9]

2-تارة يكون لشدة ظهور أقوال أئمة الجرح والتعديل في رجال السند، ولا يكون قصد الرواية للاحتجاج وإنما لمعرفة كل جاء في الباب، وهذا الذى جعل الإمام الطبري أن يوضح هذا السبب في مقدمة كتابه التاريخ حتى لا يظن به سوء فقال رحمه الله:” فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضيين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا”[10].

3- تارة يكون الحديث مكررا وقد تقدم الكلام فيه في موطن بما يغنى عن الحكم عليه مرة أخرى.

4- تارة يكون في وقت عدم تنشيط المحدث لبيان حاله وينوى العود إليه لكنه ذهل أو نسي.

5- تارة يكون بسبب تردد في الحكم وعدم تحرير القول فيه.

وعلى أية حال فالسكوت على الحديث مع علم بحاله وقدرة على بيانه قد لا يكون من تمام الأداء المطلوب والنصيحة للأمة، ولا سيما إذا كان في السند راو كذاب ونحوه، ولا سيما إذا كان الحديث في الحلال والحرام وفي العقائد.


[1] رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص:72
[2] رياض الصالحين ص:13
[3] النكت 1/ 439
[4] الأحكام الوسطى 1/ 66
[5] كتاب التوحيد ص:5 ومواصع أخرى
[6] دلائل النبوة 1/ 47
[7] المحلى 1 /2
[8] فتح الباقى بشرح ألفية العراقى 2/322 وينظر: التقييد والإيضاح. ص: 144
[9] النكت على ابن الصلاح1/ 128
[10] تاريخ الأمم والملوك 1/13

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات