كنت وما زلت من المعتقدين بأن التطور التكنولوجي يقف وراء تغير مموّه في كل البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والعسكرية، كما أن تسارع التطور التكنولوجي يفرض قسرًا على المجتمعات التغير المتلاحق، وهو ما يفرز بدوره إشكالية القدرة على التكيف التي إذا اتسعت هوّتها وقعت البنية في الاضطراب، وبخاصة أن التغير التكنولوجي له طابع أُسّي (exponential) تقريبًا، مما يجعل بعض الأنساق، بخاصة الاجتماعية، عاجزة عن التكيف الموازي.

من مظاهر التطور التقني المعاصرة اكتساح الذكاء الاصطناعي مجال الإعلام والتأثير على الرأي العام من خلال:

1-القدرة على إنتاج أو تعديل وثائق رسمية تحمل توقيعات الشخصيات المعنية بمضمون الوثيقة، وعليها الأختام الرسمية أو شعارات المؤسسات ذات الصلة، وبشكل يصعب للغاية اكتشاف “التزوير” بصريًا، وقد يكون ذلك التزوير على شكل:

  • شهادات أو وثائق
  • مواقع إلكترونية
  • صور شخصية أو صور جماعية متحركة
  • أصوات أشخاص

2-بناء تقارير مزيفة ولكن لا يستطيع الفرد العادي اكتشاف هل هي حقيقية أم مزورة، وقد تكون على شكل:

  • خطاب لزعيم أو فيديوهات صوتية (Deep fakes)
  • أوامر عسكرية تذهب لوحدات عسكرية فعلية، ولكن عبر خرق للاتصالات داخل هذه الوحدات
  • نشر تقارير استخبارية يصعب تصديقها أو نفيها.
  • أفلام حول موضوع معين أو شخص معين

3- تحطيم رموز أو نخب اجتماعية من خلال إعداد شريط بالصوت والصورة المتقنة تمامًا، ولكنها تتضمن وقائع فاضحة لتلك الشخصية، كأن يتم عرض بريده الإلكتروني المزور أو رسائل الواتساب أو غيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، أو تركيب فيديوهات جنسية فاضحة، أو تركيب مجلس جماعي ويتحدث فيه لمشبوهين، أو تركيب اتصالات هاتفية بينه وبين الآخرين، وقد يحتاج الأمر إلى زمن طويل للتحقق من صحة أو عدم صحة هذه المواد الإعلامية، وقد يتم ذلك للابتزاز أو تشويه الصورة أو للتركيز على موضوع معين تهتم به أطراف سياسية أو أمنية أو غيرها.

إشكالية الرأي العام

من أخطر مظاهر التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي هو سرعة الانتشار، فما أن يجد المتصفح أي مادة مثيرة حتى يسارع لنقلها، وهنا يتواتر الانتشار الأسي ثانية وبسرعة، فمع انتشار أدوات الاتصال الحديثة (الموبايل) والإنترنت وتوابعها، لم يعد الخبر أو الصورة أو التقرير ينتظر طويلًا ليصل للجمهور، فالأمر لا يتجاوز عددًا من الثواني؛ لذلك تؤدي سرعة انتشار آثار “الواقعة المزورة بالذكاء الاصطناعي” إلى تحقيق الصدمة قبل أن يجري أي تحقيق، بخاصة إذا اختلط الذكاء الاصطناعي بالغباء الاجتماعي من خلال الاستقطاب في المجتمع، لأسباب دينية أو جهوية أو لغوية أو حزبية… إلخ.

كما يقود ضعف المؤسسات الرسمية في بعض الدول أو نقص الثقة في تلك المؤسسات إلى سيطرة الإعلام البديل، إعلام الذكاء الاصطناعي، على الساحة، وإلى أن يتم الكشف -إذا تم- عن حقيقة ما تم عرضه، يكون العرض قد فعل فعله، بل قد تتعجل دوائر اتخاذ القرار لإجراءات معينة قبل التحقق التام، وهو ما يزيد الأمور تعقيدًا، ويكفي أن نتخيل، أقول نتخيل:

أ- أن تصل رسائل مستعجلة لمن له الكود النووي في دولة نووية للقيام بهجوم.
ب- أن تصل رسائل دبلوماسية مزيفة.
ت- إبداعات تقنية للتدخل غير الملاحظ في الانتخابات.
ث- افتعال مشاكل بين دول.

ما سبق يحتاج إلى مواجهة مثل “التحقق الرقمي الجنائي أو منصات لكشف التزييف أو غير ذلك”، وهو أمر بحاجة إلى إمكانات مادية ومعنوية، وهو ما يعيدنا إلى إشكالية القدرة على التكيف.

إن خطورة الذكاء الاصطناعي تتزايد كلما كان التزييف أجود، وكلما توافرت آليات انتشاره، وكلما وقع بين جمهور “غير مسلح عقليًا لمحاكمة ما يرى أو يسمع أو يشاهد.

بناءً على ما سبق، كل منا هو عرضة لأن يكون مادة إعلامية “مزورة بالصوت والصورة”… وما زال في جعبة الذكاء الاصطناعي الكثير الكثير، فقد يكون أي منا ضحية لهذا… ربما.