يحل شهر رمضان كل سنة محطة تذكير بأحد أركان الإسلام، وتجليات الإيمان، وحقائق الإحسان، والمسلمون في هذا يتسابقون ويتنافسون لإعلاء منار الدين وتعظيم شرائعه، والإعلان الدائم عن الاندراج الطوعي في العبودية للخالق الحكيم، وتبكيت إبليس وحزبه من المردة والشياطين المتكبرين عن الطاعة والخضوع والخنوع لله رب العالمين.

ولكن الناس في الصوم درجات، فما أكثر الممسكين، وما أقل الصائمين! وحتى يكون الصوم كاملا ويرجى له القبول، فإنه يتوجب على المسلم الطائع أن يلحظ الآتي في ابتغاء الكمال وتجويد الصوم وإتقان العبادة وإحسان الطاعة في هذا الشهر الفريد الذي هو شهر الروح، إذا أن رمضان دورة استدراكية تهذيبية تربوية للروح التي تتخلص قليلا من أثقال الطين وحاجات الجسد التي تسد البصائر عن درك الحقائق، فمن المعلوم أن إمدادات المادة من مأكل ومشرب وشهوات وحاجات تجور على الروح، فتتكلس وتتبلد وربما تتلطخ، وقد تتدنس، فلا  غسل ولا نقاء لها إلا بمثل هذه العبادات التي ترقيها في عالم الأشواق والأذواق، فغداة التقلل من الحاجات البشرية تنفتح أبواب الرؤية التامة لحقائق الأشياء.

ومنها المتاع القليل في هذه الدنيا الزائلة، فرمضان دورة الأرواح، وفيه من مفاتيح الخير وأبواب الغفران ما الله به عليم، مثل  الذكر، والصلاة، والقيام، والتهجد، والسهر، والمناجاة، وقرع الباب، والتعرض للصدقة من الله  في الأبكار والأسحار، ولأجل عزة هذه العبادة جاء الحديث القدسي:” كل عمل ابن آدم له إلا الصيام. فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جنة”. (مسلم، 1105)

ففي الصوم تشبه بالحالة الملائكية من ترك الحاجات، والاندراج في محراب السجود والذكر والتسبيح، فعالم الملائكة النوراني لا يعرف  حاجات البشر من مأكل ومشرب ومنكح، وإنما هو العبادة والطاعة، كما قال تعالى: {وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ  يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا ‌يَفۡتُرُونَ} (الأنبياء، 20-21)، وفي حديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، ‌أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله، لوددت أني كنت شجرة تعضد» (الترمذي، 2312).

وحتى يتحقق الصوم الكامل وتصحح العبادة الوقتية فلا بد من مراعاة وملاحظة ومكابدة الآتي:

1- طلب الكمال في العبادات والأعمال: فطلب المعالي طبيعة المؤمن، الذي يسعى أن يكون للمتقين إماما، وعليه فهو يسعى دوما لإتقان العبادة وتجويدها وإحسانها، لأن الله يحب الإحسان في كل شيىء، وأفضل ما في التجويد هو الدوام، فعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال ‌أدومها إلى الله وإن قل» (البخاري، 6464)، وهو ما يمكّن من الاستمرارية التي مدح النبي صلى الله عليه وسلم أصحابها، وأمر بتوقيرهم كما في حديث أبي موسى «إن من إجلال الله إكرام ذي ‌الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط» (أبو داود، 5843)

2- تصحيح الصوم الفقهي: فالشرط في كمال الصوم صحته فقهيا، وهو ما اجتمعت فيه الأركان المعروفة من النية، والإمساك عن شهوتي البطن والفرج، والمخدوج فقهيا ما تلبس بالتقصير فيما سبق، والأنكى منها حالات من يصوم ولا يصلي عياذا بالله، وصاحبه في هذا متابع لطقس اجتماعي لا ديني، وهو منقوص الأجر على القول بإسلامه عند الجمهور.

وقد حذر المصطفى عليه الصلاة والسلام من النقص والتطفيف في الأعمال العبادية، ففي الحديث عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أسوأ الناس سرقة، الذي يسرق من صلاته، لا يتم ركوعها ولا سجودها، ولا خشوعها”. (مسند أحمد، 22642).  وعن سلمان الفارسي قال: “الصلاة مكيال فمن وفى وفي له، ومن طفّف فقد علمتم ما قيل في المطفّفين” (الزهد لابن المبارك، 1192)، وقياسا على ما سبق فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال، فمن وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفف فيها فويل للمطففين.

3- تحقيق الصوم التقوى الكامل: وهو ما اجتمع فيه الصوم الفقهي مع المحقق للتقوى. وهو ما يجاهد فيه المؤمن محتسبا مرابطا على ثغر العبادة، وهو في هذا ضنين بوقته أن يضيع هدرا أو لغوا أو تقصيرا، وفي هذا نستحضر حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان كله وقمته كله” فلا أدري أكره التزكية، أو قال لا بد من نومة أو رقدة” (أبو داود، 2415).

والحديث يندرج في التذكير بوجوب المجاهدة والمكابدة، خشية الوقوع تحت طائلة الأحاديث المحذرة من حبوط العمل في رمضان، كما هي الآثار:” رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر” (الحاكم، 1587).  ولهذا كان السلف يتعارفون، فإذا جاء رمضان تناكروا ضنّا بالأوقات، وكانوا يتواصون بإتقان الصوم، فعن جابر رضي الله عنه قال: “إذا صمتَ، فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء” (مصنف بن أبي شيبة، 9125).

ولا يتحقق هذا الصوم التقوي إلا بعدم احتقار الذنوب كلها، وذلك شأن المسلم في أيامه كلها، وفي رمضان بالأخص لعظيم حرمة الشهر، وقد أثر عن بعض السلف القول بأن الذنوب مفطرة، كالغيبة، وهو مروي عن حفصة بنت سيرين والثوري والأوزاعي وانتصر لهذا المذهب ابن حزم مستدلين بقوله عليه صلى الله عليه وسلم «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري، 1903).

ولذلك فإن الصوم جنّة وحصن يقي من عذاب النار، وعلى العبد عدم التفريط في هذه الجنة الواقية التي تحجب لفح النار كما يتقي الجندي بدرعه من ضرب الأعداء، ولأجل عدم التفريط جاء التذكير النبوي بكظم الغيظ في رمضان، وعدم مبادلة السيئة بمثلها، وإتمام الصوم بالصبر رغبة في الصوم التام والأجر الكامل.

4- تجليات الصوم الكامل:

أ- الإحسان العبادي: وذلك بإقامة الصلاة والقيام من تراويح وتهجد ونوافل وسنن، فعن أبي هريرة؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه ‌بعزيمة. فيقول: “من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه”(مسلم، 174). 

وفي رمضان سوق نافقة للخير، وأعمال كثيرة، المحروم من فاتته، ففي حديث أنس قال: ‌ارتقى النبي صلى الله عليه وسلم على درجة من المنبر فقال: آمين، ثم ‌ارتقى درجة أخرى فقال آمين، ثم ‌ارتقى الثالثة فقال: آمين، ثم جلس قال: فسألوه: علام أمنت يا رسول الله؟ قال: أتاني جبريل فقال: رغم أنف أمرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك قلت: آمين ورغم أنف امرئ أدرك أحد أبويه، أو كلاهما فلم يدخل الجنة. قلت: آمين. ورغم أنف أمرئ أدرك رمضان فلم يغفر له. قلت: آمين” (البزار، 6252).

ومن تمام هذا الإحسان العبادي الأوبئة الصادقة للقرآن الكريم تلاوة وتدبرا، ولزوم حصير العبادة والذكر والمناجاة، فذاكر الله في رمضان مغفور له، وهناك الليلة الفريدة ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وهي من الليالي العظيمة في العشر الأواخر العظام التي هي مظنة العتق من النار.

ب- الإحسان الاجتماعي: وأبوابه كثيرة جدا بدء من تفطير الصائمين، فعن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائما كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا» (الترمذي، 807)، وفي حديث سلمان الفارسي: “من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء»، قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم، فقال: ” يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة، أو شربة ماء، أو مذقة لبن” (1887).  هذا فضلا عن باقي الصدقات والقربات، وآخرها ما يختم به الشهر من زكاة الفطر التي هي طهرة للصائم وجبر للمساكين والمحاويج، وتعميم الفرحة لجمهور المسلمين، فعن ابن عباسٍ قال: “فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر ‌طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين” (أبو داود، 1609).

ج- الإحسان العلائقي: وذلك بالتخفيف عن الناس في رمضان ومساعدتهم، ووضع الأوزار عنهم، وبذل الندى والمحبة لمجموعهم، فعن ابن عباس:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌أجود الناس بالخير. وكان ‌أجود ما يكون في شهر رمضان. إن جبريل عليه السلام كان يلقاه في كل سنة، في رمضان حتى ينسلخ. فيعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌أجود بالخير من الريح المرسلة” (مسلم، 3208). 

ولأجل ما سبق يحسن بالمسلم أن يندرج في أهل الله وخاصته من المحسنين في هذا الشهر، فيظهر فضله وجوده على رحمه وأهله وخوله، فحيثما كان المسلم فهو رحماني رقيق، وهذا الشهر منحة للاستزادة من الخير، والاستدراك على ما فات، كما أنه هبة للأمة جمعاء لإظهار تراحمها، وإبراز مكامن الخير فيها، وما أكثرها، وهو الامتحان الأكبر للتناصر والتراحم والتآزر وتحقيق الجسد الواحد.