العلم والهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم

العلم والهدى

جاء في الحديث الشريف من السنن الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف العلم الذي جاء به عن طريق الوحي الإلهي وتحصيله والعمل به بالهدى، فقال صلى الله عليه وسلم:”مثل ‌ما ‌بعثني ‌الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما قبعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ‌ما ‌بعثني ‌الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به” [1].

قال الإمام البخاري معلقا: قال إسحاق: وكان منها طائفة قبلت الماء، قاع يعلوه الماء، والصفصف المستوي من الأرض.

والمقصود بالغيث في الحديث هو المطر، وأما العشب والكلأ والحشيش فكلها أسماء للنبات، لكن الحشيش مختص باليابس، والعشب والكلأ مختصان بالرطب.

أما الأجادب جمع الجدب وهي الأرض التي لا تنبت كلأ، وقال الخطابي: هي الأرض التي تمسك الماء فلا يسرع فيه النضوب، وهي ضد الخصب.

وأما المقصود بالقيعان بكسر القاف جمع القاع، وهو الأرض المستوية وقيل الملساء وقيل التي لا نبات فيها وهذا هو المراد في هذا الحديث كما صرح به صلى الله عليه وسلم ويجمع أيضا على أقوع وأقواع والقيعة[2].

فقد جاء تمثيل الهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم بالغيث وربط بينه وبين العلم وهذا يدل على منزلة العلم في الدين، وأن هدي النبي مرتبط بالعلم ومشتمل عليه، ومستنده، ويفرق بينهما أن العلم الصحيح يتعلق بالهدي السديد وهو العمل الموافق للسنة النبوية.

ولبيان هذا التمثيل فإن الحديث الشريف مثل الهدي والعلم الذي جاء به عن طريق الوحي، وتفاعل الناس معه من حيث التحصيل والعمل بالعلم، بأنواع من الأرض وذلك أن الأرض ثلاثة أنواع وكذلك الناس:

 – النوع الأول من الأرض هو الذي ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتا وينبت الكلأ فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيا قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع.

وينطبق هذا النوع من الأرض على الرياض الناضرة ، حيث يملكون جميع المؤهلات والمقومات العلمية التي تعينهم على الفهم والتفقه والعمل بالعلم والدعوة إليه.

– النوع الثاني من الأرض هو مالا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع بها الناس والدواب وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب حافظة لكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فيأخذه منهم فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.

– النوع الثالث من الأرض هو السباخ التي لا تنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع بها غيرها وكذا النوع الثالث من الناس ليست لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية، فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به ولا يحفظونه لنفع غيرهم.

وهذا النوع لا خير له، فهو رجل أصابه من العلم والهدى الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه لم يرفع به رأساً ولم ينتفع به، ولم يعلمه الناس، فكان ـ والعياذ بالله ـ كمثل الأرض السبخة التي ابتلعت الماء ولم تنبت شيئاً للناس، ولم يبق الماء على سطحها حتى ينتفع الناس به.

وهكذا الناس بالنسبة لما بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والهدى، منهم من فقه في دين الله، فعلم وعلم، وانتفع الناس بعلمه. وانتفع هو بعلمه، وهذا كمثل الأرض لتي أنبتت العشب والكلأ فأكل الناس منها، وأكلت منها مواشيه [3].

ويبرز لنا من خلال هذا الحديث فضل العلم الشرعي المقوى بالهدي النبوي، ولا يحظى بهذا الفضل والخيرية إلا أهل العلم والتقوى، ومن هنا يفهم ما جاء في ربط الهدي بالتقوى في بداية سورة البقرة، إذ يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، فإن الكتاب هو القرآن والوحي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وهو الغيث العميم الذي يسقي منه الناس جميعا، وينهلون منه لصلاح حياتهم وسعادة معادهم.

يقول ابن عاشور: “وقوله: (هدى للمتقين) الهدى اسم مصدر الهدي، فالقرآن هدى ووصفه بالمصدر للمبالغة أي هو هاد، والهدى الشرعي هو الإرشاد إلى ما فيه صلاح العاجل الذي لا ينقض صلاح الآجل. وأثر هذا الهدى هو الاهتداء فالمتقون يهتدون بهديه والمعاندون لا يهتدون لأنهم لا يتدبرون، وهذا معنى لا يختلف فيه.

وكان حظ المتقين أنهم يطلبون من الله تعالى عن طريق الدلالة بالعلم والوحي هداية الرشاد إلى ما فيه خيرات الدنيا والآخرة، وهو الهداية إلى الإسلام الذي هو الصراط المستقيم كما نطق به القرآن الكريم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6].

وقد أحسن ابن عاشور حين أوضح المناسبات بين آيات سورة الفاتحة في إطار الحديث المشهور:”قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل” الحديث، فقال ابن عاشور:

“تهيأ لأصحاب هذه المناجاة أن يسعوا إلى طلب حظوظهم الشريفة من الهداية بعد أن حمدوا الله ووصفوه بصفات الجلالة ثم أتبعوا ذلك بقولهم: إياك نعبد وإياك نستعين الذي هو واسطة جامع بين تمجيد الله تعالى وبين إظهار العبودية وهي حظ العبد بأنه عابد ومستعين وأنه قاصر ذلك على الله تعالى، فكان ذلك واسطة بين الثناء وبين الطلب، حتى إذا ظنوا بربهم الإقبال عليهم ورجوا من فضله، أفضوا إلى سؤال حظهم فقالوا: اهدنا الصراط المستقيم فهو حظ الطالبين خاصة لما ينفعهم في عاجلهم وآجلهم” [4].

ويظهر لنا مما سبق أن العلم النافع هو الهدى والرشاد الذي يحقق للإنسان العالم والمتعلم فضائل كثيرة فإنه يقربه إلى الله تعالى بناء على أنه يحمل على التقوى وهو التوقي من الذنوب والخطايا والتسارع إلى الطاعات، فيعمل بمقتضى العلم، ويقربه إلى الناس فيتنفع الناس بعلمه وينالون خيره ويأمنون على شره، ويتحلى بالأخلاق الحميدة، وتأنف نفسه الرزايا والأخلاق المذمومة، ويكتب له بين الناس المحامد.


[1]  «صحيح البخاري» (1/ 42)، و«صحيح مسلم» (7/ 63) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
[2]  «شرح النووي على مسلم» (15/ 47).
[3] «شرح رياض الصالحين لابن عثيمين» (2/ 294).
[4]  «التحرير والتنوير» (1/ 187).

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين